الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

هل يدخل «الاتحاد الأوروبى» سباق التسلح النووى؟

خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً مع تولى «دونالد ترامب» الرئاسة الأمريكية، ضُرب ببعض المفاهيم الغربية، مثل: «السلام»، و«التعاون»، و«الدفاع المشترك» عرض الحائط، بصورة غيرت شكل السياسات العالمية بشكل عام، والأوروبية بشكل خاص، بعد أن تعرض الأوروبيون لصفعات متتالية صادمة من قبل «الولايات المتحدة الأمريكية» التى تعتبر حليفتهم التقليدية، ما أدى إلى تغير تحركاتهم وتفكيرهم، ويبدو أن الأمر وصل لتغير بعض مبادئهم التى انتهجوها منذ عقود. إذ كان هذا التغير نتيجة طبيعية لتصاعد مفهوم «المصلحة الخاصة».



 

 

كانت صفحات «سرى للغاية» قد تساءلت فى أغسطس الماضى - بعد انتهاء معاهدة «الصواريخ النووية متوسطة المدى» (INF Treaty) بين «الولايات المتحدة، وروسيا»، التى كان أحد أسباب إبرامها، هو حماية أمن «أوروبا»- إن كانت القارة العجوز ستستمر كحليف يعتمد على «الولايات المتحدة الأمريكية»، أم أنها ستبدأ حقبة جديدة من الاعتماد على الذات؟!

 

وقد بدأت الإجابة تظهر شيئاً فشيئاً، خاصة مع التحولات التى يشهدها «الاتحاد الأوروبى» خلال الفترة الماضية. وربما كانت «فرنسا»، تحت قيادة الرئيس «إيمانويل ماكرون»، من أكثر الدول الأوروبية التى دعت لاستقلال الأمن الأوروبى بعيداً عن «واشنطن»، والتفكير فى دفاع أوروبى موحد، فى الوقت الذى رفضت فيه بعض الدول الأوروبية هذه الدعاوى وعلى رأسها «ألمانيا، وبريطانيا»، بينما تحفظت الدول الأخرى فى الرد.

 

ولكن أزمة خروج «بريطانيا» من «الاتحاد الأوروبى»، دفعت الرئيس الفرنسى للكشف عن خطته النووية، التى تدعو إلى ضرورة العمل داخل «الاتحاد الأوروبى» على وضع استراتيجية دفاعية أكثر تنسيقًا، ويأتى ذلك بعد أن صارت «فرنسا» القوة النووية الوحيدة داخل «الاتحاد الأوروبى» بعد خروج «بريطانيا» من الاتحاد أو ما عرف بـ«البريكزيت».

 

«ماكرون» شدد على ان دول «الاتحاد الأوروبى» لا يمكن أن تختار دور المتفرج فقط فى سباق التسلح النووى الحالى، مبررًا بأن: «أراضينا هى الأكثر عرضة للخطر». ودعا شركاءه الأوروبيين إلى الدخول فى حوار استراتيجى، حول الدور الرادع لقدرة «فرنسا» النووية، فى الوقت الذى تشرع فيه بلاده فى تحديث لترساناتها بتكلفة تصل إلى 5 مليارات يورو سنويًا بداية من هذا العام، وفقاً لموقع «رويترز».

 

جدير بالذكر أن عدد الرؤوس النووية لـ«فرنسا» قد صار أقل من (300) رأس تنفق «باريس» عليها حوالى 3.5 مليار يورو سنويًا للاحتفاظ بمخزونها، مقارنة بالترسانة النووية الروسية التى تبلغ 6500 رأس والأمريكية التى تصل إلى 6185 رأس نووية.. ويأتى هذا الفارق الهائل بين الأخيرتين و«فرنسا» رغم أنها كانت رابع دولة تنضم إلى ما يسمى «النادى النووى»، فى ذروة «الحرب الباردة»، وحافظت على ثالوثها النووى الخاص من الصواريخ الأرضية، والقاذفات المسلحة نووياً، وغواصات الصواريخ الباليستية. واليوم يعد الردع النووى الفرنسى، الذى يتخذ من البحر مقراً له، هو موطن معظم ترسانتها النووية، التى تحتوى على أربع غواصات صاروخية تعمل بالطاقة النووية، ما يوفر ضمانًا دائمًا ضد أى هجوم نووى مفاجئ.

 

وكان خطاب الرئيس الفرنسى جزءًا من مسعاه طويل الأمد، من أجل بناء دفاع أوروبى أقوى، وأنه ينبغى على «أوروبا» أن تعزز استقلالها الاستراتيجى فى مواجهة التهديدات العالمية المتنامية، والتوقف عن الاعتماد على «الولايات المتحدة» فقط, ومع ذلك، كانت تصريحات «ماكرون» مفاجئة للجميع، إذ صرح وزير الخارجية البولندى «جاسك تشابوتوفيتش» لموقع «واشنطن إكزماينر» فى حوار له بعد مؤتمر ميونيخ الأمنى، بأن الحديث عما أسماه «المحرمات النووية»، هو أمر خطير بالنسبة للمجتمعات مضيفًا «يعلم الجميع أن هناك أسلحة نووية، لكننا لا نتحدث عن ذلك», لكن الرئيس الفرنسى برر تصريحاته بأنها بدافع أمنى.

 

جدير بالذكر أن الأمر لا يتعلق بالصفقة النووية الإيرانية فحسب، بل أيضًا بسلوك «واشنطن» فيما يخص النووى، سواء بتطوير ترسانتها، أو بتهديدها بالتخلى عن معاهدة (New START) مع «روسيا»، التى تنص على تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الاستراتيجية. هذا بجانب سعى «الصين» للحصول على نفوذ نووى عالمى، فى الوقت الذى تحاول فيه عدد من الدول الأخرى تطوير، أو الحصول على أسلحة نووية، لذلك وجدت «أوروبا» نفسها فى حاجة قوية لضمان أمنها، فى حال وجدت نفسها فى خضم مواجهة على غرار «الحرب الباردة»، وهذا ما حذر منه «ماكرون»، إذ نبّه إلى: «احتمال وجود منافسة عسكرية ونووية مفتوحة وغير مقيدة، لم ير مثلها منذ نهاية الستينيات».

 

لم تكن تصريحات الرئيس الفرنسى هى فقط ما أثارت الانتباه، بل جاءت ردود أفعال الدول الأوروبية المؤيدة لـ«ماكرون» أيضًا مثيرةً للدهشة والتفكير، وقد علق مدير المعهد الفرنسى للعلاقات الدولية (IFRI)، «كورنتين بروستلين»، إن: «أوروبا كانت دائمًا متشددة الرأى فيما يخص الرؤية النووية لـ«فرنسا». وإن المحاولات الفرنسية للحوار مع شركائها الأوروبيين حول هذا الموضوع، لم تنجح أبدًا، ولكن التوازن آخذ فى التغير، بما فى ذلك فى بلدان مثل «ألمانيا»».

 

وبالفعل صار عدد من الخبراء الغربيين يرون أن موقف «ألمانيا» بدأ يشوبه الانقسام، أو عدم التشدد فيما يخص السلاح النووى، حيث قال نائب الأمين العام لحلف الناتو «ميرتشا جيوانا» خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً فى «واشنطن»، إن: «المؤسسات الألمانية منقسمة تمامًا فى الرد على حقيقة أن «فرنسا» أصبحت هى القوة النووية الوحيدة فى «الاتحاد الأوروبى» ، بعد خروج «بريطانيا»».

 

ومن جانبه، قال «جوهان واديفول»، أحد زعماء حزب المستشارة «أنجيلا ميركل» (حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى)، إنه: «على «باريس» أن تفكر فى وضع ترسانتها تحت رعاية الاتحاد الأوروبى أو الناتو».

 

أما وزير الخارجية الألمانى، «هايكو ماس»، فقد قال ، إن: «ألمانيا مستعدة للمشاركة بشكل أكبر، بما فى ذلك المشاركة العسكرية». ودعا إلى «بناء قوة اتحاد أوروبى للأمن والدفاع باعتباره دعامة أوروبية قوية لحلف الناتو»، مؤكداً أن «أوروبا» بحاجة إلى الاستجابة.

 

كما أوضح الرئيس الألمانى «فرانك فالتر شتاينماير» أن استراتيجية «ترامب» (أمريكا أولاً) هزت النظام الدولى، وأدت إلى انعدام الأمن فى عالم غير مستقر، قائلاً: «إننا نشهد اليوم زخماً مدمراً على نحو متزايد فى السياسة العالمية.. إننا نذهب كل عام بعيدًا عن هدفنا المتمثل فى خلق عالم أكثر سلماً من خلال التعاون الدولى فى وجود الإدارة الحالية، ترفض «الولايات المتحدة» مفهوم المجتمع الدولى ذاته. وتعتقد أن كل دولة يجب أن تعتنى بنفسها، وأن تضع مصالحها الخاصة أمام الآخرين.. إن «أوروبا» بحاجة إلى السيطرة بشكل أكبر على أمنها، ويشمل ذلك الإنفاق العسكرى العالى.

 

ورغم أن تلك التصريحات تعتبر قوية وتشكل تغيرًا حقيقيًا فى التوجهات الألمانية، اعتبر الرئيس الفرنسى جميع الردود الألمانية غير واضحة رسمياً، معترفاً بأنه غير صبور، ومحبط، وطالب بإجابة واضحة.

 

تأتى هذه التطورات الأوروبية فى وقت يشهد قلقًا عالميًا كبيرًا، ويتسم بارتفاع التوتر بين القوى العسكرية، وانتشار الأزمات الأمنية الإقليمية، وانهيار معاهدات الحد من الأسلحة..وهنا تظهر تساؤلات جديدة، قد تكشفها لنا الأيام المقبلة. وهى: هل ينتهج «ماكرون» هذا السلوك النووى رغبةً فى القيادة الأوروبية، بعد خروج «بريطانيا»، أم خوفاً من صعود اليمين الأوروبى، الذى ينادى بخروج «فرنسا» من الاتحاد «الأوروبى» أيضاً، ومن ثم يطيح به؟

 

والأهم: هل حقاً يغير «الاتحاد الأوروبى» من مبادئه الداعية لنشر السلام، والبدء فى التفكير بالمصلحة الخاصة، ويدخل كلاعب فارق فى سباق التسلح النووى الجارى، وفقاً للنظرة الواقعية للأمور؟ أم توقع دول العالم على «معاهدة حظر الأسلحة النووية» (TPNW) الجديدة، التى تعد أول اتفاق دولى ملزم قانونًا لحظر الأسلحة النووية بشكل شامل، بهدف الوصول إلى إزالتها التامة، وحظر اختبارها وإنتاجها وتكديسها ووضعها ونقلها واستخدامها والتهديد باستخدامها، وفقاً للنظرة المثالية للأمور؟!