السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كنوز آمال العمدة.. مأمون الشناوى: الحب والعشق والشجن "الحلقة 2"

فى الجزء الأول من حوار الشاعر الكبير مأمون الشناوى، «كتلة الإحساس الصادق» تحدث خلاله عن الصحافة الساخرة وكيف أصبح «جراح قلب» بالكلمات وأجاب عن السؤال الصعب، هل الحزن فى معاني الأغانى متوارث فى عائلة «الشناوى».. وخلال هذه الحلقة نستكمل الحوار النادر الذى تنشره مجلة «روزاليوسف».



 لم تعد هناك روح تجمع الأدباء

آمال: بعد صالون كامل الشناوى أين الصالونات الأدبية؟

مأمون الشناوي: الصالونات الأدبية اندثرت، فلم تعد هناك روح تجمع الأدباء والمثقفين بعد أن شغلتهم الحياة، وكامل الشناوى كان فعلاً يجذب أصدقاءه بطريقة غريبة، فكل صديق من أصدقائه كان لا بد أن يتصل به ويجلس معه وكان يجمع كل أصدقائه وتلاميذه. آمال: الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى قال لى إنهم فى شبابهم كان يجمعهم صالون طه حسين، وكانت هناك مناظرات أدبية وثقافية وشعرية وفى مختلف القضايا تطرح وتناقش وتحلل، أما الآن فقد انجذب الجميع للكرة وأصبحت الأحزاب الفكرية أحزابًًا كروية.. فماذا تقول للأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي؟

مأمون الشناوي: نعم كان هناك صالون طه حسين وصالون العقاد وصالون كامل الشناوي، وكان كل صالون منها مسمى باسم شخص واحد أستاذ كبير له مريدوه. لكن مثقفى العصر الحالى هم المسئولون عن عدم فتح صالوناتهم لهذه الجلسات الأدبية وللمناقشات والمناظرات عكس القدامى الذين كانوا يفتحون صالوناتهم، أما الآن فلا يوجد باب من أبواب أساتذتنا الكبار مفتوح لهؤلاء الشباب.

بليغ ملحن رائع وشاعر أغانى ناشئ

آمال: الموسيقار بليغ حمدى اضطر لكتابة أغنياته بنفسه، حيث قال إنه فى غياب الكلمات وصًناع الكلمات ومصيغيها أصبح يكتب كلماته لنفسه لأن هناك فقرًا مدقعًا فى الكلمة؟

مأمون الشناوي: أنا سمعت بعض محاولات بليغ حمدى وقرأت بعضها أيضًا وأسفت لأنى لم أجد فيها إلا تكرارًا لأغنيات موجودة ومكررة، فهو لم يضف شيئًا ولم يثر الأغنية، بل على العكس فقد أحزننى لأنه ملحن رائع لكنه فى نفس الوقت شاعر أغانى ناشئ، ومن المؤسف أن يكون هذا حاله.

آمال: إذن ففى رأيك إلى أين تتجه كلمات الأغنية المصرية؟

مأمون الشناوي: الأغانى الجديدة لا تؤثر فيّ، ونادرًا ما أشعر بالطرب الذى كنت أشعر به وأنا أسمع أغانى فريد وعبد الحليم وأم كلثوم، رحمهم الله، وهناك ظاهرة حديثة أيضًا، وهى أن شريط الكاسيت يتطلب 12 أغنية جديدة وهذا شيء صعب جدًا رغم قصر الأغانى الحديثة.

آمال: هل أنت بخيل على الأصوات الجديدة بالكلمات؟

مأمون الشناوي: لست بخيلاً عليهم، لكنى لا أشعر بالحماس فى أن أكتب شيئًا وأسمعه منهم، وليس عندى أى حافز لهم، لكنى أعذرهم رغم ذلك، لأننا نظلمهم إذا قارناهم بالمطربين الكبار القدامى الذين رسخوا مكانتهم فى عشرات السنين.

آمال: لكن هل يجب أن ينتظروا كل هذا العمر لتتحمس لهم وتكتب لهم، أم ترى أنه لا بد من أن تقف معهم فى مهدهم وتساندهم؟

مأمون الشناوي: كما قلت فإنى لا أجد الحماس أو الاهتمام بسماع كلماتى منهم، لكنى فى بعض الأحيان أعطى بعض أغنياتى للجيدين منهم، أو أكلف من السينما فأكتب، لكنى لم أعد أتلهف على سماع كلماتى وكيف ستخرج للنور. هذا بالإضافة إلى أن عملى الصحفى يستغرق وقتاً طويلاً جداً، وجعل الوقت المتاح لكتابة الشعر ضئيلًا.

آمال: إذن فقد جارت الصحافة على إنتاجك الشعري، كما حدث مع شقيقك كامل الشناوي؟

مأمون الشناوي: هذا صحيح.

آمال: وهل أنت مستريح لذلك؟

مأمون الشناوي: لا.. لكنى لا أستطيع التخلى عمن يراسلوننى ويسرون إليّ بمشكلاتهم عبر جراح قلب.

آمال: أنت تشعر بنفس الحسرة بعد أن جارت الصحافة على الفنان فيك..؟

مأمون الشناوي: طبعاً.

آمال: أتساءل.. هل قلت ما تريد قوله سواء من خلال شعرك أو كلماتك الصحفية؟

مأمون الشناوي: أحاول أن أقولها، فأنا لم أقل حتى الآن إلا 10 % مما أريد قوله، وهذا مع المبالغة.

آمال: وهل ما زالت 90 % من كلماتك حبيسة بداخلك؟

مأمون الشناوي: ليست حبيسة، لكن حينما أستعرض إنتاجى لا أشعر بأنى فعلت إلا 10 % مما أريد فعله.

آمال: لكن حينما ترصد من مرصدك الفنى أن أغنياتنا لم تعد تؤدى دورها المطلوب كفن فى إثراء وجدان المستمع.. ألا تشعر بأن هناك واجبًا عليك فى أن تشارك فى الركب وتقول كلمتك وتخرج شيئًا مما هو حبيس بداخلك؟

مأمون الشناوي: يخيل لى أن الناس سعداء بذلك، ويشعرون بالفرح من هذه الأغاني، بدليل أن برامج ما يطلبه المستمعون تجد إقبالًا شديدًا ويطلب فيها أغنيات ليست لديها مقومات النجاح، كما أن مبيعات الأغانى ترتفع مع أغنيات لا تمت للفن بصلة.

آمال: هل ترى أن الذوق الفنى أصابه عطب؟

مأمون الشناوي: هى أنفلونزا فنية جاءتنا من أوروبا، وهى أغانى الديسكو وهى ليست من فنوننا، ومن المؤكد أن فننا سيشفى من هذه الأنفلونزا.

آمال: لكن أرضنا الطيبة التى أخرجت عبد الحليم وأم كلثوم وعبدالوهاب من المؤكد أنها أخرجت غيرهم ممن يحتاجون لأمثالك لمساعدتهم…

مأمون الشناوي: لكن الحقيقة أن الأصوات الجيدة نادرة عندنا فى مصر، فنحن رغم كثرتنا خرج من عندنا مثلاً عبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب فى حين أن بلداً آخر أقل منا عدداً مثل لبنان أخرجت مواهب مثل فيروز وفريد الأطرش ووديع الصافى وصباح وغيرهم، وذلك رغم  أن عندنا فى مصر الآن معاهد موسيقية، وأصبح المجال العلمى الذى يساعد على تفتح المواهب، ويجعل المناخ عندنا أفضل من أى بلد آخر، لكنى لا أعلم ما الذى يجعل المواهب الحقيقية نادرة عندنا، وأنا أشعر أيضاً أن الأصوات الجيدة تتجه للعمل والاحتراف قبل الالتحاق بالمعهد.

آمال: أنت تقصد أن جيل الفنانين الآن جيل يستسهل الطريق ويحاول الوصول بسرعة؟

مأمون الشناوي: هذا صحيح، فكل مطرب فور إذاعة أول أغانيه أو تسجيل أشرطته يريد شراء السيارة ويبحث عن الأناقة ويرضى عن نفسه وعن المكان الذى وصل إليه ولا يبحث عن تطوير نفسه.

آمال: اسمح لى أن أعرض عليك رأيًا للموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب كدرس لفنانى اليوم اليوم حيث قال لى إنه كان يركب الحمير ويقع فى الترع ويذهب للنجوع والكفور ويغنى بدون ميكروفونات وظل يعانى سنوات طويلة حتى وصل إلى ما وصل إليه.. فما تعليقك؟

مأمون الشناوي: نعم عبدالوهاب عانى كثيرًا، وأيضًا أم كلثوم وفريد وعبد الحليم، فكلهم عانوا معاناة رهيبة إلى أن وصلوا للقمة والمكانة التى وصلوا لها، ولكن الآن أصبح الأمر سهلاً، فإذا أراد التعلم يلتحق بالمعهد مجانًا ويعيش فى راحة، وتفتح له الإذاعة أبوابها متى أراد، وأيضًا ظهور الميكروفون جعل الاهتمام بتقوية أصوات المطربين يفتر، فلم يعد هناك من يدرب صوته ويترك الأمر كله للميكروفون.

 

الفن لا يُحتَرف

آمال: بنفس الجرأة والصراحة.. هل يمكن أن تقيم شعراء اليوم؟

مأمون الشناوي: الشعراء الغنائيون قبل هذا الجيل لم يكتب أى منهم بغرض احتراف مهنة كتابة الأغاني، وظلوا هواة ومحبين، ولكنها الآن أصبحت احترافاً بحتاً وهذه مصيبة جداً، لأنهم امتهنوا كتابة الأغانى ولم يعد لديهم عمل آخر، وطبعًا منهم من يكتب بشكل جيد، ولكن لا يوجد الإحساس الحقيقى الصادق لأن كل منهم يريد كتابة أغنيتين كل يوم لكى يواجه تكاليف الحياة، وهذا الفن لا يتحقق أبداً بهذا الشكل والاحتراف يأتى وحده، أما من يسعى لاحتراف الفن فلا يخرج منه أبداً الفنان.

آمال: إذن فقد اندثر الصدق فى الكلمة المغناة…

مأمون الشناوي: طبعًا.. فقد انقلب الانفعال فى الكلمات إلى افتعال فى الكلمات، وهذا هو سر هبوط المستوى، فلم تعد هناك كلمات تلمس القلب، وقد يكون فى أغنياتهم ما يعجب العقل، لكن لا يوجد ما يمس القلب.

آمال: آخر شاعر من جيلك هو حسين السيد، وقال لى إنه لا يزال يعيش فى دنيا الكلمات، ولا يزال يكتب لكنه يشعر بأنه من الخسارة أن يمنح ما يكتبه لأحد لكى يغنيه…

مأمون الشناوي: حسين السيد شاعر فى غاية النشاط بالفعل، وأنا أطالبه بالبحث عن الملحن الذى ينقطع له، ويجلسان معاً لإخراج العمل، لأن هذا أكثر فائدة، وأم كلثوم كانت تفعل ذلك معنا، فكانت تجمع بين الملحن والمؤلف يوميًا، وبشكل دائم حتى ينتهى العمل بدقة ليخرج فى أحسن صورة.

آمال: أم كلثوم كانت تفعل ذلك، وتراجع المؤلف والملحن وتضبط العمل، لكن أين المطربين الحاليين من ذلك؟

مأمون الشناوي: أغلبية المطربين الحاليين عبارة عن بغبغانات لا يفكرون، وليس من المهم عندهم أن يكونوا مقتنعين بل أن يقولوا كما يقول الملحن بدون إحساس فى معظم الأحيان.

>أصبحت مؤلف أغانى بالصدفة

آمال: كيف أصبحت مؤلف أغاني؟

مأمون الشناوي: أصبحت مؤلف أغانى بالصدفة، فأنا لم أكن أعرف عبد الوهاب، وكنت وقتها أعمل سكرتيرًًا لتحرير آخر ساعة، وكنت شابًا فى الخامسة والعشرين من عمري، وكنت أحب بنت الجيران حبًا عنيفًا، وكل يوم أكتب لها قصيدة، وكان لى صديق ملحن اسمه محمد صادق الذى غنى أغنية «نورت ياقطن النيل» وكان جاري، فكنت أكتب القصائد لبنت الجيران ويلحنها محمد صادق ويغنيها وتسمعه بنت الجيران، وتصادف أن سمع عبد الوهاب صوت محمد صادق فأرسل لى لكى أزوره فى ستديو مصر وكان يعمل فى فيلم «يوم سعيد» فاعتقدت فى البداية أنه يريدنى فى عمل صحفى لكنى فوجئت به يحدثنى فى الأغنيات التى كتبتها لمحمد صادق، وطلب منى كتابة أغنية له، وكانت أول أغنية كتبتها له وكانت اسمها «إنت وعزولى وزمانى حرام عليكو»، وكانت بدايتى الحقيقية فى كتابة الأغاني، وكان امتحانًا صعبًا جدًا، فبدايتى كانت مع أحسن مطرب وأجمل صوت موجود، ولم أكن أتصور أنه سيطلب منى شيئًا، وما زاد من صعوبة الموقف أنه طلبها منى للحن كان لديه ولم تكن هناك كلمات له، وأنهيت كتابة الأغنية فى 24 ساعة فقط. وبعدها استمريت فى العمل مع عبد الوهاب ثم فريد وأسمهان حينما جاءا من لبنان لتمثيل فيلم «غرام وانتقام» واختارت اسمهان مؤلفى أغانى الفيلم وهما أحمد رامى وبيرم التونسي، واختارتنى من فرط إعجابها بأغنية «أنا وعزولى وزمان».

آمال: كم كتبت من أغنيات فى بنت الجيران؟

مأمون الشناوي: كتبت فيها آلاف الأغنيات، لأنى استمريت فترة طويلة جدًا أكتب فيها فقط.

آمال: هل تتذكر أول أغنية كتبتها فى بنت الجيران؟

مأمون الشناوي: نعم، وكانت من كلمات بسيطة يقول مطلعها:

تكره.. تحب.. مافيش فايدة        ما راحت النار الآيدة

وكانت أول أغنية كتبتها فى حياتي، ورغم ذلك فقد فوجئت هذا العام بمسلسل لحسن يوسف يغنى فيه فايد محمد فايد هذه الأغنية، وكانت نهاية هذه القصائد أن تزوجت بنت الجيران بالفعل، ورزقت منها بثلاثة أولاد وأربع بنات، ورغم ذلك ما زلت أنظم كلماتى فى بنت الجيران.

آمال: ماذا عن آخر كلمات نظمتها؟

مأمون الشناوي: آخر كلمات نظمتها لأم كلثوم، وكنا قد اتفقنا عليها ولحنها رياض السنباطي، ولكن القدر لم يمهل أم كلثوم لكى تغنيها، وكانت كلماتها تقول:

شوف الدنيا .. ما بين ثانية .. وبين ثانية

حبيبى لقيته حاجة تانية

شوف الدنيا

شوف اللى جانى بعد غياب 

وقابلنى تانى بعد عذاب

جانى يقول خللينا صحاب

واحنا اللى كنا أعز أحباب

حاولت أشوف روحى فى عينيه زى الأول

مالقيتش غير الحيرة عليه لما أتحول

وجانى يقول خللينا صحاب

واحنا اللى كنا أعز أحباب

شوف الدنيا

افتكرته جاى يقول لى سماح على الغيبة الطويلة

جاى بالليل المنورجاى بأحلامنا الجميلة

جاى بالحضن الحنين

قلت عشنا أحلى ليلة

ولسه هأقوله واحشني

واسأل ليه بعيد عني

لقيته قال خللينا صحاب

واحنا اللى كنا أعز أحباب

شوف الدنيا

كل شيء أهو راح لحاله

وانتهى بعد اللى قاله

وراح الحب بجراحه وأفراحه

وقلت لقلبى ولأفكارى يرتاحوا

ولو نادانى أو جانى لحد الباب

هقول له تبت عن حبك

وقلبى تاب

لا بينا عتاب ولا أحنا أصحاب ولا أحباب

وآدى الدنيا

آمال: وما الشيء القادر على إعادتك للحياة الفنية مرة أخرى؟

مأمون الشناوي: الشيء الوحيد الذى يمكن أن يعيدنى للحياة الفنية وللكتابة هو عودة عبدالوهاب للغناء