الإثنين 5 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
خريطة تل أبيب  المرسومة بالدم والنار!

مصر أولا.. صومالى لاند وعسكرة البحر الأحمر..

خريطة تل أبيب المرسومة بالدم والنار!

لم يكن الاعتراف الإسرائيلى فى 26 ديسمبر 2025 بما يسمى بـ«أرض الصومال» أو «صومالى لاند».. حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، وليس مجرد خطوة رمزية يمكن احتواؤها ببيانات إدانة أو مواقف قانونية تقليدية.. نحن أمام تحول استراتيجى غير مسبوق، يكشف انتقالًا واضحًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة هندسة الجغرافيا السياسية بالتحكم فى أحد أهم ممرات سلاسل الإمداد العالمية، وفى واحد من أكثر الأقاليم توترًا فى العالم الآن.



 

 تفجير من الداخل..

هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن السياق الإقليمى والدولى الذى يتفاعل فيه.. إسرائيل لا تتحرك كدولة تسعى فقط إلى توسيع علاقاتها الدبلوماسية؛ بل كقوة أمنية وعسكرية.. توظف الاعترافات السياسية وتستغلها.. كمدخل لإعادة تمركزها الاستراتيجى طويل الأمد؛ استنادًا إلى أنها تتعامل مع بيئات سياسية ومحلية مضطربة، وتناقضات إقليمية حادة، وفراغات سيادية متصاعدة ومتسعة، وتشابكات أكثر تعقيدًا.

 كسر المبدأ الإفريقى..

يمثل اعتراف إسرائيل خطرًا مضاعفًا لأنه يضرب قاعدة إفريقية راسخة.. تقوم على احترام الحدود الجغرافية الموروثة.. ولكن فى الوقت نفسه، يمنح هذا الاعتراف؛ شرعية سياسية لنموذج تفكيك الدول.. قابل للتعميم والتكرار.. الخطر هنا لا يكمن فى «صومالى لاند» فى حد ذاتها؛ بل فى الفكرة التى يؤسّس لها هذا الاعتراف، وفى هوية الطرف الذى يمنحها الشرعية، وفى التوقيت التى جاءت فيه وسط اضطراب إقليمى مشتعل.

بهذا المنطق؛ نحن لا نواجه حالة انفصال محلية؛ بل منهجًا لإعادة تعريف الدولة.. بوصفها كيانًا.. يمكن توظيفه أمنيًا وجغرافيًا.

 ضد الجغرافيا..

تقع «صومالى لاند» مباشرة على خليج عدن، فى مواجهة الضفة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وبالقرب المباشر من مدخل مضيق باب المندب.. هذه المنطقة ذات أهمية جغرافية؛ لأنها تمثل نقطة ارتكاز تتحكم فعليًا فى واحد من أخطر شرايين الملاحة العالمية.

من يملك السيطرة على هذه المنطقة والنفاذ إليها؛ يمتلك قدرة مؤثرة على الملاحة بين قارتىّ آسيا وأوروبا، وعلى التأثير فى أمن صادرات النفط وواردات الغذاء، وعلى حركة التجارة عبر قناة السويس، وعلى التوازن العسكرى فى البحر الأحمر.

على هذا النحو؛ يصبح الاعتراف الإسرائيلى إجراءً جغرافيًا بامتياز، يستهدف مَرحلة.. تتجاوز فى أهميتها حدود الصومال، وفى الوقت نفسه.. تمس صميم الأمن القومى لدول البحر الأحمر.

العسكرة..

الحسابات الإسرائيلية؛ لن تقتصر على الاعتراف المتبادل من خلال السفارات أو الشرعية السياسية المجردة؛ بل بفتح المجال أمام وجود أمنى وعسكرى طويل الأمد. التجربة الإسرائيلية مع الكيانات المضطربة والمجتمعات غير المستقرة.. تؤكد أن الهدف ليس بناء دولة وطنية متماسكة؛ بل تحويلها إلى منصة استخباراتية ولوجستية.

السيناريو العملى لأى وجود إسرائيلى فى هذه المنطقة سيشمل منشآت استخباراتية بحرية، ومحطات مراقبة وتنصت إلكترونى، ومراكز لوجستية بحرية، ومراقبة الكابلات البحرية والاتصالات الدولية.. وهو ما يعنى تجسيدًا عمليًا لعسكرة البحر الأحمر فى أكثر صورها وضوحًا.. عسكرة بلا ضجيج، ولكنها شديدة التأثير.

 ممر آمن أم مسرح صراع؟..

خلال السنوات الأخيرة، تحوّل البحر الأحمر إلى واحد من أكثر المسارح البحرية عسكرة فى العالم.. التواجد الأمريكى والصينى والفرنسى والتركى، ثم دخول إسرائيل المرتقب عبر مضيق باب المندب، وتحويل هذا الممر من نقطة عبور إلى ملعب مفتوح للاشتباك الاستراتيجى.

هذا التحول يحمل ثلاث نتائج أكثر خطورة، وهى: انهيار فكرة البحر الأحمر كمساحة آمنة، وتحويل باب المندب إلى نقطة صدام مستمر، وتعريض قناة السويس لضغوط غير مباشرة ولكنها مستمرة.

 اعتماد بحرى إسرائيلى..

بعد تراجع مكانة ميناء إيلات بفعل التهديدات الأمنية المستمرة، تبحث إسرائيل عن عمق بحرى كبديل أكثر أمانًا.. وهنا تبرز «صومالى لاند».. كحل جغرافى متقدم، يمنحها مساحة من المرونة فى حركة الملاحة.. ويقلص نقاط الضعف التى تواجهها مع سيطرة الحوثيين، واعتماد وجود مسارات بديلة بعيدة المدى عن الضغط المباشر.

المسألة هنا ليست موانئ فقط؛ بل إعادة رسم الخريطة البحرية الإسرائيلية.. فى إطار صياغة جيوسياسية جديدة للإقليم.

 الشريك الصامت..

لا يمكن فصل المسار السابق عن الدور الإثيوبى.. إثيوبيا؛ التى تبحث عن منفذ بحرى.. تمثل المستفيد الأكبر من تثبيت كيان مستقل على خليج عدن.. التحالف «الإثيوبى – الإسرائيلى» هنا يتجاوز التعاون الثنائى بينهما، ويدخل ضمن معادلة أوسع تربط الملفات المتشابكة لكل من البحر الأحمر والقرن الإفريقى ومياه النيل.. وهو ما يجعل مصر أمام معادلة من الضغوط والتحديات المُركبة التى لا تتوقف عند حدود الجغرافيا فقط.

عسكرة الفراغ..

التصعيد الذى حدث خلال الأسبوع الأخير لسنة 2025 بين السعودية والإمارات فيما يخص اليمن، واستهداف أصول مرتبطة بأبوظبى فى ميناء المكلا، وما تبعه من بيانات سيادية حادة.. كشف عن تصدع عميق داخل البنية الخليجية فى المواقف الموحدة.

هذا التصدع لا يضعف فقط التماسك الإقليمى؛ بل يفتح فراغًا أمنيًا وسياسيًا.. لا أعتقد فى استمراره لأنه سيستغل من قوى خارجية ويوظف لصالح أجندات غير عربية فى كل الأحوال.

والنتيجة تحول الموانئ اليمنية وجزر البحر الأحمر وسواحله إلى أدوات صراع.. ضمن منظومة عسكرة البحر الأحمر.

 أدوات صراع..

البيانات الإماراتية التى تنفى طبيعة الشحنات أو الوجود العسكرى.. لا يمكن فصلها عن إدارة هذا الصراع الذى يهدف إلى إعادة توصيف ما حدث قانونيًا، وتأجيل حسم الصراع سياسيًا، وتقليص تكلفة رد الفعل الإقليمى.. وهنا تصبح البيانات جزءًا من الصدام فى وجهات النظر، وليست تعليقًا عليها فقط.

الانفجار الاستراتيجى..

يعكس الموقف المصرى.. بلغته الرصينة الهادئة ودعوته إلى عدم التصعيد.. إدراكًا عميقًا بأن أى انفلات فى اليمن أو مضيق باب المندب سينعكس مباشرة وسريعًا على أمن قناة السويس، واستقرار التجارة العالمية، والاقتصاد المصرى.. وهنا تتحرك القاهرة.. كقوة حكيمة فى ملعب.. 

يتجه بقوة نحو المزيد من العسكرة.

 سيناريوهات محتملة..

السيناريو الأول المرجح: تثبيت الأمر الواقع دون انفجار شامل.. وذلك من خلال ترسيخ الوجود الأمنى والاستخباراتى غير المعلن فى «صومالى لاند»، واستمرار الخلافات الخليجية دون صدام مباشر، وتصاعد عسكرة البحر الأحمر تدريجيًا عبر الوكلاء والموانئ.. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا لأنه الأقل تكلفة على المستوى الدولى، ويسمح بتراكم النفوذ والسيطرة دون مواجهة مفتوحة، ويستفيد من الانقسامات القائمة.

السيناريو الثانى: تصعيد إقليمى محدود.. يشمل اشتباكات بحرية غير مباشرة، وضغوطا اقتصادية، وتهديدًا متزايدًا للملاحة، مع تدخلات دولية لضبط الإيقاع.

السيناريو الثالث: انفجار واسع.. وهو الأقل احتمالًا لكونه يتضمن صدامًا مباشرًا بين قوى إقليمية، وإغلاقًا مؤقتًا للممرات البحرية، وما يحمله من تكلفة عالمية مرتفعة.

 أخطار محتملة..

الخطر المحتمل على مصر.. يتحدد فى التهديد غير المباشر على قناة السويس، وارتفاع تكلفة التأمين والشحن، وتآكل مساحة المناورات المتاحة فى البحر الأحمر، والربط القسرى لملف الملاحة بملف مياه النيل.

أمّا الخطر المحتمل على السعودية؛ فيتحدد فى تطويق بحرى ناعم وهادئ من الجنوب، وتهديد مسارات صادرات النفط وواردات الغذاء، وتحول السواحل المقابلة لسواحلها إلى منصات ضغط مستمرة.. تمثل خطرًا يفوق تهديد الحوثيين لأنه غير معلن وطويل الأمد.

 نقطة ومن أول السطر..

الإقليم حاليًا أمام حرب خرائط جيوسياسية، وليست مجرد حرب تصريحات، كما أن الاعتراف الإسرائيلى بـ«صومالى لاند» ليس صراعًا على الشرعية؛ بل صراع على من يملك مفتاح البحر الأحمر، ومن يملك هذا المفتاح؛ سيكون هو المتحكم فى السياسة والاقتصاد والأمن لدول بأكملها.

الخطر الحقيقى ليس فى الاعتراف نفسه؛ بل فى التأخير عن إدراك معناه ودلالته.

ما يتم رسمه اليوم على الخرائط؛ سيكون غدًا أمرًا واقعًا لا يقبل التراجع.

إنها حرب خرائط، وليست حرب بيانات.