اعتقال مادورو حلقة جديدة من مسلسل قديم
رؤساء ضحية سطوة التدخلات الأمريكية
آلاء شوقى
تعكس أزمة اعتقال «الولايات المتحدة» للرئيس الفنزويلى «نيكولاس مادورو»، تحولًا لافتًا فى طبيعة أدوات الصراع الدولى، حيث لم تعد المواجهة السياسية محصورة فى العقوبات الدبلوماسية، أو الضغوط الاقتصادية فحسب، بل باتت تمتد إلى توظيف القانون واستخدام العمليات العسكرية كوسائل لحل الأزمات، ما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل سيادة الدول، وحدود الشرعية الدولية، فى ظل نظام عالمى يبدو فيه ميزان القوة أكثر حضورًا من قواعد القانون.
ورغم أن ما حدث مع «مادورو» هو سابقة من نوعها فى اختراق حدود دولة مسالمة واختطاف رئيسها، لتغيير نظامها بالقوة العسكرية الخارجية، رغم عدم معاناتها من نزاعات داخلية، إلا أن تاريخ «الولايات المتحدة» ملىء بتدخلات لاعتقال رؤساء، أو الإطاحة بهم، أو ملاحقتهم، تحت ذرائع متنوعة تراوحت بين مكافحة الإرهاب، والحرب على المخدرات، وحماية ما وصفته «واشنطن» بالديمقراطية.
الفلبين
برز «إميليو أجينالدو» كأحد قادة حركة الاستقلال الفلبينية فى أواخر القرن الـ19، وقاد تمردًا واسعًا ضد الحكم الاستعمارى الإسبانى.. وبعد هزيمة «إسبانيا» فى الحرب «الإسبانية–الأمريكية» عام 1898، أعلن «أجينالدو» استقلال «الفلبين»، لكن، سيطرت «الولايات المتحدة» على «الفلبين» بموجب معاهدة باريس، ورفضت الاعتراف بالاستقلال، ما أدى لاندلاع الحرب الفلبينية– الأمريكية (1899–1902).. وحينها، قادت القوات الأمريكية حملة عسكرية واسعة لإخضاع المقاومة الفلبينية، مستخدمة تفوقها العسكرى والتقنى.
وفى مارس 1901، نفذت القوات الأمريكية عملية استخباراتية محكمة تمكنت خلالها من اعتقال «أجينالدو» عبر خدعة عسكرية، حيث تظاهر جنود أمريكيون بأنهم أسرى لدى قوات فلبينية موالية، ما أتاح لهم الوصول إلى معسكره، وأدى سقوط «أجينالدو» لتفكك القيادة المركزية للثورة، وأسهم فى ترسيخ السيطرة الأمريكية على «الفلبين» حتى عام 1946.
ومثلت هذه الواقعة أحد أوائل الأمثلة على استخدام «الولايات المتحدة» للقوة العسكرية، والعمليات السرية لإسقاط قيادة سياسية تطالب بالسيادة الوطنية.
الدومينيكان
يعد «خوان بوش» أحد أبرز رموز التحول الديمقراطى فى جمهورية «الدومينيكان» خلال القرن الـ20، إذ فاز بأول انتخابات حرة بعد سقوط «رافائيل تروخيو»، وفى سبتمبر 1963، أُطيح ببوش، ودخلت البلاد فى حالة من عدم الاستقرار السياسى، وبعد نحو عامين، اندلعت حرب أهلية فى أبريل 1965 بين فصيل الدستوريين المطالبين بعودة «بوش»، والموالين من القوى المحافظة التى سيطرت على السلطة.
وفى هذا السياق، تدخلت «الولايات المتحدة» عسكريًا، حيث أرسل الرئيس «ليندون جونسون» أكثر من 22 ألف جندى إلى «الدومينيكان»، بذريعة حماية المواطنين الأمريكيين، ومنع ما وصفه بخطر قيام نظام شيوعى شبيه بكوبا، لكن عمليًا انحازت القوات الأمريكية إلى جانب المواليين، وقامت بتطويق العاصمة «سانتو دومينجو»، ما رجح كفة خصوم الدستوريين.
وفى عام 1966، جرت انتخابات رئاسية وسط أجواء من الترهيب، وأسفرت عن فوز «خواكين بالاجير»، المدعوم ضمنيًا من «واشنطن».
بنما
لم يشغل «مانويل نورييجا» منصب رئيس رسمى لبنما، لكنه كان الحاكم الفعلى بين عامى 1983 و1989، بصفته قائدًا عسكريًا يتمتع بنفوذ واسع.
ارتبط «نورييجا» بعلاقات وثيقة مع «الولايات المتحدة» لسنوات، قبل أن تتدهور هذه العلاقة على خلفية اتهامات بتورطه فى تهريب المخدرات، والتلاعب بالعملية السياسية الداخلية.
فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، اتهمت «واشنطن»، «نورييجا» بتحويل «بنما» إلى مركز رئيسى لتجارة المخدرات، وغسل الأموال.. وفى ديسمبر 1989، أطلق الرئيس الأمريكى «جورج بوش» الأب عملية سميت «السبب العادل»، غزت فيها القوات الأمريكية «بنما» بقوة تجاوزت 20 ألف جندى.
وعليها، لجأ «نورييجا» إلى سفارة الفاتيكان فى مدينة «بنما»، قبل أن يستسلم فى يناير 1990، لينقل مباشرة إلى «الولايات المتحدة».
حُوكم «نورييجا» فى «ميامى»، وأُدين بتهم الابتزاز، وغسل الأموال، والاتجار بالمخدرات، وصدر بحقه حكم بالسجن لسنوات طويلة، وبعد قضاء جزء من عقوبته، نُقل إلى «فرنسا»، ثم إلى «بنما»، حيث استمر احتجازه على ذمة قضايا أخرى، إلى أن توفى عام 2017، وشكلت قضيته مثالًا صارخًا على استخدام القوة العسكرية لإسقاط حاكم أجنبى وتقديمه للمحاكمة خارج بلاده.
العراق
تولى «صدام حسين» رئاسة «العراق» عام 1979، حيث قاد البلاد خلال مرحلة اتسمت بصراعات إقليمية حادة، وتحولات داخلية عميقة، وفى عام 2003، شنت «الولايات المتحدة» غزوًا شاملًا للعراق، استندت فيه لحجج واهية، أبرزها امتلاك «العراق» أسلحة دمار شامل ودعم الإرهاب، وهو ما ثبت عدم صحته فى وقت لاحق، إلا أن الغزو أدى لانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها.
وبعد سقوط «بغداد» فى أبريل 2003، بدأ البحث المكثف عن «صدام حسين»، الذى ظل متواريًا عن الأنظار عدة أشهر، وفى ديسمبر من العام ذاته، أعلنت القوات الأمريكية القبض على «صدام حسين» فى مخبأ قرب مدينة «تكريت»، فى عملية اعتُبرت- حينها- نقطة تحول فى مسار الاحتلال.
ونُقل صدام إلى الاحتجاز، ثم قُدم إلى محاكمة أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا، التى أُنشئت فى ظل الاحتلال الأمريكى، ووجهت إليه تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وبشكل عام، شكَّل اعتقال «صدام»، ومحاكمته، وإعدامه سابقة كبرى فى المنطقة، ليس فقط بسقوط رئيس دولة بالقوة العسكرية الخارجية، بل- أيضًا- بكون محاكمته جرت فى سياق احتلال، ما أثار جدلًا واسعًا حول العدالة، والسيادة، ودور القوى الكبرى فى تقرير مصائر الدول.
هندوراس
يعد «خوان أورلاندو هيرنانديز» من أبرز الأمثلة الحديثة على ملاحقة رئيس دولة من قبل «الولايات المتحدة» عبر المسار القضائى، تولى «هيرنانديز» رئاسة «هندوراس» بين عامى 2014 و2022، وشهدت فترة حكمه اتهامات واسعة بالفساد، والتلاعب السياسى، إلى جانب مزاعم عن صلاته بتجار المخدرات.
وفى فبراير 2022، وبعد أيام من انتهاء ولايته الرئاسية، ألقت السلطات الهندوراسية القبض عليه بناءً على طلب تسليم من «الولايات المتحدة»، ووجهت إليه اتهامات بالتآمر لتهريب كميات ضخمة من المخدرات إلى الأراضى الأمريكية، واستخدام أجهزة الدولة لتسهيل هذه العمليات، ونُقل «هيرنانديز» إلى «الولايات المتحدة»، حيث خضع للمحاكمة أمام القضاء الفيدرالى.
وفى يونيو 2022، صدر حكم بسجنه 45 عامًا، فى قضية اعتُبرت تتويجًا لسنوات من التحقيقات الأمريكية فى شبكات المخدرات بأمريكا الوسطى، غير أن القضية شهدت تطورًا مثيرًا للجدل عندما صدر عفو رئاسى أمريكى عنه فى الأول من ديسمبر 2025، ما أثار انتقادات قانونية وسياسية واسعة.











