الإثنين 1 سبتمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
المعاملة ليست بالمثل

المعاملة ليست بالمثل

هل تُعاقَب مصر على موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين؟



 

فى بداية شهر يونيو 2015، كانت الأجواء فى وسط مدينة برلين، شديدة «السخونة»، بقدر يتجاوز دفء صيف العاصمة الألمانية، ما بين موقف وطنى لمئات من الجاليات المصرية فى ألمانيا ودول أوروبية، جاءوا ترحيبا برئيسهم ودعمًا لدولتهم، فى مواجهة قلة أو أفراد من «أهل الشر»، جاءوا ليلاحقوا ويعتدوا على كل من يساند الدولة المصرية!

وقتها كنت ضمن وفد إعلامى، يرافق الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال زيارته الأولى إلى ألمانيا، وشاهدت عن قرب، «كم أساءت عناصر جماعة الإخوان الإرهابية، بحق المصريين ودولتهم»، بل لاحقوا كل من كان فى الزيارة وأبناء الجالية المصرية، فى محطات الزيارة الرئيسية، خصوصًا بالقرب من «بوابة براندنبورغ» الشهيرة، بوسط برلين، وأمام المستشارية الألمانية.

 

كان أكثر ما يلفت الانتباه فى هذه الأجواء المشحونة، أداء الشرطة الألمانية، ذلك أن دورها لم يتجاوز مسألة تنظيم الحواجز الأمنية فقط، لتسهيل حركة المرور، وللفصل بين كتلة الجاليات المصرية، وعناصر الإرهابية، التى لم تُخفِ تهديدها وإرهابها، بل تتحرك حتى مع اعتداءاتهم على بعض من رموز الجالية المصرية فى ألمانيا وقتها!

تذكرت تلك المشاهد، مع ما حدث مع عدد من الشباب المصرى، الذين بادروا للتصدى لتهديدات واعتداءات عناصر جماعة الإخوان الإرهابية فى الخارج، ضد السفارات المصرية، وسط «قصور» فى التعامل الأمنى، فبدلًا من تعزيز أجهزة أمن الدول المضيفة، لإجراءات تأمين السفارات المصرية، والتصدى لأى معتدٍ، نفاجأ فى المقابل، بقيام الشرطة البريطانية بالقبض على اثنين ممن وقفوا للتصدى للهجوم على السفارة المصرية، وهما أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، وأحمد عبد القادر «ميدو»، رئيس الاتحاد.

 

 

 

 صوت مصر فى أوروبا

ما حدث فى لندن أخيرًا، يذكِّرنا بكثير من المشاهد المماثلة، لوقائع الاعتداء والاستهداف والإرهاب، لعناصر الإخوان الهاربة، بحق المصريين بالخارج، والتى كنت شاهدًا على بعضها كما حدث فى برلين، وهنا أذكر مثلا واقعة اعتداء عنصر إخوانى على رئيس بيت العائلة المصرية بألمانيا، علاء ثابت، أثناء وقفة ترحيبية نظمتها الجالية لزيارة أخرى للرئيس السيسى لبرلين فى نهاية أكتوبر 2018، ما أدى إلى إصابته بالرأس ونقله إلى المستشفى.

والواقع أن حملات التشويه والاعتداء الممنهج بحق المصريين ودولتهم فى الخارج بعد ثورة 30 يونيو 2013، لم تحقق أبدًا غايتها، ذلك أن «صوت الحق المصرى» دائما ما كان ينتصر، بفرض إرادته وكلمته، ولم تتعطل علاقات ومصالح مصر مع تلك الدول مع كل محاولات الإحراج والتشويه فى الخارج، ولم يكترث المصريون بالخارج بمحاولات إرهابهم المستمرة، بل دائما ما كانوا خلف دولتهم وقيادتهم.

وهنا مثلًا، أتذكر ما حدث فى وقائع المؤتمر الصحفى للرئيس السيسى، فى زيارته الأولى لألمانيا، مع المستشارة الألمانية وقتها أنجيلا ميركل، فقد عُقد المؤتمر وسط أجواء سياسية مشحونة، وحالة من الترقب حاضرة لنتائج أول زيارة لرئيس مصر، لأكبر العواصم الأوروبية، وفى وقت كان لا ينظر فيه كثير من الأوروبيين لما حدث فى 30 يونيو باعتباره ثورة شعبية.

هذه الأجواء كانت تخيم على الوفود الإعلامية المصرية والأوروبية، الحاضرة بمقر المستشارية الألمانية، غير أن صيغة خطاب الرئيس السيسى، كانت كفيلة لفرض كلمة مصر أمام الرأى العام الأوروبى، وقتها لم يلجأ الرئيس للكلمة المكتوبة، وارتجل بلسان حاسم مبين، ردًا على ما كان يردده الأوروبيون وقتها، ليؤكد للمستشارة الألمانية، أن ما حدث فى مصر «ثورة شعب، خرج ليسترد دولته وهويته».

أذكر أن كلمة الرئيس فى المؤتمر الصحفى، استغرقت نحو ربع ساعة، فنَّد خلالها كل المزاعم الأوروبية التى كانت تردد وقتها تجاه مصر وثورتها الشعبية، ومنها مسألة حقوق الإنسان التى طالما يتم المزايدة بها، ليؤكد على أن «النظرة لحالة حقوق الإنسان فى بلادنا يجب أن تكون مختلفة عن النظرة الأوروبية، لاختلاف الواقع، وبحيث تكون النظرة شاملة وجامعة لكافة الحقوق المكفولة للإنسان، دون حصرها على بند محدد من الحقوق». 

 

 

 

 المعاملة ليست بالمثل

وإذا نظرنا إلى مواقف بعض الدول، تجاه الهجوم الذى يستهدف بعثاتنا الدبلوماسية، وما يحمله من تناقضيات وكيل بمكيالين، إلا أنها مواقف كاشفة لسياسات عديد من الدول، التى تحتضن عناصر الجماعة الإرهابية، وبات معلومًا الغاية التى تغض لأجلها تلك الدول الطرف عن حملات التشويه والإساءة الممنهجة بحق الدولة المصرية من العناصر الإخوانية، فكلها أوراق ضغط على القاهرة، بفضل موقفها الراسخ والداعم للقضية الفلسطينية، والرافض لأى دعوات وصور للتهجير.

لم يكن الدعم الشعبى من أبناء الجاليات المصرية فى الخارج التحرك الوحيد للتصدى لمخطط الاعتداء على السفارات ووقائع «القصور الأمنى»، فقد سبق ذلك تدخلات دبلوماسية واتصالات مصرية مع الدول التى تحدث بها الاعتداءات، وهنا أتوقف مع تصريح وزير الخارجية، الدكتور بدر عبد العاطى، حينما أشار الأسبوع الماضى، إلى «رصد دول تخاذلت وتقاعست فى توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية المصرية، وتم تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، فى سفاراتها بمصر، بتخفيف إجراءات الحماية الأمنية لسفاراتها»، إلى جانب «استدعاء سفراء تلك الدول وتبليغهم رسائل احتجاج شديدة اللهجة».

 

وبعيدًا عن رسائل الاحتجاج المصرية شديدة اللهجة، فإن وقائع الأمور أن تلك الدول «لا يمكنها تحمل أى ممارسات بالمثل»، ولا يمكن مثلًا أن تقبل السفارة البريطانية بالقاهرة بأن يقترب منها متظاهر، كما تسمح الشرطة البريطانية فى شوارع لندن، وتوفر الحماية لاعتداءات عناصر الجماعة الإرهابية، ولا نستطيع أن ننسى مثلًا الإعلان المريب، فى ديسمر 2014، للسفارة البريطانية، حينما أعلنت وقتها «تعليق خدماتها لأسباب أمنية، وأنها لن تفتح أبوابها، إلا حينما يرون أن الوضع آمن للعاملين فيها»!

وقتها لم تستأنف السفارة أعمالها، إلا بترتيبات أمنية مع السلطات المصرية، بل إن محيط مقرها بحى «جاردن سيتى» بوسط القاهرة، هى وجارتها السفارة الأمريكية، مغلق حاليًا من حركة المرور، ومع ما حدث فى لندن، تعالت النداءات التى تطالب بإعادة فتح حركة المرور بالشوارع المحيطة بتلك السفارات، على سبيل المعاملة بالمثل.

 التحريض مستمر

وحتى لا تنسينا الأحداث المتلاحقة، وحتى لا تسقط جريمة الخيانة واستهداف السيادة المصرية بالتقادم، صدر التحريض على حصار والاعتداء على السفارات المصرية بالخارج، من عناصر تنظيم الإخوان الهاربة فى أوروبا، وتحديدًا من قيادات «حركة حسم الإرهابية»، الجناح المسلح للجماعة.

وكما سبق وأن نشرنا على صفحات مجلة روزاليوسف، عن أصل المخطط، الذى بدأ قبل أكثر من شهر، فبعد أن أحبطت وزارة الداخلية، مخطط «حسم» الإرهابية، فى 20 يوليو الماضى، بعد رصد محاولات إحياء نشاطها وارتكاب عمليات عدائية تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية فى الداخل، جاءت دعوات قيادات الحركة فى الخارج «لمحاصرة السفارات المصرية بالخارج»، تحت مزاعم نصرة غزة!

وحينما باءت محاولات الإرهابى الهارب، يحيى السيد موسى، أحد المؤسسين الأوائل لحركة حسم، بالفشل فى زعزعة الاستقرار الداخلى، قرر التحرك عبر أحدث أذرع الجماعة الخارجية، المعروفة باسم «مؤسسة ميدان»، حيث أطلق تحريضا علنيًا، بدعوة مليون مصرى بالخارج لحصار السفارات والقنصليات المصرية فى الخارج، لتعطيل العمل بها.

الواقع أننا نستطيع أن نصف هذه المواقف، بأنها جريمة خيانة مكتملة الأركان، ليس فقط فى حجم ما تمثله من مزايدات وتشويه على الدور المصرى الحقيقى فى دعم غزة، وتبخس الدور المصرى حقه، وإنما فى حجم ما تقدمه من خدمات للعدو الإسرائيلى نفسه، فى تشويه الدور المصرى، وتحميله مسئولية ما يحدث فى غزة على غير الحقيقة، إلى جانب عدم اتخاذهم أى موقف مماثل ضد سفارات الاحتلال الإسرائيلى، الذى لا يزال يمارس القتل والتدمير ضد الفلسطينيين فى القطاع.

الإشكالية أن تحريض أذرع جماعة الإخوان خارجيًا لم يتوقف، فعبر صفحاتها الإلكترونية، تواصل الجماعة وعناصرها الهاربة، دعوات التحريض، تحت «ستار العمل الثورى»، ومنها مثلا «حملة 300»، بدعوى أن هذا العدد قادر على إحداث التغيير، إلى جانب أحاديث تستهدف تشويه المؤسسة العسكرية، لكن يبدو أن هذا التنظيم لا يزال يعيش فى الماضى، ولم يعِ الدرس حتى الآن، بأن الشعب المصرى بات أكثر وعيًا بادعاءاتهم، وأكاذيبهم، وأساليب تجاراتهم لبضاعتهم الفاسدة.

 

 

 

 هل تُعاقَب مصر على مواقفها؟

مشاهد الاستهداف المستمر للدولة المصرية وسفاراتها فى الخارج، يطرح مزيدًا من التساؤلات، فهى ليست تعبيرًا عن احتجاج، بل هو انحراف عن مسارات النضال الحقيقى، ويخدم أجندات أعداء الوطن، فهل من الطبيعى أن يهاجم مواطن مصرى سفارة بلاده فى الخارج؟!، وحتى الدوافع التى يرددونها عن منع المساعدات، لا تستند لأى أساس واقعى، إنما تكشف عن دوافع سياسية مشبوهة ومريبة تخدم الاحتلال وتضلل الرأى العام العربى والدولى.

من هذا المنطلق، فإن القضية ليست فى مساعدات أو دعم القضية الفلسطينية، وإنما فى تشوية الدور المصرى، كأنه عقاب للموقف المصرى الراسخ، منذ بداية العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، وهذا تفسير عبر عنه بوضوح وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى، فى مقال له الأسبوع الماضى، بصحيفة الأهرام، حينما أشار إلى أن الاعتداء على البعثات المصرية بالخارج «يصب فى مصلحة من يسعى إلى تقويض دور مصر الإقليمى والإنسانى، كما أنه يعد انتهاكًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التى تلزم الدولة المضيفة بمسئولية حماية البعثات المتواجدة بها، وبالتالى تمثل الاعتداءات إخلالًا بأمن السفارات المصرية».

سأتوقف مع بعض مما دوَّنه وزير الخارجية، خصوصا أن «توجيه الغضب من حصار غزة، نحو مصر يُعد قلبًا للحقائق وتزييفا للوعى»، فإسرائيل هى الطرف الذى يشن حربا غير إنسانية على غزة، قتلت خلالها أكثر من 62 ألف فلسطينى، وجرحت أكثر من 100 ألف، بينهم أكثر من 12 ألف طفل، واستخدمت أدوات القتل والتجويع ومنع توفير الدواء والخدمات الطبية، واستهدفت المستشفيات والمدارس ودور العبادة والبنية التحتية.

وفى المقابل، وكما تؤكد مؤسسات الدولة المصرية دائما، بأن معبر رفح مفتوح من قبل اندلاع الحرب، والجانب الفلسطينى من المعبر، يخضع لاحتلال وسيطرة إسرائيلية، بل إن مصر قامت بإعادة تجهيزه وترميمه عند تعرضه للقصف عدة مرات.

هذا على الصعيد الإنسانى، أما على الصعيد السياسى، فتشكل مصر حجر عثرة، أمام كل مساعى وتحركات الاحتلال الإسرائيلى لتهجير الفلسطينيين، وتشدد بموقف راسخ وثابت، على رفض صور التهجير، منعًا لتصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب دورها المحورى فى جهود الوساطة الدولية، لوقف إطلاق النار وتأمين دخول المساعدات وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، وصياغة خطة إعادة الإعمار ما بعد الحرب.

بلا شك، تدرك الدولة المصرية ومؤسساتها حجم الضغوط التى تمارس عليها، بفضل مواقفها الراسخة، وسبق أن أشار الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى هذا الأمر، حينما تحدث عن «استخدام ملف المياه»، فى هذا الأمر أيضا، وبالتالى تقدير الموقف المصرى يدرك كل هذه الأبعاد، بفضل مواقفها من رفض التهجير ودعم القضية الفلسطينية.

والخلاصة أن من يستهدف السفارات المصرية، لا يدافع عن غزة، بل يهاجم من يقف معها، ويخدم أجندات تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وهذا ما تفعله الإخوان وأذرعها حاليًا، بصورة واضحة، فهل بات معلومًا مَن المدافع الحقيقى عن القضية الفلسطينية؟!