السحر الفرعونى
الحضارة الفرعونية، ستظل يومًا بعد الآخر محط أنظار العالم، والباحثين والعلماء، للثراء الكبير الذى تتمتع به، بل إنها ستظل لغزًا محيرًا للإنسانية كلها، فرُغم مرور ما يزيد على 7 آلاف سنة - هى عمر الحضارة الفرعونية- فلا يزال الغموض يحيط بالكثير منها، وتضم المتاحف المصرية مئات بل ملايين الأسرار التى لم يُكشف عنها بعد.
حين اكتشف «هوارد كارتر» فى 4نوفمبر عام 1922م مقبرة توت عنخ آمون فى البَر الغربى بالأقصر، انبهر العالم كله بالآثار الساحرة للفرعون الذهبى، وضمت المقتنيات، اثنين من الأبواق المزخرفة، أحدهما من الفضة والآخر من البرونز، لايزالان يمثلان لغزًا كبيرًا فى حياة الفرعون الذهبى، رُغم مرور ما يقرب من 100 عام على اكتشاف مقبرته.
كان البوق فى مصر القديمة آلة موسيقية عسكرية، ومن أهم الأدوات الداعية للحرب، ويبلغ طول البوق المثير نحو 50 سم، وفوهته أسطوانية الشكل بحَلقة فضية عند النهاية الخارجية ومثبتة فى أنبوب، وعلى الوجه الخارجى لطرَف البوق المتسع، الذى يشبه الجرس، منظر يُصور الملك توت عنخ آمون مرتديًا التاج الأزرق المفضل لأسرته، ويمسك بالصولجان المعقوف، ويقف أمام تمثال لرب الفنانين والصناع الإله الشهير «بتاح» فى هيئة مومياء.
وفى عام 1939م ، زار أحد علماء الآثار الفرنسيين المتحف المصرى، وأمسَك ببوق الحرب الذى كان يمتلكه توت عنخ آمون، ونفخ فيه ليجربه، ففوجئ الجميع بدوىّ الصوت من خلاله، وبعد ساعات قليلة، وقعت الكارثة وقامت الحرب العالمية الثانية، فقال علماء الآثار إنه يمكن الاستعانة ببوق الفرعون وإعادة النفخ فيه لإعلان الحرب أو التحذير من المصائب الكبيرة؛ وذلك لأن البوق كان يُنفَخ فيه للإعلان عن الحرب.
وفى سنة 1939م، حاولت هيئة الإذاعة البريطانية تسجل صوت هذه الأبواق على الهواء، واستطاعت أن تُقنع مصلحة الآثار المصرية بالمشاركة فى البث، وقبل العزف بخمس دقائق انقطعت الكهرباء وانطفأت الأضواء من كل الأجهزة المصاحبة لكل الأفراد الذين كانوا موجودين لتسجيل هذا الحدث المهم، ثم نجح العزف بعد ذلك، وظل العزف على البوق لمدة 5 دقائق متواصلة، ولكن أثناء النفخ، حلت بدايات اللعنة بالحدث مرّة ثانية، وانكسر البوق، وتم إصلاحه، وأخيرًا نجحت عملية تسجيل الصوت، وبعد البرنامج بأشهر، قامت الحرب العالمية الثانية بكل أحداثها الدموية المريعة.
وحاول أحد أمناء المتحف المصرى بالتحرير إنكار فكرة وقوع الحروب والكوارث بعد النفخ فى البوق معتبرًا إياها خُرافة، فقام بالنفخ فى البوق سنة 1967م، ولكن بعدها قامت حرب 1967م بين العرب وإسرائيل، وخسر العرب الحرب وتم احتلال الكثير من الأراضى العربية.
وفى عام 1990م، حاول أثرى مصرى أن يعيد التجربة كنوع من الدعابة، فقامت بعدها حرب الخليج الثانية بين العراق والكويت، وفى سنة 2011م، نفخ أحد الأثريين المصريين فى البوق، وبعدها بأسبوع، قامت ثورة 25يناير 2011م.
وبناءً على ما سبق، نشأ اعتقاد راسخ لدى الأثريين بأن النفخ فى هذا البُوق معناه قيام للحرب؛ أو إحداث كارثة كبرى على الفور أو بعد النفخ بوقت قصير؛ حيث لاتزال حياة وآثار الفرعون الذهبى الملك توت عنخ آمون مليئة بالسّحر والجَمال والأسرار والغموض.
تمثال «جد حور الشافى»
آمن الفراعنة بالسّحر وقوة الكلمة المكتوبة والشفاء من خلال قوتها السحرية، وآمنوا كذلك بقدرة الكلمة على التنكيل بمَن يعرّض آثارهم وأعمالهم الأخروية للاعتداء والتدمير، وكان من بين ذلك ما عُرف بـ«لوحات حورس السحرية».
ويُعَد تمثال «جد حور الشافى» من أهم الأعمال القادمة من مصر الفرعونية؛ حيث تم نحت تمثال الكاهن «جد حور الشافى» من البازلت الأسود، وهو من أشهر التماثيل الفرعونية بالمتحف المصرى بميدان التحرير، وموجود فى الدور الثانى بالمتحف، ونال شهرة طاغية بعد كثرة الشائعات حوله، التى تدّعى أنه تمثال «مسحور»، وهى شائعات ليس لها أى أساس من الصحة، وليس هناك أى دليل علمى يؤيدها.
ويعود تاريخ التمثال إلى العصر المتأخر من تاريخ مصر الفرعونية، وينتمى إلى المدرسة الفنية والسحرية نفسها التى أنتجت ما يُعرف بـ«لوحات حورس السحرية»، ويُعتبر تنويعًا عليها؛ حيث ظهرت «لوحات حورس السحرية» فى العصر المتأخر، وكانت تُستخدم لأغراض علاجية عديدة؛ خصوصًا العلاج من لدغات الحيات والعقارب والزواحف السامة.
وقُصد بالرموز المحفورة على اللوحات مخاطبة عالم آخر، وهو العالم النجمى أو «دوات» فى اللغة المصرية القديمة، وكان العالم النجمى فى نظر المصرى القديم عالمًا يتداخل مع الحياة الأولى، ولم يكن منفصلًا عنها، وكان هو العالم الذى تذهب إليه الأرواح بعد الموت، وكان المصدر الذى تأتى منه كل الأشياء، وتكمن فيه أسباب كل الأمراض، لذا كان الكهنة يقومون بمعالجة المرضى عن طريق الاتصال بهذا العالم الخفى.
لوحات حورس السحرية كانت جزءًا من طقوس السِّحْر فى مصر القديمة، ورموزها كانت تخاطب العالم النجمى، ويحمل تمثال «جد حور الشافى» كل الرموز الموجودة بلوحات حورس السحرية، فالكاهن يجلس وأمامه لوحة مصور عليها «حورس» الطفل يطأ بقدميه تمساحين يتجه كل منهما عكس الآخر، كانت التماسيح فى العالم النجمى رمزًا للخطر الكامن الذى كان لا يراه الإنسان، فكان التمساح يقبع تحت سطح الماء، وكان يتربص بضحيته حتى إذا توهمت الضحية أن الماء آمن، انقض التمساح عليها من تحت الماء، ويطأ «حورس» التمساحين بقدمه كرمز للتغلب على الأسباب الكامنة للأمراض، ويمسك فى إحدى يديه أسدًا، وفى اليد الأخرى غزالًا، رمز الشراسة والوداعة، ويقف «حورس» الطفل متزنًا، وهذا الاتزان هو سر الشفاء؛ فالمرض فى الأصل هو عبارة عن خَلل فى توازن الإنسان، وما تفعله الرموز الموجودة بلوحات حورس السحرية أنها تخاطب العالم النجمى بلغة الرمز، وتعيد التوازن إلى المريض، ما يساعده على الشفاء، وفوق حورس رأس الرب «بس» المختص بحماية الأطفال، وهو يحمى الطفل «حورس» فى مهمته.
وتمثال الكاهن «جد حور الشافى» مُغَطى بالكامل برموز تخاطب العالم النجمى، ورموز الحيات والعقارب من أكثر الرموز انتشارًا بالتمثال، وفوق ظهر التمثال صورة للرب «حكا»، رمز السِّحْر الكونى؛ حيث كان التعامل مع التمثال وما يحمله من رموز باستخدام الماء؛ حيث يقوم الكهنة بصب الماء فوق التمثال وتركه ينساب ويتجمع فى حوض صغير تحت قدمىّ «حورس» الطفل، ويُترك الماء يتفاعل مع الرموز الموجودة بالتمثال؛ حيث يتم شحن الماء بطاقة الرموز القوية، وبَعدها يُعطى الماء للمريض ليشربه أو يَغتسل به، وتقوم طاقة الماء بإحداث التوازن داخل جسم المريض وتساعده على الشفاء.
للتمثال حضور قوى، وبه طاقة لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن تجاهل تلك الابتسامة الهادئة على وجه تمثال «جد حور الشافى»، وهى ابتسامة طمأنينة وسَكينة، وتُعَد طاقة إيجابية يبثها التمثال بقوة فى المريض فتساعده على الشفاء.
الفراعنة والسينما
عَبّر الفنان المصرى القديم فى العديد من الأعمال عن فهمه لفن السينما وإدراكه للغة السينمائية قبل أن يتم اختراع فن السينما فى العصر الحديث، فنجد العديد من الأدلة المُصَوّرَة التى تقدم بوضوح معرفة المصريين القدماء بمبادئ وأصول فن السينما من خلال التطبيق اللافت لفنون التصوير فى العديد من المناظر المُصَوّرَة على الآثار المصرية القديمة، سواء فى المقابر أو المعابد أو حتى على بعض القطع الأثرية الصغيرة التى تُظهر براعة وإحساس المصرى القديم بالزمن وتكوين الكادر السينمائى وإدراكه البالغ لتتابع المَشاهد الواحد تلو الآخر وفق تسلسل زمنى متراتب ووفقًا لمنهج بصرى يعطى العين القدرة على التتابع ومتابعة تطور الحدث أو الفعل المُصَوَّر على آثارهم، فضلًا عن أن كل مشهد يضيف إلى الآخر ويطوِّر الحدث حتى تكتمل الرؤية أو الرسالة الفنية التى أراد الفنان المصرى القديم إرسالها عَبر تصويره لهذه اللقطات السينمائية البارعة قبل معرفة واختراع فن السينما بآلاف السنين.
وتمثل الآثار المصرية بانوراما بصرية لافتة وتصف المَشاهد المُصَوّرَة عليها العديد من اللقطات الفنية البارعة التى تُعَبر عن لحظات ومَشاهد مهمة من حياة المصريين القدماء وفقًا لتسلسل وبناء درامى متماسك لافت.
ونرى على صَلاية المَلك نعرمر (نارمر) بالمتحف المصرى تقسيمًا للمناظر وتتابعًا للمَشاهد الخاصة بالأحداث التاريخية فى فترة محاولات توحيد مصر فى عصر ما قبل الأسرات، ومن المناظر المهمة فى الحضارة المصرية القديمة تصوير المتوفَّى جالسًا إلى مائدة القرابين.
وبرع المصرى القديم فى تقسيم المَشاهد إلى لقطات ووَضَعَ خطوطا فاصلة كى تفصل المَشهد عن الآخر، وأذهلت مناظر المصارعة فى بنى حسن بالمنيا الجميع بتنوُّع وتتابُع المُشاهدة فى لقطات تزيد على المائتين فى العدد، وعَرف الفراعنة تصوير المَشهد الأمامى والخلفى وإبراز الشخصية الرئيسية والثانوية والشخصيات المزدوجة،. وأبدعوا فى صُنع الكادرات والزوايا واللقطات والمنظور والأضواء والظلال والتصوير الجانبى والتصوير الغائر والبارز والتصوير تحت الماء وإظهار الحركة لحظة وقوعها والحركات المتتابعة والتحريك وتقطيع المناظر (الديكوباج).
المدهش فى الأمر أن المصريين القدماء عَرفوا فن المونتاج، ويظهر ذلك بوضوح فى مناظر تصوير صناعة السبائك الذهبية؛ إذا قام المصريون القدماء بصناعة تسلسل وتتابُع تصويرى من خلال عدد من المناظر المصوّرَة على الجدران، وهناك، على سبيل المثال، فى مقبرة «مريروكا» بسقارة مناظر متتالية تحكى خطوات الصناعات المعدنية بدءًا من وزن المادة، ثم صهرها، ثم صبها فى قوالب، وتشكيلها فى سلاسل، ثم عمل قلائد للصدر، ثم عمل قلادة من نوع آخر فى نهاية الأمر.
وتظهر الأعمال الفنية فى مصر القديمة عبقرية وإنجاز وإعجاز المصرى القديم وتعامله مع جميع مفردات الفنون بحب وعشق وإبداع، وتفرُّده وأسبقيته فى إبداع الفنون التى عرفها العالم بَعد آلاف السنين؛ ما يدل على عظمة مصر والمصريين، ويؤكد هذا دومًا، كما أحب أن أقول، إن مصر هى التى علّمت العالم.>
* مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية