التاريخ.. صُنع فى مصر
مصر هى أول كلمة فى كتاب التاريخ وأهم موقع فى كتاب الجغرافيا.. مصر هى صانعة الحضارة ومبدعة التاريخ.. مصر هى أعظم دولة ثقافيًّا فى العالم (قديمًا وحديثًا). أنعم الله سبحانه وتعالى على مصر.. بالموقع الجغرافى المتميز الذى يتوسط قارات العالم القديم.. وساهم ذلك الموقع الجغرافى المتميز فى تواصل مصر مع جيرانها وسهولة الاتصال والتأثير والتأثر مع حضارات العالم القديم. ومنحها نهر النيل الخالد الذى سَهّل الاتصالَ بين الشمال والجنوب ووحّدَ الدلتا ووادى النيل (حضاريّا ودينيّا وثقافيًّا) منذ أقدم العصور. وكذلك ساهم النهر الخالد فى وحدة مصر وتماسُكها عبر العصور وتوحيد جهود المصريين وتضامنهم؛ لإقامة الجسور والحفاظ على مياه الفيضان.. ما جعل المصريين يعيشون كشعب واحد عبر آلاف السنين.
نشّط النهرُ العظيم التجارةَ الداخلية بين الشمال والجنوب ودعّمَ من تواصل المصريين وتماسُكهم مع بعضهم البعض، ونشر حضارة الفراعنة فى البلاد المجاورة لأرض مصر الخالدة، ما ساعد فى إحداث موجات حضارية من التأثير والتأثر المتبادلة بين مصر وجيرانها وإلى ما وراء ذلك من نطاقات حضارية مغايرة. ولم تكن مصر هبة النيل فحسب، كما قال المؤرخ الإغريقى هيرودوت، بل إن مصر هى هبة النيل والمصريين؛ لأنه لولا جهد الإنسان المصرى وعطاؤه ما كانت الحضارة المصرية؛ ولأن نهر النيل يمر ببلاد عديدة قبل أن يصل إلى مصر ولم تزدهر بها حضارات عظيمة مثل الحضارة المصرية؛ إذًا فمصر هى هبة النيل والمصريين معًا. وساهم اعتدال المناخ فى نشاط المصريين ونشأة وازدهار الحضارة فى أرض مصر المباركة، أو «كيمت تا مرى» أى «مصر الأرض المحبوبة» كما أحب المصرى القديم أن يطلق على بلاده، مصر العظيمة. وساهم الجفاف فى حماية والحفاظ على الآثار المصرية. وكان الإنسان المصرى المدنى والمتحضر بطبعه الشريك الأعظم والمساهم الأكبر فى نشأة وتكوين حضارة مصر الخالدة فى دلتا النيل والوادى الخصيب. فقد كان الإنسان المصرى القديم من العبقرية بمكان أن استطاع بذكاء شديد وتفرّد ليس له مثيل أن يوظف كل ما هيأه الله له فى الطبيعة المحيطة به كى يبدع الحضارة المصرية العظيمة. ومنح الله بوفرة كبيرة أرض مصر الطيّبة العديد من الثروات الطبيعة المتنوعة مثل الثروات المعدنية من صخور ومعادن، ومن الثروات الطبيعية من النباتات والحيوانات ما ساعد المصرى القديم على بناء حضارته الخالدة التى لاتزال تُسحر العالمَ كله بجَمالها وتخلب العقولَ وتبهر الأبصارَ بغموضها وسحرها. وكان الإنسان المصرى القديم فى صراعه مع الطبيعة والبيئة المحيطة به موفقًا للغاية فى كبح جماحها وترويضها وإخضاعها لتحقيق أهدافه الحضارية منها. لقد استقر المصريون القدماء على ضفاف نهر النيل. وكانت الوحدة السياسية ضرورة تستجوبها رغبة المصريين العارمة لدخول التاريخ. وحدثت الوحدة مع بدايات الأسرة الأولى وكانت بداية الانطلاق نحو الكتابة والتدوين ودخول العصور التاريخية والخروج من عصور ما قبل التاريخ إلى رحابة العصور التاريخية. لقد تمت الوحدة السياسية بعد أن تم توحيد البلاد حضاريّا ودينيّا تحت لواء المعبود حورس، الرب المصرى الأزلى، وحدثت الوحدة من الجنوب إلى الشمال إلى أن قام المَلك «حور عحا،» أو «الملك مينا»، بتوحيد مصر فى دولة حضارية وسياسية واحدة. وسوف تستمر مصر موحدة أبد الآبدين فى موقعها الجغرافى المتميز الذى جعل منها سيدة العالم القديم ومعلمة البشرية وملهمة الإنسانية وصانعة الحضارة ومبدعة التاريخ. لقد كان المَلك هو رأس الدولة المصرية القديمة وكان مصدر كل السُّلطات؛ خصوصًا السُّلطتين الدينية والدنيوية حتى يكون قادرًا على القيام بمهام المَلكية المُقدسة الملقاة على عاتقه. وكان المَلك يدير السياسة الداخلية من خلال جهاز الإدارة الداخلية ممثلًا فى منصب الوزير سواء أكان وزيرًا لمصر كلها أو وزيرًا للشمال وآخر للجنوب أو ممثل المَلك فى النوبة وكبار رجال الدولة وحكام الأقاليم. وكان للملك الحق فى إصدار المراسيم والقوانين التى تكفل تحقيق العدالة والأمن والاستقرار للمجتمع. وكان المَلك يمثل الآلهة على الأرض. وكانت المَلكية مقدسة فى مصر القديمة. وكانت للمَلك مهام عديدة ومهمة. وكان أهمها إقامة العدل وتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء لأرض مصر وشعبها. كان الفرعون يدير السياسة الخارجية من خلال التمثيل الدبلوماسى وعَقد المعاهدات الدولية وقيادة الجيش وإعلان الحرب ويدير مجلس الحرب، وكان يقود المعركة بنفسه أو يكلف قائد الجيش بذلك. غير أن تأمين أرض مصر والدفاع عنها كان من أهم مهام الفرعون فى مصر القديمة.. إذ كان الملوك فى مصر القديمة يقومون بكل تلك المهام (خصوصًا حماية أرض مصر والدفاع عنها)، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، منذ أقدم العصور.. وفى الأغلب الأعم نجح ملوك مصر الفرعونية فى القيام بمهامهم المَلكية المقدسة على أكمل وجه. يعتبر الجيش المصرى العظيم هو صمام أمن الأمة المصرية منذ الأزل والدرع الواقية التى تحمى مصر من الأخطار الداخلية والخارجية. رُغم أن المصرى القديم يميل بطبعه للسّلم ولا يميل للحرب ولا يلجأ إليها إلا دفاعًا عن نفسه وبلاده.. لذا نرى أن العقيدة العسكرية المصرية هى عقيدة ثابتة راسخة تقوم على الدفاع عن الأوطان ولا تقوم على الاعتداء على الآخرين. والجيش المصرى هو أول جيش نظامى فى التاريخ. وفى عصر الأسرة السادسة تجلت عبقرية الجيش النظامى فى عهد المَلك «بيبى الأول» حين خاض الجيش المصرى معركة بقيادة القائد «ونى» الأكبر، انتصر فيها على البدو الموجودين على حدود مصر الشمالية الشرقية، ممن أطلقت عليهم النصوص المصرية «عامو حِريو شع» أى «الآسيويين الموجودين على الرمال». ورُغم أن الجيش المصرى كان يقاتل بضراوة فى مواجهة جيوش الأعداء، كان يتعامل بمنتهى الرقى والتحضر مع المدنيين والمنشآت المدنية؛ فإن الجيش المصرى يؤمن بأن قوته ليست فى عسكريته فحسب، بل تكمن فى سلوكه المتحضر أيضًا. ويرجع تدريب الجنود المصريين على ضوابط وأخلاقيات العسكرية المصرية العريقة، من خلال عدم التعدى على المدنيين ومن خلال عدم القيام بأى عمليات سلب أو نهب للمناطق التى يمرون عليها أثناء قيامهم بمهمتهم فى تأمين الحدود المصرية، إلى عقيدة الجيش المصرى الثابتة، وهى أنه يقاتل الأعداء المهاجمين له فقط ولا يقوم بأى جرائم حرب قد تشوّه تاريخه العسكرى المشرّف الناصع البياض؛ نظرًا لأن الجيش المصرى لا يخالف أخلاقيات وأعراف وتقاليد القيم العسكرية الثابتة. وبهذا يتضح أن مصر الفرعونية أبدعت الأخلاقيات العسكرية فى العالم، وأن الأخلاقيات العسكرية المصرية عريقة عراقة مصر الفرعونية فى وضع قواعد أخلاقيات الجيوش والحروب منذ آلاف السنين، وأنها بذلك قد سبقت المواثيق الدولية فى العالم. ومصر دومًا سبّاقة فى كل خير وحق وجمال وفى سَنّ ما هو مفيد للإنسانية؛ لأنها هى التى علّمت العالم وأرشدت البشرية إلى فجر الضمير. لقد كانت محنة احتلال الهكسوس للأرض المصرية أول مواجهة وأول احتلال تمر به أرض مصر المباركة، فكان التفكير المصرى العبقرى بأن تقوم مصر بالتوسع خارج حدودها التقليدية وتكوين أعظم إمبراطورية فى العالم القديم، فكانت الإمبراطورية المصرية العظيمة فى مصر وبلاد الشرق الأدنى القديم من الأناضول شمالًا وإلى القرن الأفريقى جنوبًا ومن الفرات شرقًا وإلى الصحراء الليبية غربًا، أو «عصر الإمبراطورية» أو «عصر الإمبراطورية العسكرية» أو «عصر المجد الحربى» أو «عصر المجد العسكرى». لقد كان المهندس الأول لهذه الإمبراطورية هو المَلك «تحتمس» الأول العظيم.. وكان المكمل لهذه الإمبراطورية هو المَلك العظيم الفرعون المحارب «تحتمس الثالث»، أو نابليون العالم القديم، الذى لا تزال خططه العسكرية؛ خصوصًا فى «معركة مجدو» الخالدة تُدَرَّس فى كل أكاديميات العسكرية العالمية الشهيرة، واستمر من بعده الفراعنة المصريون فى الحفاظ على الإمبراطورية المصرية فى بلاد الشرق الأدنى القديم؛ خصوصًا الملوك سيتى الأول ورمسيس الثانى ورمسيس الثالث وغيرهم، باستثناء فترة العمارنة وحُكم المَلك «أخناتون» الذى أهمل الإمبراطورية المصرية فى الخارج؛ حتى جاء الفرعون «حور محب» وحافظ عليها وأكمل ذلك من بعده خلفاؤه الملوك الفراعنة فى عصر الرعامسة. اعتمد الجيش المصرى فى تكوينه على الجنود المصريين فى معظم الأوقات. وفى فترات قليلة ولاحقة، اعتمد على بعض الجنود المرتزقة. وكان الجيش المصرى يتكون من الجيش البرّى الذى كان يتكون من المشاة والعربات التى كانت تجرها الخيول والرمّاحين وجنود الحراب والأفرع الأخرى. وكانت أسلحة الجيش المصرى تتكون من الأقواس العادية والمركبة والسيوف والفؤوس والرماح والدروع والحراب والعجلات الحربية (أو سلاح الفرسان). وأبدع المصريون القدماء فى تطوير أسلحتهم التى صنعوها وفى الأسلحة التى تعلموها من الآخرين مثل العجلات الحربية.. كما تكوّن الجيش المصرى أيضًا من الأسطول البحرى الذى كان يحمى سواحل مصر البحرية فى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وكذلك فى نهر النيل. وعرفت مصر الأسطول منذ عصر الدولة القديمة حين أرسل المَلك «سنفرو» العظيم أسطولًا مكونًا من أربعين سفينة لجلب خشب الأرز من لبنان. وكانت من أشهر المعارك البحرية المعركة البحرية بين المَلك رمسيس الثالث، وما يُعرف بــ«شعوب البحر» الذين حاولوا غزو مصر فى عهده وقاموا بالزحف نحو مصر وتهديد حدودها برّا وبحرًا؛ فقام المَلك العظيم رمسيس الثالث بمفاجأة العدو بأسطول بحرى ضخم وهزم شعوب البحر شر هزيمة وحطم أسطولهم أمام شواطئ الدلتا وأنقذ مصر والشرق الأدنى القديم من خطرهم الداهم، وأحكم بقوة السيطرة المصرية على الحدود والسواحل الشمالية.. إلّا أن مصر عانت بعض الشىء فى عصر الانتقال الثالث، ثم حاولت معاودة الأمجاد فى العصر المتأخر؛ خصوصًا فى عصر الأسرة السادسة والعشرين (الصاوية) إلى أن احتل الفرسُ مصرَ، ومن بَعدهم الإسكندر الأكبر، ومن بعده خلفاؤه الملوك البطالمة حين صارت مصر مملكة يحكمها الغرباء إلى قيام ثورة 23يوليو 1952. إن العسكرية المصرية عظيمة منذ القِدَم عظمة الحضارة المصرية نفسها، وجيش مصر لم يكن يبدأ أبدًا بالاعتداء، وإنما كان يقوم المصرى القديم بالدفاع عن أرضه وعن نفسه إذا تعرّض لأى هجوم، وذلك؛ لأن المصرى يميل بطبعه إلى السّلم وحُب البناء والتعمير، وينبذ العنفَ ولا يحب التدمير. ولقد أذهل الملوك الفراعنة المحاربون العالمَ كله بخططهم العسكرية التى لا تزال تُدرَّس فى أكاديميات العالم العسكرية الكبرى؛ خصوصًا خطط أشهَر وسيد الملوك الفراعنة المحاربين، نابليون العالم القديم، الفرعون المحارب الأشهَر المَلك تحتمس الثالث. وكانت مصر القديمة سبّاقة للعالم كله فى كل الميادين من خلال تأسيس أول جيش فى التاريخ، وكذلك نجحت مصر فى تأسيس أول إمبراطورية فى التاريخ من الأناضول شمالًا وإلى القرن الأفريقى جنوبًا، ومن الفرات شرقًا وإلى الصحراء الليبية غربًا. وقامت الإمبراطورية المصرية على أسُس راسخة من التأكيد على مبادئ الحق والعدل والأمن والاستقرار ونشر العلم والعمران والمحبة والسلام فى أرجاء الإمبراطورية المصرية الفسيحة وبين كل الأجناس والمِلل والنِّحَل التى كانت تعيش فى ظل حمايتها. هذه هى مصر أرض (القِدَم والأصالة والتواصُل الحضارى والتديُّن والتقدُّم والاستمرارية).. وهذه هى مصر العظيمة التى علّمت العالم كله مبادئ الجيش والعسكرية العريقة والحق والدفاع عن الأوطان وإرساء السلام ونشر الأمن وتحقيق العدالة والازدهار والمحبة والنماء والعمران. إن مصر هى أرض التاريخ وصانعة الحضارة ومبدعة الثقافة والفنون وذات التاريخ العريق والأمجاد العسكرية والأخلاق الرفيعة فى أرض المعارك وخارجها. مصر هى التى علّمت البشرية.