صفحات مجهولة من تاريخ الحكم البطلمى
يمتد تاريخ مصر فى العصر اليوناني- الرومانى لنحو ألف عام من بين دخول الإسكندر الأكبر مصر عام 332 قبل الميلاد، الذى يُعد نهاية التاريخ الفرعونى وبداية المرحلة الكلاسيكية من تاريخ مصر، وإلى دخول العرب مصر عام 640 ميلادية، ورغم أهمية تلك الفترة من تاريخ مصر السياسى والحضارى؛ فإنه لم يتم الاهتمام بها مثل غيرها من فترات التاريخ المصرى المختلفة، ومن خلال عدة موضوعات سنحاول التعرض بشيء من التفصيل لملامح تلك الحقبة من تاريخ مصر.
يمتاز تاريخ مصر فى الفترة اليونانية بالثراء والتنوُّع على نحو كبير. وحظى باهتمام كبير من المؤرخين والباحثين، خصوصًا الغربيين، على عكس غيرها من الفترات الأخرى؛ نظرًا لتفرد مصر فى ذلك العصر بوجود عدد كبير من الوثائق البردية المتنوعة وبلغات وكتابات عديدة مثل الهيروغليفية واليونانية واللاتينية والديموطيقية والقبطية والعبرية والآرامية والعربية. أمدت تلك الثروة الهائلة من المصادر البردية المؤرخين على نطاق العالم أجمع بمعلومات ليس لها مثيل عن تاريخنا المصرى من كل جوانبه فى ذلك الزمن البعيد؛ فنجد أنفسنا نرى تاريخ مصر فى ذلك العصر المتنوع الثقافات والأعراق معبرًا عنه بكل دقة من خلال الأحداث السياسية والأحوال الإدارية والأمور الاقتصادية والجوانب الاجتماعية بشكل فريد. ولم توجد مثل تلك الوثائق الموضحة لتاريخنا وحضارتنا فى ذلك العصر فى أي دولة أخرى. وكان تاريخنا المصرى فى تلك الفترة مختلفًا عن ثقافتنا الفرعونية نوعًا ما. وعبرت آثار مصر تحت حكم البطالمة عن مرحلة مهمة من تاريخها، وتعد تلك الحقبة الزمنية بين حكم الفراعنة والرومان من أغنى عصور التاريخ بالأحداث ليس فى مصر وحدها؛ بل فى كل بلاد الشرق الأدنى، ولم يبدأ الوجود الإغريقى المكثف فى مصر مع فتح الإسكندر الأكبر لمصر فى عام 332 قبل الميلاد، وإنما بدأ منذ نهاية العصور الفرعونية وعلى أكثر تقدير فى عصر الأسرة السادسة والعشرين أو ما يعرف بالعصر الصاوى والذى كان مقدمة طبيعية للوجود الإغريقى المنظم والمكثف والمتواصل فى مصر.
تفاعل المجتمع مع الحضارة الوافدة
وكانت مصر فى تلك العصور من الإسكندر الأكبر إلى العصر الرومانى ذات وجود حضارى حى يتفاعل حينًا مع الحضارات والثقافات الوافدة من الجانب الآخر من البحر المتوسط، ويتحداها فى أحيان كثيرة. ولقد قاومت الحضارة المصرية الغزو الحضارى القادم من ذلك الجانب الآخر من المتوسط، حتى استوعبته وأخضعته لبوتقة الشخصية الحضارية المصرية القوية التى تصبغ كل قادم بحضارتها وثقافتها السائدة، وفى النهاية برزت حضارة مصر فى ذلك العصر بسماتها وشخصيتها الحضارة الآسرة التى فرضت وجودها بمنتهى القوة على ماعداها من حضارات وثقافات أخرى، وأخرجت شخصية مصر الحضارية فى أبهى صورها القوية المقاومة. إن دراسة الحضارة المصرية القديمة مهم جدًا لفهم تاريخ وحضارة مصر فى العصر البطلمى وتفاعل مصر مع الحضارات المحيطة. وفى ذلك العصر البعيد، فتحت مصر أبوابها على مصراعيها لتستقبل الحضارات الوافدة وتتعلم منها وتستوعب لغاتها وفنونها وتمزجها بتراثها الحضارى العريق، وتنشرها خارج حدودها. فبعد تأسيس الإسكندر الأكبر لمدينته الخالدة، مدينة الإسكندرية العامرة، انتقل عرش الحضارة الإغريقية من أثينا فى بلاد الإغريق العريقة إلى مدينة الإسكندرية، حاضرة الثقافة العالمية- آنذاك- ودرة البحر المتوسط، تلك المدينة الأسطورية التى أصبحت الأمينة على تراث الحضارة الإغريقية، بل امتزج هذا التراث الإغريقى مع تراث مصر والشرق الأدنى، ومن ثم لم يعد «هيللينيًا» خالصًا كما كان من قبل، بل صار «هيللينستيًا» أى «إغريقيًا شرقيًا».
مركز إشعاع حضارى
فى مدينة الإسكندرية، تأسست جامعة جلب الملوك البطالمة لها كبار العلماء فى كل فرع من فروع المعرفة الإنسانية، وأخذوا ينهلون من نهر الحضارة المصرية المتدفق، ويستخرجون منها آراء ونظريات صاغوها بالمنهج العلمى الإغريقى، ونشروها فى كل بقاع العالم المعمور آنذاك، حتى إنهم طوروا الديانة المصرية القديمة وفق الفكر العالمى الهيللينستى وقدموها للعالم الذى كان يعيش فراغًا روحيًا كبيرًا آنذاك. لقد أحيا الملوك البطالمة الإمبراطورية المصرية القديمة، خاصة فى بلاد الشام والنوبة، ومدوا نفوذ امبراطوريتهم إلى ساحل الجزيرة العربية الغربى وجنوب البحر المتوسط وبعض مناطق آسيا الصغرى وجنوب بلاد اليونان. وبدأ التفاعل الحضارى المصرى على كل المستويات، سكانيًا واقتصاديًا وتجاريًا، مع هذه البلاد. وكشفت أعمال التنقيب الحديثة عن الدور الحضارى والتجارى الذى لعبته مصر فى منطقة الخليج العربى وشرق الجزيرة العربية. ويؤكد كل هذا على أن ذلك العصر البطلمى كان فترة إشعاع ونشاط لمصر مع المشرق العربى والجنوب الأفريقى على عكس ما كان يشاع من قبل على أنه كان حقبة ركود وخمول، وبعد وفاة الإسكندر الأكبر، دخلت مصر عصر البطالمة، أو عصر المقدونيين خلفاء الإسكندر الأكبر فى حكم مصر.
بداية التواجد الإغريقى
لم يأتِ الإغريق مع الإسكندر للمرة الأولى؛ بل إن العلاقات بين الحضارتين ترجع إلى أقدم العصور التاريخية. فعلى سبيل المثال، كشفت الحفائر فى جزيرة كريت عن آثار مصرية منذ عصر ما قبل الأسرات. غير أن التواصل بين الأمتين بلغ ذروته فى عصر الدولة الحديثة المصرية. وعثر على الآثار المصرية بكميات كبيرة فى مناطق مختلفة من شبه الجزيرة اليونانية. وتنتهى هذه الصلات الأولى عند نهاية الألف الثانى قبل الميلاد. وفى ظل عصر الأسرة السادسة والعشرين، عاد الاتصال الوثيق بين مصر والعالم اليونانى. حضر الإغريق بأعداد غفيرة كجنود مرتزقة استعان بهم ملوك تلك الأسرة فى صراعاتهم ضد أعدائهم وتحديدًا الفرس أعداء الإغريق أيضًا. وحضر إغريق آخرون بعد ذلك للتجارة. وعاش الجنود المرتزقة فى دفنة (بالقرب من مدينة الإسماعيلية) ومنف (ميت رهينة فى البدرشين فى الجيزة حاليًا). وحُددت مدينة نقراطيس (شمال غرب الدلتا) كمركز لإقامة التجار الإغريق. وعقد أحد ملوك الأسرة التاسعة والعشرين المصرية حلفًا مع أثنيا وقبرص. واستمر إرسال القمح وورق البردى المصريين إلى بلاد اليونان وفى المقابل كان يتم إرسال المنتجات الإغريقية المختلفة، مثل الخمور والأخشاب والمنسوجات والفضة فى شكل عملات، إلى مصر. فى مدينة نقراطيس المصرية، عُثر على بيان من عهد الملك نختنبو المصرى (من عصر الأسرة الثلاثين) يحدد فيه قيمة الضرائب على الواردات اليونانية. ووُجد معبد مصرى للربة إيزيس فى ميناء بيريه، ما يدل على وجود مركز تجارى مصرى فى أثينا. ومن خلال ما تقدم، تتضح أهمية مصر لبلاد اليونان خصوصًا كمصدر مهم للقمح الذى شجّع الإسكندر الأكبر على غزوها كى يمِّون بلاد اليونان وجيوشه الغازية فى آسيا. ومن هنا كان فتح الإسكندر الأكبر لمصر.
نهاية الاحتلال الفارسى لمصر
واحتل الفرس مصر فى عام 525 قبل الميلاد على يد ملكهم قمبيز. وثارت مصر ضد حكم الفرس، ثم حكمتها أسرات مصرية وطنية، ثم أخضعها الفرس مرة أخرى. وفى عام 332 قبل الميلاد، فتحها الإسكندر الأكبر، وهزم الفرس، وقضى على حكم الفرس لمصر، منهيًا بذلك حكم مصر الفرعونية، وصارت مصر مملكة يحكمها الغرباء القادمون من بلاد الإغريق والروم إلى الفتح الإسلامى فى القرن السابع الميلادى. وبعد أن استولى الإسكندر الأكبر على سوريا وفينيقيا وفلسطين، اتجه إلى مصر التى سلمها له الوالى الفارسى دون مقاومة واستقبله المصريون بالترحاب استقبال البطل المنقذ لهم من ظلم الفرس. وزار معبد الإله بتاح فى منف وقدّم القرابين للآلهة المصرية كى يكسب ود المصريين. ونُصّب فرعونًا على مصر وفقًا للتقاليد الدينية المصرية. ووصل إلى شاطئ البحر عند قرية يطلق عليها راقودة؛ حيث قرّر بناء مدينة الإسكندرية كعاصمة لمصر، أخلد أعماله فى مصر ورمز العصر. وزار معبد الإله آمون فى واحة سيوة ليستلهم آمون الوحى عن مستقبل آماله كابن للإله آمون. عاد الإسكندر إلى منف لإعادة نظام الحكم فى مصر؛ فقسّم مصر إلى قسمين: شمالى وجنوبى (الدلتا والصعيد)، وعهد بإدارة كل قسم لموظف مصرى. وأنشأ بالحدود الشرقية والغربية مقاطعتين جديدتين هما: العربية وليبيا وعيّن على كل واحدة موظفًا لإدارتها. وعيّن قائدين على الحامية العسكرية التى تركها فى مصر. وعيّن قائدًا للأسطول وبعض القواد لبعض الوحدات المرابطة فى منف وبلوزيوم. وعهد إلى كليومنيس النقراطيسى بالإشراف على الخزانة والشئون المالية، مع ترك حكام المديريات المختلفة يديرون مقاطعاتهم كما كان الأمر من قبل مع تحصيل الضريبة المفروضة منهم، وعهد إليه أيضًا بالإشراف على بناء الإسكندرية. وغادر مصر فى ربيع عام 331 قبل الميلاد ليواصل حربه ضد الفرس فى شرق آسيا.>