الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

خطر الشفاهية التكنولوجية.. وأمية المشاهدة..

بينما نتفاعل مع مشروعنا الفنى فى إنتاج ونشر الفنون الجميلة بمعناها العملى والمعرفى والجمالى، وتنشط أجيال عدة عبر الإبداع والتنظير والنقد. 



ومع كل مرة من مرات التأمل المؤلم للفرق الجوهرى بين الفنون التى يراها الخاصة والفنون الجماهيرية ومع اتساع الفجوة والمأزق وقطع الصلة بين الفنون الجميلة والجمهور العام.

 ومع تزايد الآراء المتكررة لعدد من افراد الطبقة المتوسطة عن البدائل الإليكترونية للإعلام التقليدى، وعن تراجع الإصدارات الصحفية والمنتجات الإعلامية والفنية ذات المحتوى الفكرى والجمالى قد انصرف عنها الناس، وهو نوع من أنواع الإحباط المتكرر الخبيث، وكأنه دعوة لترسيخ اللاجدوى من الإبداع والكتابة والقراءة.

وهى الظاهرة التى يهرب المثقفون والمبدعون بسببها إلى مزيد من التجمعات النخبوية الضيقة، والتى تراجع بعضها إلى حدود ضاغطة، ومنها توقف معظم الفرق المسرحية المستقلة، وتراجع إنتاج السـينما البديلة ذات التكاليف المنخفضة لنشهد أيضًا تراجعًا ملحوظًا فى دور الفنان المثقف القادر على التفاعل مع الجمهور العام، وهو الذى يدرك جوهر القضية الوطنية ويخشى التاريخ ويستهدف الأمن العام.

مما أدى إلى اتساع كبير لتلك الفجوة بين الأدوار الحقيقية للإبداع وللصحافة وللكتابة وبين الجمهور العام. 

تراجع ملحوظ فى الاقتراب النقدى من الفنون، وتراجع ملحوظ فى القراءة الثقافية للواقع ومستجداته. 

وعلى سبيل المثال لم نر أية مقاربة جمالية لمسألة المبانى المخالفة فى مصر وأزمة البناء العشوائى، ذلك ان العمارة الجميلة هى أحد مصادر صناعة الحب والسلوك، كما أن القول الشائع بأننا نبنى مبانينا ثم تقوم تلك البنايات بتشكيلنا إن المبانى العشوائية تصنع سلوكا بشريا مشوها.

ولا أعرف لماذا قطع الصلة بين بيوتنا الجميلة فى الأحياء الشعبية والريف وبيننا، تلك البيوت التى كان يقوم عليها البناء المصرى بالمشربيات والأسقف الرائعة وهى بنايات دافئة فى الشتاء، باردة فى الصيف، جميلة الشكل على بساطة تكلفتها.

وفى هذا السياق عن انفصال الثقافى الفنى عن الواقعى واللاشعور الجمعى والإطار المرجعى للجماهير الكبيرة فى مصر، هو تراجع ملحوظ فى برامج تعليم الكبار فى مصر.

ومن الأمور المدهشة للغاية فى مصر الآن هو تعامل الأميين مع الإتاحات الجديدة لوسائل التواصل الاجتماعى عبر الصوت والصورة، مما يجعل الشبكة الدولية للمعلومات، وتطبيق (يوتيوب) مصدرًا مهمًا من مصادر ثقافة ومشاهدة الملايين، كثير منهم لا يقرأ ولا يكتب، وتصبح الأمية التكنولوجية ذات طابع مسيطر، وهى هنا بمعنى الاستخدام الكثيف للأميين للتطبيقات التكنولوجية.

ناهيك عن الأمية الثقافية، حيث لا يكترث عدد كبير من حملة المؤهلات العليا، إلا بمشاهدة أخبار التسلية والهزل، وبعضها مؤخرا شديد الخطورة على الصورة الذهبية للفنانين والنجـوم، إذ اعتـاد عدد من المـواقع والصفحات ذات الصلة على إعداد قصص حياة الفنـانين بعنـاوين مثـيرة للغاية تمـس نجوما كبيرة وقامات مصرية راحلة وقامات أخرى حية ولا تزال تمارس الإبداع.

حكايات مدهشة، وسرد مهين لقصص شخصية ذات طابع فضائحى، أصبح مرتبطًا الآن فى معظم تلك المقاطع المصورة بلحظات الوفاة، وآخر تلك المقاطع يرتبط برحيل الفنانة الكبيرة شويكار رحمها الله، بل طال نجمات رحلن منذ سنوات مثل الفنانة العربية مصرية الإبداع والانتماء الراحلة وردة الجزائرية، وعدد من النجوم الآخرين وكأن الرحيل للبارئ الأعظم والموت هو توقيت تلك الصياغات الفضائحية الطابع، وكذلك إعادة صياغة عدد من الأفلام المصرية القديمة بطريقة مبتسرة تحولها لأفلام ذات طابع جنسى مباشر. 

وانتقاء عدد من اللقطات العابرة لفنانين وفنانات تبدو عابرة فى سياقات درامية طويلة، ليصبح تجميعها بشكل كثيف إشارة لمحتوى جنسى مسلٍ.

بالتأكيد بعض من الفنانات اللاتى تعرضن لانتشار مقاطع مصورة على سبيل التشابه الشكلى منذ سنوات، وقرر الصمت منعا لربط أنفسهن بقضايا ذات طابع فضائحى، أصبحن الآن عبر تلك المقاطع المصورة هدفًا للمشاهدات الكبيرة على الشبكة الدولية للمعلومات. 

نجمة كبيرة منهن حررت محاضر متعددة الأسبوع الماضى لدى الجهات المعنية وطلبت حذف اسمها من تلك المقاطع التى لا صلة لها بها.

الجدير بالذكر أن الأمر هنا يخلط خلطا مخيفا بين سوق المتعة والفن المصرى الدرامى، ويساهم فى نشر صورة ذهنية عشوائية عن دور الفنان والمثقف بينما تزداد الفجوة اتساعا بين الفنون والكتابة بمعناها الحقيقى القادر على تعزيز القيم وشرح السلوك الإنسانى ونشر ثقافة المحبة والجمال، وبين الجمهور العام، نواجه معضلة كبيرة فى إساءة استخدام التكنولوجيا وفى سيطرة قيم العشوائية ونماذجها فى الإنتاج الفنى الجماهيرى، وفى هوامش الإتاحات التكنولوجية، فى عصر الثقافة الشفاهية ذات الطابع المصور والمحكى، فيما يشبه تجمعات كبرى للتسلية الرخيصة، علينا الانتباه إليها، وكما تحذف إدارات التطبيقات التكنولوجية محتويات عدة لأسباب متنوعة عليها حذف ما يسيء للبشر الأحياء والأموات، وذلك أول الحلول العملية لإنقاذ الصورة الذهنية للمثقف والفنان، واستعادة العلاقة الحيوية بين الإبداع والإعلام بمعناه المعرفى والجمالى وبين الجمهور العام.>