الأحد 11 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

التفاصيل الكاملة لخطة الهجوم الأمريكى على فنزويلا

ظل تل أبيب فى عملية اختطاف «مادورو»

مع   مطلع العام الجديد، استيقظ العالم على مشهد من استعراض صارخ للقوة، الذى أدخل ولاية دونالد ترامب الثانية مرحلة جديدة تركت فيها واشنطن المراوغة فى دهاليز الدبلوماسية، وتحولت فيها السياسة الخارجية الأمريكية إلى مسرح مفتوح للقوة العسكرية لا تراعى فيها المواثيق الدولية، ولا تحترم فيها حدود وسيادة الدول، بعدما أطلق ترامب العنان لجنونه السياسى فى مغامرات مشكوك فى قانونيتها فى خطوة تبدو وكأنها تمهد لجهود جديدة لفرض نفوذه وقوته، وتعزيز هيمنته على الساحة العالمية، وبشكل أكثر تحديداً فى نصف الكرة الغربى.



 

لم يكن الهجوم على فنزويلا وليد الصدفة بل جرى التخطيط له بعناية، ليتزامن مع خطاب ترامب السنوى أمام الكونغرس فى الرابع من يناير، فى محاولة لتقديمه كإنجاز سياسى وعسكري، غير أن هذا التحرك لا يمثل انتصارًا حقيقيًا ،بل يعكس مجددًا نهج السياسات الأحادية، التى لم تسهم يومًا فى تحسين الأوضاع الدولية، وإنما زادت من تعقيدها فقد أعاد الاعتداء على كاراكاس إلى الأذهان مشاهد الغزو الأمريكى غير المشروع للعراق، الذى انتهى بعد عقد من الخراب ومقتل ما يقارب المليون مدني، وهى مأساة تكررت فى أكثر من بلد نتيجة التدخلات الأمريكية التى خلفت دمارًا واسعًا، ومن الصعب تصور مستقبل أفضل لفنزويلا إذا استمرت الولايات المتحدة فى اتباع سياسة القوة وفرض الهيمنة على حساب سيادة الدول وحقوق الشعوب.

جدعون 

اختطف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو فى عملية عسكرية أمريكية دقيقة أطلق عليها اسم العزم المطلق، ولم تكن العملية أول محاولة لاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، فقد سبقتها محاولة أخرى ضمن عملية جدعون مع تخصيص مكافأة لمن يعتقله وانتهت المحاولة بفشل ذريع، بعدما قام تحالف غير متجانس ضم عناصر من قوات الاحتياط الدولية الفنزويلية ومعارضين فنزويليين وشركة المرتزقة الأمريكية الخاصة سيلفر كورب التى يديرها جوردان جودرو جرت العملية بين 3 و4 مايو 2020، وكان الهدف منها التسلل بحرًا إلى فنزويلا عبر مدينة ماكوتو والسيطرة على أحد المطارات واعتقال مادورو وعدد من كبار المسئولين ثم ترحيلهم خارج البلاد، بدأت العملية بانطلاق زورقان من شرق كولومبيا باتجاه الساحل الكاريبى شمال كاراكاس وعلى متنهما نحو 60 معارضًا فنزويليًا واثنين من عناصر القوات الخاصة الأمريكية القبعات الخضراء يعملون كمرتزقة لدى سيلفر كورب، لكن العملية أحبطت قبل أن تصل إلى هدفها، إذ تم اعتراض الزورقين وقتل ستة من المهاجمين، بينما ألقى القبض على معظم المشاركين بمن فيهم الأمريكيان اللذان ظهرا لاحقًا فى تسجيلات استجواب بثها التليفزيون الرسمى الفنزويلى.

اعتبر هذا الاعتداء السافر على فنزويلا تتويجًا لحملة ضغط طويلة بدأت منذ عام 2001، حين أقرت حكومة هوغو تشافيز قانون المحروقات استنادًا إلى مبادئ السيادة المنصوص عليها فى دستور بوليفار لعام 1999، وأعقبها طرد الشركات الأمريكية. 

أياد صهيونية 

وسط الضجيج الذى أعقب عملية الاختطاف، برز تعليق ديلسى رودريغيز وهى شخصية محورية فى التسلسل الهرمى لحزب شافيز وتشغل الآن منصب الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، الذى يؤكد أن العملية تحمل دلالات صهيونية، وأنها مدفوعة بدوافع أيديولوجية، كما ألمح مادورو نفسه إلى ذلك فى الأشهر الأخيرة من العام الماضى، واتهم جهات لم يسمها بمحاولة تسليم فنزويلا إلى قوى معادية مصرحاً هناك من يريدون تسليم هذا البلد للشياطين،أنتم تعرفون من هم أليس كذلك الصهاينة اليمينيين المتطرفين يريدون تسليم هذا البلد للشياطين، وذلك خلال خطاب ألقاه أمام لجان القاعدة البوليفارية المتكاملة ويعود ذلك لعدة أسباب مهمة تجعل هذا الاتهام صحيح فى مجمله، أولا حرص حكومات شافيز فى فنزويلا على توطيد علاقاتها الودية مع طهران لسنوات موفرةً لها غطاء دبلوماسي وتعاون اقتصادى وتضامن سياسى، حتى أن المسئولين الإيرانيين وصفوا فنزويلا علنًا بأنها جزء من محور المقاومة، ولم يقتصر دعم إيران لفنزويلا على مجرد الخطابات فقد أجرى وزير الخارجية عباس عراقجى عدة محادثات مع نظرائه الفنزويليين فى الأسابيع الأخيرة مندداً بالتصرفات الأمريكية فى منطقة الكاريبى باعتبارها انتهاكات للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وحذر من النشاط الإسرائيلى فى أمريكا اللاتينية واصفاً إياه بأنه تهديد خطير للاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى حجم التبادل التجارى بين إيران وفنزويلا من 4 مليارات دولار سنوياً وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لاقتصادين تضررا بشدة من العقوبات، ويشكل النفط الأساس فكلتا الدولتين تعتمدان اعتماداً كبيراً على عائدات النفط وتواجهان قيوداً على بيع النفط الخام فى الأسواق الدولية، وقد عزز هذا الوضع المشترك التعاون الذى يساعد كلتيهما على تجنب العقوبات، ودفعت فنزويلا ثمن البضائع الإيرانية بالذهب وعرضت أراضى زراعية للاستخدام الإيرانى كما طورت الدولتان علاقات أمنية ودفاعية بما فى ذلك إنتاج طائرات مهاجر وشاهد-131 الإيرانية بدون طيار فى فنزويلا على الرغم من أن تفاصيل التعاون العسكرى لا تزال غامضة، وكانت مصادر استخباراتية إسرائيلية قد أعلنت قبل أسابيع قليلة أن إيران تخطط لبناء قاعدة بحرية فى موانئ فنزويلا للعمل انطلاقاً منها فى الأمريكتين.

وما أكد هذه العلاقات رغم سريتها وغموضها أنه فى عام 2012 قدم إلى الكونغرس مشروع قانون بعنوان مواجهة إيران فى نصف الكرة الغربى يهدف إلى تسخير كل أدوات القوة الوطنية الأمريكية للتصدى لما وصفه بالأنشطة العدائية الإيرانية فى المنطقة، وخصصت جلسات استماع ضمن لجنة الشئون الخارجية فى مجلس النواب لمناقشة التهديد الإيرانى فى نصف الكرة الغربي، وتبعه إقرار لجنة الشئون الخارجية لمشروع قانون مواجهة إيران، والسبب الثانى هو دعم فنزويلا الكبير للبنان وفلسطين ومعادة إسرائيل ،فخلال الحرب الإسرائيلية اللبنانية عام 2006 اتخذ الرئيس الفنزويلى هوغو تشافيز موقفًا صارما ضد إسرائيل، إذ قام بطرد السفير الإسرائيلى من كاراكاس وقلص مستوى التعاون الاقتصادى والعسكرى بين البلدين، كما لم يتردد فى تشبيه أفعال إسرائيل بتلك التى ارتكبها أدولف هتلر والنظام النازى، وخلال زيارته إلى روسيا والصين فى العام نفسه دعا إلى محاكمة القادة الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولاقت خطابات تشافيز النارية ضد إسرائيل صدى واسعًا فى العالم العربي، حيث اعتبرت تعبيرًا عن تضامن نادر من زعيم أمريكى لاتينى مع القضية الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين سعت فنزويلا إلى توثيق علاقاتها مع دول مثل روسيا والصين وكوبا وإيران، فى إطار مواجهة النفوذ الأمريكى والدعم الذى تحظى به إسرائيل من واشنطن، ومع اندلاع حرب غزة صعدت فنزويلا موقفها بقطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وطردت السفير الإسرائيلى مجددًا، وأعلنت وزارة الخارجية الفنزويلية أن إسبانيا ستتولى تمثيل مصالحها فى إسرائيل ،بينما ستقوم كندا بتمثيل المصالح الإسرائيلية فى فنزويلا، وفى خطوة مهمة اعترفت فنزويلا رسميًا بدولة فلسطين فى 27 أبريل 2009 لتكون أول دولة فى الأمريكتين تقدم على ذلك، كما دعمت منح فلسطين صفة مراقب فى الأمم المتحدة خلال التصويت الذى جرى فى 29 نوفمبر 2012، وخلال حرب غزة عام 2014 أدان الرئيس نيكولاس مادورو بشدة ما وصفه بـالرد العسكرى غير العادل وغير المتناسب من قبل دولة إسرائيل غير الشرعية ضد الشعب الفلسطينى.

 وأيضا فى حرب غزة الأخيرة، دعمت فنزويلا فلسطين بشكل كبير على المستويين الرسمى والشعبي، وثالثًا والأهم هو عرقلة فنزويلا للتمدد الصهيونى فى القارة اللاتينية، حيث انتهجت الحكومة بقيادة نيكولاس مادورو سياسة خارجية معادية لإسرائيل بشكل فعال، وهو ما ينظر إليه على أنه محاولة لعرقلة المصالح الإسرائيلية ليس فقط داخل فنزويلا ،ولكن أيضًا على الصعيد الإقليمى فى أمريكا اللاتينية، إذ شجعت دول أمريكا اللاتينية أيضا على التصعيد الفعلى وعدم الاكتفاء بالتنديد والرفض ضد إسرائيل بعد حرب غزة، وشمل هذا التشجيع مؤشرات سلبية قودت مصالح إسرائيل بشكل مباشر، حيث استدعت البرازيل سفيرها وانضمت تشيلى إلى عريضة جنوب أفريقيا فى المحكمة الجنائية الدولية فى لاهاي، وأعلنت كولومبيا تعليق صادرات الفحم إلى إسرائيل واندلعت احتجاجات عنيفة ضد إسرائيل فى المكسيك، وقام متظاهرون بتخريب السفارة الإسرائيلية .

مصالح إسرائيل 

يعد اختطاف مادورو ذا أهمية بالغة لإسرائيل، لأنه يزيل قطعة أخرى مهمة من أعداء إسرائيل فى فنزويلا، جزء من الجبهة الهادئة التى تحارب وتحاصر التمدد الصهيونى من بعيد وتعيق مشاريع مهمة تحاك فى سرية بالغة فى أمريكا اللاتينية، واللافت للنظر أن تل أبيب كانت قد انتهت بالفعل من صياغة مشروع مرحلة التعافى ما بعد الاستبداد الذى أشارت الصحف الإسرائيلية إليه عقب اختطاف مادورو مباشرة، و إلى استعداد إسرائيل التام للاشتراك فى هذه المرحلة بنية لمكافحة تمويل الإرهاب وأنظمة أمن الموانئ والحدود ودفاع سيبرانى للبنية التحتية الحيوية وتقنيات زراعية ومائية تساهم فى استقرار السكان وتعاون استخباراتى لمواجهة تداخل الجريمة العابرة للحدود والإرهاب، وهذه ليست مجرد مبادرات للقوة الناعمة بل هى أدوات للسيادة ورغم أن سقوط مادورو لا يغير الواقع الاستراتيجى لإسرائيل بين عشية وضحاها ولا ينهى الحرب عليها، لكنه فى الوقت نفسه يمثل انتكاسة أخرى تدريجية بين الدول المعادية لإسرائيل والتى تتصدى بجدية للمشاريع الصهيونية عبر المحافل الدولية والتحرك الحقيقى على الأرض.