الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
خطاب الفتنة وإعلام الكراهية

خطاب الفتنة وإعلام الكراهية

فتحت الكنائس قاعاتها لطلبة الثانوية العامة من أجل المذاكرة فيها خلال فترات انقطاع الكهرباء، فانهمرت عليها الاتهامات من أصحاب القلوب السوداء والضمائر الميتة والنوايا السيئة، ولكن المبهج فى الأمر أن أكثر المسلمين تصدوا لهذه الفتنة ورحبوا بمبادرة الكنائس التى اقتدى بها عدد من المساجد ومؤسسات أخرى مثل مكتبة الإسكندرية.



المتطرفون الراغبون فى إشعال الفتنة الطائفية أطلقوا سهام الشائعات المسمومة وكتبوا على مواقع التواصل الاجتماعى محذرين الطلاب المسلمين من دخول الكنيسة، وكتب أحدهم داعيا الفتيات المسلمات إلى الانتباه لأن الكنيسة ترغب فى استغلال الفرصة لتنصيرهن، ولا أدرى لماذا التحذير للفتيات فقط وليس للذكور أيضا أم أن التنصير يقتصر على الطالبات فقط؟ وهو ما يدل على مستوى تفكير أصحاب العقول المريضة، انتهى الأمر بسلام ووئدت الفتنة فى مهدها ولكن ما حدث  يلفت النظر إلى استغلال هؤلاء المرضى وسائل الاتصال الاجتماعى فى بث الفتنة من خلال خطابهم الذى يحاولون نشره على أوسع نطاق، وخطورة الأمر أن مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت بمثابة وسائل إعلام جديدة، بل إنها الأكثر تأثيرا وانتشارا  من الصحف والمجلات والمواقع الإخبارية والفضائيات، ولهذا فإن وسائل التواصل الاجتماعى تحتاج إلى نظرة  ولا أقصد وضع قيود عليها فهذا لا يجوز كما أنه لا يمكن السيطرة عليها، ولكنى أعتقد أنه من الواجب تعريف مستخدميها بقواعد الإعلام وميثاق الشرف الإعلامى والصحفى خاصة فيما يتعلق بالأحداث الطائفية والمناقشات الدينية حتى يمكن للقارئ والمتابع معرفة الحقائق من الشائعات، وفى هذا السياق يبرز كتاب «إعلام الكراهية.. آليات تغطية نزاعات الهوية» للكاتب الصحفى والباحث الرائع مايكل فارس والصادر مؤخرا  عن دار العربى للنشر، ويكشف فارس فى الكتاب وضع الإعلام قائلا: «من يتأمل المشهد الإعلامى يكتشف جليا مدى الارتباك فى تناول الأزمات خاصة التى تقودها وسائل التواصل الاجتماعى، ليقع الإعلام بين مطرقة انتشار السوشيال وسندان سياستها التحريرية فتخرج صورة مشوهة للأحداث»، ويُرجع فارس ارتباك الإعلام خلال تغطية الفتن الطائفية لأربعة أسباب، إما سياسة تحريرية موجهة، أو جهل بالقواعد المهنية، أو  تعصب دينى من القائم على تحرير ونشر وإذاعة الحدث، أو تعليمات تجد الوسيلة الإعلامية نفسها ملتزمة بتنفيذها.. ويستعرض فارس فى أحد فصول الكتاب المغالطات فى التغطية الإعلامية للنزاعات الطائفية وأهمها مغالطة «التعميم المتسرع»، حيث يتم تعميم الفعل الذى يقع من فرد أو مجموعة صغيرة على الكل مثل تعميم كلمة الأقباط أو المسلمون على حدث قامت به مجموعة فيبدو من عنوان الخبر كما لو كان الأقباط كلهم أو المسلمون جميعا قاموا بهذا الفعل، والمغالطة الثانية ما يطلق عليها «سرير بروكرست»، وسميت بذلك نسبة لأسطورة يونانية قديمة تقول أن قاطع طريق اسمه بروكرست كان يستدرج ضحيته ويضايفه  ويدعوه للنوم فى سريره فإذا كان أطول من السرير يبتر جزءًا من قدميه وإن كان أقصر يربطه ويمط فى رجليه، ويشير المصطلح  إلى فرض القوالب على الأحداث أو الأشخاص وإلى الحقائق وتلفيق البيانات لكى تنسجم قسرا مع مخطط ذهنى مسبق، المغالطة الثالثة «رجل القش»، فحين لا تستطيع مهاجمة  القضية الرئيسية نختلق قضية فرعية أضعف ونهاجمها، وسميت المغالطة بهذا الاسم حيث كان يُصنع دمية محشوة بالقش ليبارزها الفارس بدلا من خصمه القوى، ومثال على ذلك خبر على لسان عضو حزب النور يقول فيه «لمن يهاجمون حجاب الطالبات.. أين أنتم من العرى فى الساحل الشمالى» وهو هنا لم يرد على الحجة الأصلية بمبررات منطقية مثل أن الحجاب حرية شخصية أو بأسانيد فقهية واستبدلها بحجة أضعف وبدأ مهاجمتها، كما أنه افترض أن من يعارضون الحجاب يساندون العرى، المغالطة الرابعة «ماذا عن؟»،  وهو محاولة تحويل النقاش إلى موضوع آخر غير الموضوع الاصلى لتشتيت الجمهور والقراء بعيدا عن النقاش الاساسى، مثل أن يكون السؤال عن بناء الكنائس فيقول وماذا عن المساجد وإغلاقها بعد الصلاة مباشرة، المغالطة الخامسة «الإحراج الزائف»، حيث يتم فى المسائل الخلافية وضع خيارين لا ثالث لهما وكأنه لا يوجد بديل لهما، المغالطة السادسة «الاحتكام إلى الاشمئزاز» وفيها يقوم المغالط بربط القضية التى يريد إضعافها بأمور تثير الاشمئزاز والمغالطة السابعة «تجاهل المقيدات» ومثال على ذلك خبر يقول «فرنسا تحقق مع سائق استمع للقرآن داخل حافلة، والحقيقة أن السائق قام بتشغيل القران فى حافلة عمومية رغم طلب الركاب إيقاف الصوت، فقررت هيئة النقل الفرنسية فتح تحقيق معه لانتهاكه لوائحها التى تمنع المظاهر الدينية فى المواصلات العامة وليس لاستماعه  للقرآن، المغالطة الثامنة «المنحدر الزلق» وفيها يتم التلاعب بالمشاعر عبر تشويه الحقائق أو استخدام جزء منها وإغفال الباقى، المغالطة التاسعة «التفسير بالتسمية»، وفيها يتم انتقاء احد الأسباب وعرضه كسبب وحيد أدى إلى نتيجة ما دون ذكر باقى الأسباب، المغالطة العاشرة «مدمجة منطقية وسيكولوجية»، مثل استخدام كلمة الإخوة فى الحديث عن المسيحيين  فى حين لا يتم استخدامها عند الحديث عن المسلمين.. كل المغالطات السابقة تنطبق على ما فعله دعاة الفتنة مع مبادرة الكنائس بفتح أبوابها   لطلاب الثانوية العامة، حيث ارتكبوا كل المغالطات الإعلامية، وتجاهلوا أن المبادرة لصالح الطلاب وتساعد فى حل مشكلتهم عند انقطاع الكهرباء وتؤكد على الدور الاجتماعى  المطلوب من دور العبادة القيام به عند الأزمات. كتاب فارس مهم ونحتاج إلى تطبيق ما جاء فيه لنواجه ما يحدث على السوشيال ميديا من خطابات الفتنة وإعلام الكراهية.