
احمد باشا
أسطورة «إسرائيل الكبرى» تسقط أمام جدار النيل
من يقترب من حدود مصر، عليه أن يقرأ جيدًا تاريخ هذه الأرض التى لم تُفتح إلا بإرادة أهلها، ولم تُكسر إلا لتنهض أقوى، هذا درس تكرر منذ الهكسوس حتى كل من توهم أن النيل سهل المنال، ومن لم يتعلمه دفع ثمنًا باهظًا من مجده وخرائطه.
تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة عن «إسرائيل الكبرى» ليست مجرد استدعاء لخرائط أسطورية، بل انعكاس مباشر لتوازنات مأزومة داخل المشهد الإسرائيلى، نتنياهو الذى يواجه محاكمات فساد، يقود حكومة هى الأكثر تطرفًا فى تاريخ إسرائيل، يتحالف فيها مع أحزاب الصهيونية الدينية مثل حزب «القوة اليهودية» بقيادة إيتمار بن غفير، وحزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش. هذه القوى تمثل المستوطنين واليمين القومى المتشدد، وترى فى أى تنازل جغرافى خيانة، وفى التوسع الإقليمى «حقًا إلهيًا» وشرطًا لتسريع قدوم المسيح المنتظر فى العقيدة اليهودية، وهى عقيدة تجد صدى قويًا لدى التيار الإنجيلى الأمريكى الذى يربط بدوره عودة المسيح الثانية بالسيطرة على «أرض الميعاد» وإشعال أحداث آخر الزمان.
بهذا الخطاب، يغازل نتنياهو هذه الكتلة المتشددة التى تمثل طوق نجاته السياسى، ويمد جسورًا عقائدية مع حلفائه فى اليمين الأمريكى، مستثمرًا إيمانهم المشترك بأسطورة الأرض الموعودة كمبرر سياسى وعسكرى، إنه لا يخاطب العالم بقدر ما يخاطب جمهوره الداخلى والخارجى المهووس بخرائط التوراة، مدركًا أن استمرار هذه الأسطورة فى الوعى الجمعى يمنحه شرعية زائفة تبقيه فى الحكم.
لكن أسطورة «إسرائيل الكبرى» التى يتكئ عليها، ليست أكثر من وهم سياسى مغطى بثوب دينى، الدراسات الأركيولوجية — ومنها أبحاث المؤرخ الإسرائيلى «إسرائيل فنكلشتاين» — أثبتت أن مملكة داود وسليمان كما ترويها التوراة لم توجد بالحدود ولا الهيمنة المزعومة، وأن ما يُقدم اليوم كمشروع توسعى ليس سوى قراءة انتقائية لنصوص دينية وظفتها الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل 1897، واستثمرتها الجماعات الدينية لإبقاء الحلم المهداوى حيًا فى المخيلة الشعبية، رغم افتقاره لأى أساس تاريخى أو واقعى.
اللافت أن تصريحاته الأخيرة فجرت ردود فعل واسعة فى داخل إسرائيل، رأت صحف مثل «هآرتس» و«معاريف» أن نتنياهو يهرب من أزماته الداخلية إلى أسطورة لا جدوى منها، فيما اعتبر سياسيون معارضون أن حديثه يضر بصورة إسرائيل عالميًا.
فى المقابل، أصدرت الفصائل الفلسطينية بيانات اعتبرت هذه التصريحات إعلانًا صريحًا عن النوايا التوسعية وإلغاءً لأى وهم حول عملية السلام، بينما شددت القاهرة على ثوابت سياستها الرافضة لأى مساس بالسيادة أو إعادة رسم الخرائط.
الأهم أن هذا الخطاب يأتى فى وقت تتراجع فيه صورة إسرائيل دوليًا ؛ مأزق حرب غزة، تزايد الانتقادات فى الأمم المتحدة، انقسام داخلى غير مسبوق بين معسكرات المجتمع، وتآكل قدرة الجيش على حسم جبهات متعددة فى وقت واحد. ومع ذلك، يتصور نتنياهو أن النفخ فى نار الأسطورة سيمنحه قبضة أقوى على الحكم، حتى لو كانت النتيجة إشعال المنطقة بأسرها.
لكن مصر، التى خبرت كل وجوه الاحتلال، تدرك أن الرد على هذه المغامرات الكلامية لا يكون بالصوت المرتفع فقط، بل بإبقاء معادلة الردع قائمة. الجيش المصرى، المصنف ضمن أقوى 15 جيشًا فى العالم، لا يحرس الحدود فحسب، بل يدير عمقًا استراتيجيًا يمتد من المتوسط حتى البحر الأحمر، وتقوم عقيدته على أن الأمن القومى يبدأ حيث يبدأ التهديد، لا حيث تنتهى الخريطة.
ومن يقرأ التاريخ يعرف أن مصر لم تتعامل مع الغزاة يومًا على أنهم واقع لا يُكسر، بل على أنهم موجة ستنكسر، من رمسيس فى قادش، إلى عبور أكتوبر 1973، ظل النيل هو الجدار الذى تتحطم عنده أوهام القوة.
نتنياهو، فى نهاية المطاف، يبيع لجمهوره المتشدد أسطورة يعلم قبل غيره أنها غير قابلة للتحقق، لكنه يراهن على أن مجرد ترديدها يكسبه وقتًا فى الحكم، غير أن الرسالة من القاهرة باقية: هنا، على ضفاف النيل، تنتهى الخرائط المرسومة فى الخيال، وتبدأ الحقيقة التى لا يستطيع تاريخك أو جيشك أو أساطيرك التوراتية احتمالها، فمصر كانت وستبقى مقبرة أوهام الغزاة.