أوجه الشبه بين
هل كان أخناتون هو أول الموحدين؟ وهل كان هو المَلك الموحد الأول القادم من مصر القديمة والشرق الأدنى القديم؟ وهل ما قام به أخناتون من ثورة دينية بالقضاء على كل المعبودات الأخرى يُعد أمرًا توحيديّا كما نعرف التوحيد بمفهومنا الحالى فى العصر الحديث؟ وهل كل إله أخناتون، المعبود آتون.
إله جديد أَمْ كانت له جذوره فى مصر القديمة ولم يكن إلهًا مستحدثًا دفع به أخناتون إلى صدارة المشهد الدينى فى مصر القديمة فى النصف الثانى من الأسرة الثامنة عشرة فى عصر الدولة الحديثة عصر الإمبراطورية المصرية الفسيحة فى مصر والشرق الأدنى القديم؟ وهل هناك تشابه بين أناشيد أخناتون لربه آتون ومزامير نبى الله سيدنا داود عليه السلام؟ وهل كان هناك تأثر بدعوة أخناتون بعد نهاية فترة حكمه؟
تُعتبر فترة العمارنة (نسبة إلى عاصمة أخناتون الجديدة فى تل العمارنة فى المنيا فى مصر الوسطى) من أهم الفترات التاريخية فى مصر القديمة التى حدثت بها تطورات، بل طفرات فى كل مظاهر الحياة، بل والعالم الآخر. وعصر العمارنة هو عصر الثورة فى مصر الفرعونية على كل المستويات. ففى هذا العصر حَكم مصر مَلك جديد أحدث ثورات على كل الأصعدة التقليدية وقلب الأمور رأسًا على عقب فى فترة زمنية قصيرة عادت بعدها الحياة فى مصر القديمة إلى مجراها شبه الطبيعى وسابق عهدها بعد اختفاء قسرى لذلك المَلك أو إقصائه وإنهاء زمنه وتاريخه من قِبَل كارهيه ومعارضيه من أنصار المَلكية المصرية المستقرة وكهنة المعبودات الأخرى الذين قضى عليهم أخناتون وأزاحهم عُنوة من المشهد السياسى فى مصر القديمة.
ورُغم كل ذلك؛ فإن الآثار التى تركها عصر العمارنة على معاصريه ولاحقيه لم تختفِ كلية من المشهد كما كان يظن هؤلاء الكارهون لتلك الحقبة الأكثر إشكاليّا وإثارة فى تاريخ مصر القديمة قاطبة، بل امتدت تلك الآثار إلى ما بعد عهد الفرعون الموحد المَلك أخناتون لفترة ليست بالقصيرة.
الديانة الآتونية.. ديانة آتون
كان الدين من بين أهم العناصر المميزة التى قامت عليها دtولة المَلك أخناتون ودعوته الدينية الجديدة. ولعب الدين دوره الكبير بامتياز فى فترة العمارنة الفريدة فى التاريخ المصرى القديم كله. وانصبّ اهتمام المَلك الشاب على الديانة الشمسية أو ديانة الضوء وعلى معبوده الجديد «آتون» الذى جسّده المَلك فنيّا على هيئة قرص شمس تخرج منه أيدٍ بشرية تمسك بعلامة «عنخ» كى تهب الحياة للبشرية جمعاء من خلال الوسيط المَلك أخناتون وأفراد عائلته المقدسة. وكان الأمير أمنحتب (المَلك أمنحتب الرابع بعد ذلك) قد تعلّق بديانة الشمس وتحديدًا قرص الشمس «آتون» منذ أن كان صغيرًا. وتأثر كثيرًا بخاله الذى كان كبيرًا للرائيين فى مَعبد الإله رع إله الشمس فى مدينة الشمس: هليوبوليس (منطقتا عين شمس والمطرية الحاليتان فى شرق محافظة القاهرة).
كان والده المَلك أمنحتب الثالث وجده المَلك تحوتمس الرابع قد دعما من ديانة آتون من قبل، غير أن أخناتون أخذ الخطوة الأكبر ووصل بديانة آتون إلى قمتها ونهايتها فى الوقت عينه. وعندما صار الأمير أمنحتب مَلكًا غيّر اسمه فى العام السادس من حُكمه من أمنحتب الرابع إلى «أخناتون» أى «المفيد لآتون» كى يكون على أتم الاتساق مع دعوته الدينية الجديدة ومعبوده الجديد قرص الشمس آتون، الذى أراد من خلاله أخناتون أن يحقق العالمية لدعوته؛ نظرًا لوجود الشمس فى مصر وكل مكان من بلاد الشرق الأدنى القديم؛ وبذلك يستطيع أن يتعبد إلى ذلك المعبود الكونى البشر فى معظم أرجاء الإمبراطورية المصرية الفسيحة التى شيدها جده الأعلى الفرعون المحارب المَلك تحتمس الثالث فى آسيا وإفريقيا.
لاقت الدعوة الدينية الجديدة استحسانًا من قِبَل زوجته الجميلة والذكية المَلكة نفرتيتى التى صارت من أقوى المناصرين للملك أخناتون ودعوته الجديدة وصارت صنوًا له وعنصرًا مكملًا للدعوة الآتونية والديانة الشمس. وكان ينقص المشهد شىء مهم إن لم تكن المَلكة الجميلة موجودة به، إن لم تكن منافسة للملك الموحد.
معبد لآتون فى الكرنك بيت آمون المقدس!
فى بداية حكمه، بنى المَلك أخناتون معبدًا للإله آتون فى الكرنك، المكان المقدس للمعبود آمون رع، مهددًا بذلك دولة آمون رع الأزلية المستقرة وكهنته ومتحديًا إياهم فى عقر دارهم مما جعلهم يضمرون له الحقد ويكيدون له المكائد حتى ترك مدينتهم طيبة العاصمة العريقة لمصر القديمة فى عصر الدولة الحديثة وارتحل إلى مدينة جديدة لم تدنسها قدم إنسان من قبل. وقامت دعوة أخناتون على جمع كل الآلهة فى إله واحد هو معبوده آتون. ولم يجسّد المَلك أخناتون إلهه الجديد فى شكل آدمى على الإطلاق. وكانت فكرة العدالة والنظام الكونى جزءًا من ديانة أخناتون الجديدة. وكانت فكرة النور والضياء جزءًا لا يتجزأ من الدعوة الآتونية فى مقابل الظلام وقوى الفوضى. ولا تنطوى دعوة أخناتون على فكرة التوحيد كما نعرفها حاليًا، وإنما كان الهدف من تلك الدعوة بدمج المعبودات فى إله واحد هدفًا سياسيّا كى يحد من سيطرة المعبود آمون رع وكهنته على الحُكم فى تلك الفترة. وحاول أخناتون أن ينجح فى ذلك، لكن الحظ لم يحالفه طويلًا؛ نظرًا لوقوعه فى عدد من الأخطاء الكارثية الكبيرة، وكذلك انغلاق دعوته، وقيامها على شخصه وأفراد عائلته فقط، وتسرُّعه وقِصَر فترة حُكمه، واعتماده على عدد من المنافقين والمنتفعين الذين انقلبوا عليه حين انتهت دعوته وانفضت دولته وخارت قواها.
هل كانت دولة أخناتون دولة دينية؟
على عكس ما يشاع لم يقُم أخناتون بتأسيس دولة دينية على الإطلاق. ومن المعلوم أن الدولة الدينية الوحيدة التى قامت فى مصر القديمة كانت فى عصر الأسرة الحادية والعشرين، عندما استغل كهنة الإله آمون فى مدينة طيبة ضعف السُّلطة المركزية بعد نهاية الدولة الحديثة، وقفزوا على السُّلطة، وأسّسُوا تلك الأسرة التى حكمها كهنة آمون من الجنوب فى حُكم ثيوقراطى لم يكن مقبولًا من الجميع وسرعان ما انتهى بتأسيس المَلك شاشانق الأول للأسرة الثانية والعشرين محققًا عظمة الأجداد من ملوك الدولة الحديثة. ولم تستمر دولة أخناتون طويلًا؛ بسبب كثير من الأخطاء الكارثية الكبرى التى حاول المَلك أخناتون القيام بها مثل محاولته الدؤوب تغيير الهوية الحضارية للدولة المصرية المتسامحة، التى تقبل التعدد بامتياز، وكذلك محاولته إقصاء كل ما ومَن هو ضده، وأيضًا زلزلة ثوابت الدولة المصرية العريقة، وإهمال سياسة مصر الخارجية وممالكها المهمة فى بلاد الشرق الأدنى القديم، والاكتفاء بالدعوة الدينية لمعبوده الجديد والتجديدات الفنية واللغوية والأدبية التى لم تمس عمق المجتمع ولم يتقبلها كلية، فضلًا عن التغيير الفوقى الذى أراد فرضه على الجميع فى وقت زمنى قصير، علاوة على عدم الاهتمام بالتراث المصرى الحضارى العريق الممتد فى الشخصية المصرية لآلاف السنين قبل بزوغ دعوته الدينية القائمة على الأحادية ونفى المعبودات الأخرى وكهنتها المتنفذين، وعدم الالتفات إلى طبيعة الثقافة المصرية وكذلك الشخصية المصرية وفهم مكوناتها ومكنوناتها، فكانت نهايته المأوسوية. ونظرًا لأنه كان أيضًا هو الوسيط الوحيد بين معبوده آتون والشعب، فانتهت الدولة بانتهائه، وغابت الدعوة بغيابه. وانقلب المنافقون الذين ذهبوا معه إلى مدينته الجديدة بعد رحيله ولعنوه ولعنوا دعوته وهجروا مدينته وأطلقوا عليه «المَلك المهرطق» و«المارق من تل العمارنة».
أناشيد أخناتون ومزامير داود
كتب المَلك أخناتون الأناشيد التى كان يناجى فيها ربه الإله أتون. وتمثل أناشيد آتون أهمية كبرى من الناحيتين الدينية والأدبية لما بها من أفكار دينية متقدمة وخلاقة وإبداعية تتشابه مع ما جاء فى المزمور رقم 104 من مزامير نبى الله سيدنا داود عليه السلام. فيرى البعض أن هناك تماثلًا كبيرًا بين بعض الجُمل والمفردات والتعبيرات الأدبية والسياقات اللغوية وكذلك فى المضمون الكلى بين نشيد أخناتون ومزمور النبى داود المشار إليه. وتصوَّر بعض الباحثين والعلماء أن مزمور نبى الله داود قد تأثر إلى حد كبير بنشيد أخناتون إلى ربه آتون، رُغم طول الفترة الزمنية التى تفصل بين النشيد والمزمور؛ فقد عاش المَلك أخناتون (وليس النبى كما يدَّعى بعض الهواة وبعض الباحثين) فى القرن الرابع عشر قبل ميلاد سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا سيدنا محمد أفضل الصلاة وأتم السلام، فى حين عاش نبى الله سيدنا داود عليه السلام فى القرن العاشر قبل الميلاد. وقد رأى بعض العلماء أن الأمر مجرد توارد خواطر ليس إلّا؛ ففى النصين اللغويين يناجى المَلك أخناتون ربه آتون ويناجى النبى داود الله سبحانه وتعالى. ومن هنا جاء التقارب والاتفاق فى ذكر وتعديد نِعَم الرب وأفضاله وآلائه. ويمثل نشيد أخناتون أدبًا رفيعًا ضمن عيون الأدب العالمى؛ حيث يمتاز النشيد بروعة البلاغة وسلامة العبارة وسلاسة اللغة وروعة التعبير وحُسن السياق وتواصله وتوافقه. وهناك النشيد الكبير لآتون والنشيد الصغير لآتون. وتم نقشهما على جدران بعض المقابر من رجال حاشية أخناتون فى عاصمته فى تل العمارنة. غير أن النسخة الكاملة من النشيد جاءت إلينا من مقبرة «آى». ويشير النشيدان إلى قدرة الرب آتون فى خَلق الكون والبشر والكائنات جميعًا، دون ذِكر لأى معبود آخر فى الخَلق، باعتبار رب أخناتون الإله آتون هو الخالق الأعظم. ومن أجواء النشيد، نذكر ما يلى:
«أنت تطلع ببهاء فى أفق السماء،
يا آتون الحى،(يا) بداية الحياة،
عندما تبزغ فى الأفق الشرقى،
تملأ كل البلاد بجمالك،
أنت جميل، عظيم متلألئ،
وتعلو فوق كل بلد،
وتحيط أشعتك بالأراضى كلها التى خَلقتها،
لأنك أنت «رع» وتصل إلى نهايتها،
وتخضعها لابنك المحبوب،
ورُغم أنك بعيد؛
فإن أشعتك على الأرض،
ورُغم أنك أمام أعينهم؛
فلا يعرف أحد خطوات سيرك».
نهاية دولة أخناتون
لم يبقَ من عصر العمارنة إلّا أصداء العمارنة التى لانزال نراها ماثلة أمامنا كذكرى على حُكم لم يعمر سياسيّا طويلًا غير أنه ترك آثارًا تشهد على أهمية الفترة دينيّا وفنيّا ولغويّا وأدبيّا. ويكفى أن نلقى نظرة على تمثال الجميلة نفرتيتى كى ندرك روعة الفن وصِدق الإيمان بالدعوة من قبل قِلة من بعض مؤيدى المَلك أخناتون وتوظيف الفن فى خدمة الديانة الآتونية والمَلك أخناتون وعائلته المَلكية ودعوته الدينية وفلسفته فى الحُكم ونظرته للدين والحياة؛ لأنه عصر العمارنة الفريد بكل ما له وعليه.
وفى النهاية، أقول إن دعوة أخناتون لم تكن دينية خالصة؛ وإنما كانت لأغراض سياسية أيضًا وكان الهدف منها القضاء على دولة الإله آمون وكهنته وإنهاء سيطرة دولتهم على حُكم البلاد. ومن الناحية الدينية، لم تكن دعوة أخناتون جديدة؛ وإنما جاء برب له أصول فى مصر القديمة ودفع به إلى المقدمة وصدارة المشهد الدينى فى فترة حُكمه القصيرة، وجمع بين ربه آتون وآلهة أخرى. ولم ينسَ أفراد الشعب المعبودات الأخرى التى تربُّوا على معرفتهم بها، حتى بعض أفراد أخناتون قدّموا القداسة إلى رب الموتى أوزيريس. إن كل هذا قد ساهم فى فشل دعوة أخناتون الدينية التى كانت غريبة وتقوم على الإقصاء وتخلط الأفكار والمعتقدات ببعضها البعض، وتنسى أشياء كثيرة مستقرة فى الوجدان الدينى الجمعى المصرى المتأصل عبر العصور. وعادت الحياة إلى سابق عهدها فى عهود خلفائه، مع تسرُّب بعض الأفكار الدينية الخاصة بأخناتون فى الفترات التالية. وتبقى دعوة أخناتون الدينية دعوة لم يُكتب لها النجاح والاستمرارية واختفت كما جاءت، وبقيت ذكرى على عهد أثار مصر القديمة وزلزل كيانها الدينى والسياسى والثقافى.>
* مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية