الانتحار على الطريقة الفرعونية!
عكست النصوص المصرية القديمة كثيرًا من الظواهر الاجتماعية والمظاهر الحياتية التى حفُل بها المجتمع، فعبَّرت الأعمال الأدبية عن خلجات النفس ونقلت كل شواغل الروح والوجدان. وقد أهدتنا مصر الفرعونية عددًا كبيرًا من عيون الأدب العالمى ومن نصوص توضح لنا عظمة تلك الحضارة وروعة الإنسان المصرى الذى أذهلنا ولا يزال يذهلنا بأعماله الإبداعية والمعمارية والفنية. ولا تقل الأعمال الأدبية التى جاءت من مصر القديمة أهمية وعظمة وفخامة وضخامة، بكل ما تحمله من قيم ومعانٍ سامية وأفكار وأحاسيس ومشاعر نبيلة، عن أهرامات الجيزة ومعابد الكرنك والأقصر والدير البحرى وأبوسمبل وآثار توت عنخ آمون والمومياوات الملكية العظيمة. وهنا نلقى الضوء على بعض من هذه الأعمال التى تتعلق بالانتحار والإعدام فى حضارة مصر الفرعونية الخالدة.
الانتحار
لم يكن الانتحار معروفًا على نطاق واسع فى مصر القديمة. واعتقد البعض أن إنسانًا مصريًا قد انتحر. والحقيقة أن هذا عمل أدبى يُطلق عليه «اليائس من الحياة». وهو من النصوص الأدبية الجميلة والمهمة التى جاءت لنا من مصر القديمة. وهو عبارة عن حوار أدبى ذى مغزى فكرى ودينى وسياسى بين اليائس من الحياة وروحه. ولهذا الحوار صفة النزاع الكلامى والجدل الفكرى بين الذات المتمثلة فى الفرد الذى يأس من حياته نظرًا لانتشار الظلم والفساد فى العالم، وبين الروح التى تسعى لإقناع الذات للإقدام على الانتحار كى تتخلص من مساوئ هذا العالم المليء بالأزمات والفوضى. وكان الواقع الاجتماعى الذى عاش فيه ذلك الرجل ظالمًا؛ حيث ساءت أحوال البلاد والعباد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وانتشر الشر والفساد فى كل مكان ولم يعد لقيم الخير مكان عند الناس فقد قل الأمن والأمان والوفاء؛ لدرجة أنه لم يعد للإنسان من صديق أو أخ أو جار يتحدث إليه، فالإخوة والأصدقاء أصبحوا أعداءً لبعضهم. وغدت الثروة والنفوذ بيد الفاسدين الأشرار؛ لذلك فقد أراد ذلك الرجل أن يتخلص من حياته بحرق نفسه، لكن روحه عارضته وهددته بأنها ستهجره فى العالم الآخر. ولكنه أيضًا ومن خلال حواره مع روحه كان حريصًا على إرضائها وبقائها معه فأخذ يحاورها، وتحاوره وأخذت تُخيّره ما بين الرضا بالواقع والحياة معًا، أو الرضا بالموت والإقدام عليه. وكفت عن الحديث وامتنعت عن مناقشته. ما لبث الرجل حتى عاود التفكير فيما دعته إليه واعتزم أن ينتقل وإياها إلى عالم الآخرة. وبدأ يستدرجها فى الحديث، أملاً فى أن تشجعه وتساعده فى اتخاذ قرار محدد. وأشهد عليها جمعًا تخيله من الناس. وتصنعت الروح الغضب مرة أخرى. وأجابته وهى تؤنبه: «ألست رجلاً يافعًا عشت الحياة من قبل، فماذا حققت؟». ثم قصت له قصة رجل فقد زوجته وأولاد نتيجة إعصار ألقى بهم فى بحيرة تعج بالتماسيح فى سواد الليل. وهدفت الروح، من رواية هذه القصة وأخرى تلتها، أن تقنع صاحبها بأنه إذا تأمل الآخرين هانت عليه بلواه. لكنه دخل معها فى جدل آخر عن قيمة الحياة التى تدعوه إلى الرضا بها بعد أن فقد فيها الكرامة والثقة والأمل فى الناس ونظم إجابته من خلال أربع قصائد نثرية.
وتحدث عن الموت الذى فيه خلاصه من مأساته. وأكد على إيمانه بالحياة بعد الموت وإيمانه بالثواب والعقاب وعدل الأرباب فيها. وقال لها: «وها هو الحق.. الحق من وصل للعالم الآخر سيكون معبودًا يحيا به فيرد الشر على من أتاه. وها هو الحق من وصل هناك سيكون عالمًا بالأسرار وكل بواطن الأمور».
وهكذا انتهت البردية البليغة. فكانت أبلغ من هذا. وكان هذا اليائس يعيش فى صراعه مع روحه. ومن تلك البردية يتضح أن الأسلوب السردى أو السياق والنظام العام الذى استطاع من خلاله القاص المصرى القديم رسم ووضع العناصر الرئيسية للقصة، خصوصًا الزمان والمكان وحركة الأشخاص، ما ساعد على الحبكة الدرامية بما تحمله من تنوع فى الأحداث والمواقف داخل الإطار القصصى،وحافظ على حيوية وتدفق وتتابع الحكاية.
أما عن الانتحار بالفعل، فهناك نص بردية تورين القضائية الشهيرة التى تتحدث عن مؤامرة الحريم على حياة الملك رمسيس الثالث، وانكشفت المؤامرة، وحُقق فيها بأمر من الفرعون. وحكمت المحكمة على المتهمين بأحكام تتراوح بين الإعدام والانتحار والجلد والسجن وقطع الأنف وصلم الأذن والبراءة، كل وفقًا لدوره وجريمته فى تلك المؤامرة المشينة.. تلك هى مصر الفرعونية المبهرة بثرائها الأدبى والفكرى والقانونى الذى علّم الحضارات وألهم الإنسانية.
الإعدام
إن من أروع المصادر الأثرية فى مصر بردية تورين القضائية التى تتحدث عن عقوبة الشنق والإعدام فى مصر الفرعونية.. كان الملك رمسيس الثالث يعيش مع أفراد عائلته والمقربين من حاشيته فى القصر الملكى. وحفُلت حياة القصور الملكية بالعديد من الأحداث بسبب الغيرة والطموحات والمؤامرات، ونتج عنها صراعات كثيرة وكبيرة. وكان أهمها الصراع والتآمر على العرش بين الزوجات الملكيات أمهات أولياء العهود الشرعيين والزوجات الثانويات ومن المعروف أنه كانت لآخر فراعنة مصر العظام الملك رمسيس الثالث زوجة ثانوية باسم «تى». وقامت هذه الملكة بمؤامرة ضد حياة الفرعون. وكانت هذه من المرات القليلة التى تحدثنا النصوص الفرعونية عن شىء كهذا، وأبنائهن الراغبين فى حكم مصر بعد رحيل الملك الأب. ووصل التآمر إلى حياة الملك نفسه.
ونعلم عن تلك المؤامرة من المحاكمات التى تمت للمتهمين من بردية تورين القضائية. وتعرف المؤامرة بـ «مؤامرة الحريم».وشارك فى المؤامرة عدد من حريم القصر الملكى وبعض سقاة البلاط وحرسه وخدمه، ولم يعرف هدف هؤلاء المتآمرين. ولعل السبب الأساس لتلك المؤامرة أن هذه الملكة الثانوية «تى» بالتعاون مع بعض نساء القصر خططت لاغتيال الملك كى تضع ولدها «بنتاورت» على عرش مصر بدلًا من ولى العهد الشرعى،الملك رمسيس الرابع بعد ذلك.
وانكشفت المؤامرة، وحُقق فيها بأمر من الفرعون. وحكمت المحكمة على المتهمين بأحكام تتراوح بين الإعدام والانتحار والجلد والسجن وقطع الأنف وصلم الأذن والبراءة، كل وفقًا لدوره وجريمته فى تلك المؤامرة المشينة. ومن المعروف أن هناك مومياء لرجل غير معروف فى المتحف المصرى بميدان التحرير. وتعرف علميًا بـ «مومياء الرجل غير المعروف «إى». ويشيع تعريفها بـ «المومياء الصارخة» أو «مومياء الرجل الصارخ».
وأثبتت الدراسات الحديثة التى قام بإجرائها الدكتور زاهى حواس وفريقه على مومياء الملك رمسيس الثالث والمومياء غير المعروفة فى المتحف المصرى فى ميدان التحرير أنه تم قتل الملك بقطع رقبته من الخلف بسكين حاد.وأثبتت الدراسات الحديثة نفسها أن «مومياء الرجل غير المعروف «إى» أو «المومياء الصارخة» أو «مومياء الرجل الصارخ» كانت لابن الملك بنتاورت، الذى أُجبر على الانتحار وشنق نفسه بيده من خلال علامات الحبل الموجودة على رقبته، وتم عقاب هذا الابن أشد عقاب بعدم تحنيط جثته ودفن جسده فى جلد الغنم الذى كان يعتبر غير طاهر فى مصر القديمة، وبناء على ذلك سيذهب إلى الجحيم فى الآخرة.
وتؤكد هذه الأحداث صدق الأساليب البلاغية التى تم استخدامها فى نص المؤامرة الأدبى حين أشار إلى أن القارب الملكى قد انقلب، ما يرمز إلى وفاة الملك رمسيس الثالث وصعود روحه إلى السماء، غير أن المؤكد أن المؤامرة قد فشلت بدليل تولى خليفته الطبيعى وولى العهد رمسيس، الملك رمسيس الرابع لاحقًا، عرش البلاد بدلاً من أخيه بنتاورت المتآمر. ويجيء هذا النص الفريد الذى يذكر تلك الواقعة المثيرة ضمن النصوص الفرعونية الرسمية. وهذا يشير إلى تغير كبير حدث فى مفهوم الملكية الفرعونية التى أصبحت هنا تميل إلى تصوير الفرعون فى صورة بشرية إنسانية به ضعف مثله فى ذلك مثل باقى البشر العاديين، ولم يعد ينظر إلى الفرعون على أنه إله يحكم على الأرض نيابة عن آبائه الآلهة.
ولا نعرف شيئًا عن مصير الخائنة الملكة تى. وإن كان ذكر التاريخ لقصة هذه الملكة الخائنة ومؤامرتها لقتل زوجها فاضحًا للغاية وكاشفًا لسيرتها غير المشرفة، ولقد ساهمت الغيرة بين نساء القصر الملكى والصراع على العرش فى ذلك، غير أن هذه كانت حالات قليلة فى مصر القديمة التى كانت مثل أى مجتمع قديم أو حديث لها من الصفات الحميدة وغير الحميدة مثل ما عند كل البشر فى كل زمان ومكان.
وكان حكم المحكمة على المتهمين بأحكام تتراوح بين الإعدام والانتحار، كل وفقًا لدوره وجريمته فى تلك المؤامرة المشينة، من بين الأحكام والحالات المعروفة فى هذا الشأن فى مصر القديمة.