محمد هانى
لماذا أقنعنى «الملحد»؟!
خاض إبراهيم عيسى معركة فيلمه «الملحد» وخرج منها منتصرًا، ليس فقط بالحكم الذى قضى بعرض الفيلم، ولكن أيضًا لأن مجرد عرضه بالقضية المهمة التى يناقشها انتصارٌ فى حد ذاته وإعادة اعتبار للسينما المصرية التى ابتعدت منذ زمن طويل عن الاشتباك مع قضايا الواقع سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا باستثناءات نادرة كان « عيسى « نفسه جزءًا رئيسيًا منها عبر «مولانا و«الضيف» و«صاحب المقام».
«الملحد» فيلم شجاع وواضح ونزيه.
شجاع.. لأنه يتناول ظاهرة تعيش بيننا.. نلمسها لكن نتجاهل مناقشتها إيثارًا للسلامة بينما شباب حولنا يفكرون فى الإلحاد أو يتجهون إليه فعلًا.
وواضح.. لأنه لم يلتف حول القضية ولم يناور ولم يلجأ إلى مواءمات لطرحها بشكل غير مباشر، بل فجر الأزمة صارخة منذ المشاهد الأولى.
ونزيه.. لأن النص أحب شخصياته وأنصفها نفسيًا فلم يُدِنها أو يبرؤها مسبقًا، وترك الحكم لما وقر فى قلبك وصدقه عقلك بعد أن حرضك على التفكير، وقدم لك كل شخصية بمبرراتها ودوافعها وصراعها الداخلى ووجهة نظرها هى لا وجهة نظر المؤلف فيها.. وهذا فى رأيى أجمل ما فى الفيلم، فرغم أن إبراهيم عيسى ككاتب وباحث ومفكر آراؤه ومواقفه مُعلَنة من أفكار ومرجعيات وتأويلات سلفية متجمدة ومتطرفة وسامة ومفخخة، إلا أنه لم يشيطن دراميًا ذلك الأب الذى لم يتورع عن تزويج ابنته الطفلة (14 عامًا) ولم يتردد فى اتخاذ قرار بقتل ابنه الوحيد بيده بعدما أعلن إلحاده ولم تفلح معه جلسات الاستتابة فأصبح مرتدًا تتوجب إقامة الحد عليه، وأصبحت جريمة القتل تقربًا إلى الله!
وإعلاءً لكلمته ولراية الدين!، دون لحظة تفكير فى أن ما يعتقده قد يكون ضلالًا أو حتى مُختَلَفًا عليه! بالضبط كما رفض وهو يصارع الموت القبول بزراعة كبد لأنها تخالف شرع الله!!
رغم ذلك المسار المفزع نرى ميزانًا دقيقًا فى معالجة هذه الشخصية حين نلمح إنسانيته المجهضة الأسيرة اختيارًا، فى لحظات ضعفه ومرضه وفى لحظات تردد تطارده فيطردها، وفى صمته المستكين أحيانًا أمام منطق وحب أخيه المختلف عنه فى كل شىء والذى يتعجب دائمًا من أنه يستطيع أداء الصلاة وسط الأصنام (التماثيل) التى يصنعها !
وحتى زوجته (الأم) التى انفجرت فى وجهه بعدما وصل إصراره على قتل وحيدها حد التنفيذ، لم تنكر عليه فى أعلى لحظات مواجهته والتمرد على قراره أنها تحملته لأنها كانت تظن دائمًا أنه مخلص النية وإن ضل السبيل.
الميزان نفسه رأيناه فى معالجة شخصية الابن الشاب الذى أعلن إلحاده حيث نلمس من البداية أن ما فعله جاء كفرًا بأفكار أبيه وممارساته وليس يقينًا بصحة ما أعلنه.. فهو موقن فقط بفساد منطق الأب وتطبيقه، ومكبوت وممزق نفسيًا تحت وطأة ما تعرض له منذ كان صغيرًا يلزمه الأب بالخروج معه فى سبيل الله، ويزرع فى عقله أفكارًا دفعته وهو طفل لقتل سيدة بريئة لأن سلوكها لا يعجب أبيه.
لقد رأينا وجهين للتعنت: الأب لا يسمع وليس لديه استعداد.. والابن تحت تأثير غضبه وعقده يرفض المناقشة حتى مع أستاذ الطب النفسى العالم المخلص أو مع رئيسته الطبيبة التى عاشت محنة شك أخيها وانتهت بفقده.
فى النهاية الأب المتشدد سقط صريعًا تحت وطأة صراعه الداخلى وربما عدم قدرته على التراجع عن معتقده / قراره.. والابن استفاق تحت صدمة الموت وربما الشعور بالذنب فأم صلاة الجنازة عليه.
قد لا تتسع المساحة هنا لتقييم فنى تفصيلى، لكنى رأيت فيلمًا ممتعًا قاده بسلاسة المخرج محمد العدل وتبارى فيه بأداء راقٍ ناضج «الكبار محمود حميدة وحسين فهمى وصابرين وأحمد بدير، وبذكاء وموهبة السهل الممتنع أحمد حاتم وشيرين رضا ونجلاء بدر».
بالقطع لم أشاهد فيلمًا «ضد الدين والوطن» ولم أشاهد فيلمًا «يشجع على الإلحاد أو يدعو للتعايش مع الملحدين»، هو يدعو لتركهم يعيشون.. والفارق كبير.







