الرابحون والخاسرون من أزمة كوريا الجنوبية هل باعت واشنطن حليفها فى الشرق الأقصى؟

مروة الوجيه
أزمة سياسية حادة تعصف بكوريا الجنوبية فى ظل ضغوط متزايدة على الرئيس يون سوك يول للتنحى عن منصبه عقب إعلانه المفاجئ عن فرض الأحكام العرفية التى تراجع عنها بعد ساعات فقط من إعلانه، لكن آثارها ما زالت تطل بظلالها على المنطقة ككل وليس داخل سول فقط.. فى الوقت نفسه تأتى تصريحات وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن تحمل العديد من علامات الاستفهام حول أزمة حليفها الأقوى، ليعلن أن واشنطن تراقب الوضع فى سول عن كثب وما تسعى إليه الولايات المتحدة هو « سير العملية السياسية بشكل سلمى ووفقًا للقانون» فهل تراجعت واشنطن عن حليفها؟ وهل بالفعل لم تكن الإدارة الأمريكية على دراية بهذه الأزمة «كالعادة»؟ أم أن اشتعال المنطقة هو خطة جديدة قد تحمل فى طياتها الكثير ليصب فى مصلحة أطراف أخرى؟
الانتقال السلمى
قال وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن لـ«رويترز»، عقب اشتعال الأزمة فى عاصمة كوريا الجنوبية سول، إن بلاده لم تكن على دراية مسبقة بنية يون سوك يول رئيس كوريا الجنوبية إعلان الأحكام العرفية، مضيفًا أنه يتوقع التحدث مع نظيره الكورى الجنوبى فى الأيام المقبلة.
وقال بلينكن، فى مقابلة مع «رويترز»، فى بروكسل على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسى (الناتو)، إنه من المهم سير العملية من الآن فصاعدًا سلميًا ووفقًا لحكم القانون فى كوريا الجنوبية.
وأضاف: «الديمقراطية فى كوريا الجنوبية هى واحدة من الأقوى فى العالم كله. من المهم جدًا حسم أى نزاعات أو خلافات أو خلافات سياسية سلميًا، ووفقًا لحكم القانون. هذا ما نراه الآن. المهم جدًا هنا هو المحافظة على ذلك».
وقال بلينكن إن واشنطن لم تطّلع سلفًا على قرار رئيس كوريا الجنوبية!.
وأضاف: «هذا صحيح، لم نكن على دراية»، واعترض على أى تلميح إلى وجود تقصير من أجهزة استخبارات أمريكية مؤكدًا أنه لا يتم «بالطبع إبلاغ الإدارة الأمريكية روتينيًا بكل قرار يتخذه أى شريك لنا فى أى مكان فى العالم فى أى وقت»!!
أزمة كوريا الجنوبية أثارت قلقًا دوليًا إذ إنها فى بلد يتمتع بالديمقراطية منذ الثمانينيات وحليف للولايات المتحدة ومن أقوى اقتصادات آسيا. وهناك 28500 جندى أمريكى موجودون فى كوريا الجنوبية.
وفق شبكة CNN الأمريكية، فإن التطورات الصادمة فى سول باغتت واشنطن، وهو واقع مثير للقلق بالنسبة للجيش الأمريكى، الذى يحتفظ بنحو 30 ألف جندى فى كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى أكبر قاعدة له فى الخارج، للردع ضد كوريا الشمالية وللوقوف كقوة مضادة للصين فى منطقة استراتيجية بالغة الأهمية.
تلك الاضطرابات قد تحمل تداعيات كبيرة فى وقت تتعمق فيه الانقسامات الجيوسياسية فى آسيا، حيث تعزز كل من كوريا الشمالية والصين تحالفاتهما مع روسيا التى تخوض حربًا ضد أوكرانيا.
فى ظل تلك الأحداث، أعرب متحدث باسم مجلس الأمن القومى الأمريكى عن «الارتياح» بعد تراجع يون عن قراره، مؤكدًا أن «الديمقراطية هى الأساس» فى التحالف الأمريكى-الكورى الجنوبى.
رغم تأكيدات أمريكية بأن التحالف بين واشنطن وسول «راسخ كالصخر»، يرى المراقبون أن خطوة يون المفاجئة قد تلقى بظلال من الشك على الشراكة، وتضعف تنامى التعاون بين اليابان وكوريا الجنوبية.
وقد أشار خبراء إلى أن هذه الخطوة تضيف عنصرًا آخر من عدم اليقين قبيل عودة الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، المعروف بتشكيكه فى الترتيبات المالية بين أمريكا وكوريا الجنوبية بشأن استضافة القوات الأمريكية.
تهديد استقرار قبل تنصيب ترامب
وفق تحليلات الصحف الأمريكية لموقف واشنطن، يرى خبراء أن عدم استقرار فى كوريا الجنوبية له تداعيات كبرى على سياسة واشنطن فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ.
ويوضح العقيد الأمريكى المتقاعد سيدريك لايتون لشبكة CNN أن القوات الأمريكية جاهزة دائمًا لـ«القتال» ضد كوريا الشمالية. مؤكدًا أن الرئيس الأمريكى جو بايدن عمل خلال فترة رئاسته على تعزيز الشراكة الأمريكية- الكورية الجنوبية، حيث التقى بالرئيس يون عدة مرات، واصفًا إياه بـ«الصديق العظيم». كما نقل بايدن «قمة الديمقراطية»، المبادرة التى أطلقها فى 2021، هذا العام إلى كوريا الجنوبية.
وقد نجح بايدن، خلال قمة كامب ديفيد عام 2023، فى تعزيز التنسيق الثلاثى بين أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان، متجاوزًا عقبات تاريخية من عدم الثقة بين الحليفين الآسيويين.
الرابحون والخاسرون
وفق خبراء، فإن إشعال المنطقة فى الشرق الآسيوى بالإضافة إلى تنامى صراعات الشرق الأوسط بعد انفجار الأوضاع فى سوريا ولبنان وقبلهما غزة، مع ترقب الوضع المتوتر فى العراق على سبيل المثال، يجعل ميراث ترامب المقبل أكثر صعوبة، وهو الأمر الذى ربما يصب فى مصلحة الرئيس الأمريكى جو بايدن وحزبه الديمقراطى بعد خسارة فادحة أصابت الحزب فى انتخابات الكونجرس ايضًا.
اما الرابحون الأكثر من هذه الأزمة ربما تكون روسيا والصين وكوريا الشمالية أيضًا، ومن المرجح أن يراقب قادة بيونج يانج وبكين وموسكو التطورات فى سول باهتمام، لما قد تحمله من تأثير على ركيزة أساسية للنفوذ الأمريكى فى المنطقة.
وتتجه الأنظار الآن إلى كوريا الشمالية، إذ تفتح التطورات الأخيرة فرصة أمام زعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون لاستغلال الفوضى.
وهو الزعيم المعروف باختياره للحظات سياسية مناسبة لإجراء اختبارات أسلحة كبرى، كما فعل بإطلاق صاروخ باليستى عابر للقارات قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية الشهر الماضى.
كما تتابع بكين وموسكو التطورات السياسية فى كوريا الجنوبية عن كثب، خاصة مع الاحتمال القائم لتغيير القيادة فى البلاد، وربما تواجه معارضة شديدة للوجود العسكرى الأمريكى فى آسيا.
إذ أظهرت الصين، بقيادة شى جين بينج، استياءً متزايدًا من تعزيز الولايات المتحدة لشراكاتها مع حلفائها فى المنطقة، فى ظل قلق واشنطن المتزايد من تهديدات بكين وتنسيقها الأمنى العميق مع موسكو.
ويقول المحاضر فى الشؤون السياسية بجامعة أكسفورد فى المملكة المتحدة، إدوارد هاويل لـCNN، وهو المختص بشؤون شبه الجزيرة الكورية: «نحن نعلم أن كوريا الشمالية تحب أن تسخر من النظام الديمقراطى فى كوريا الجنوبية كلما حدثت اضطرابات فى سول».
وتعد التطورات والإمكانات، الآن، لتغيير النظام تجعل من الصعب التنبؤ بالنتائج المترتبة على ذلك. ومن المرجح أن العلاقات بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، والتى تعارض بشدة الوجود العسكرى الأمريكى، أن تخضع لمراقبة دقيقة من جانب بكين وموسكو، اللتين تعارضان بشدة الوجود العسكرى الأمريكى فى آسيا.
ويوضح هاويل، أن الصينى شى جين بينج ومسئوليه يراقبون على وجه الخصوص بغضب كيف عززت الولايات المتحدة شراكاتها مع حلفائها فى المنطقة فى مواجهة المخاوف فى واشنطن بشأن التهديد المتزايد من جانب بكين وتعميق التنسيق الأمنى مع موسكو.
ويعتبر رئيس كوريا الجنوبية، الذى اتخذ موقفا أكثر صرامة تجاه كوريا الشمالية مقارنة بالعديد من أسلافه، شريكا قويا للولايات المتحدة عن طيب خاطر.
ورجحت حكومة يون أن نشر القوات الكورية الشمالية فى أوكرانيا قد يدفعها إلى إعادة تقييم مستوى الدعم العسكرى الذى تقدمه للبلد الذى مزقته الحرب، والذى لا تزوده مباشرة بأسلحة فتاكة.
يذكر أن فوز دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية، دفع سول إلى إعادة النظر فى إمكانية إرسال أسلحة مباشرة إلى أوكرانيا، وهو القرار الذى قد يكون له تأثير كبير على اتجاه الحرب.
ويتعين على حكومة الرئيس يون سوك يول، أن تفكر فى موقف الرئيس الأمريكى المنتخب، بينما تبحث ما إذا كانت ستغير سياستها القديمة بعدم إرسال أسلحة فتاكة إلى كييف، وفقًا لما نقلته شبكة «بلومبرغ» عن مسؤول طلب عدم كشف هويته.
ويشير خبراء إلى أن سول، أصبحت الآن أقل ميلًا لإرسال ذخائر إلى أوكرانيا، ما لم تتخذ بيونج يانج إجراءات أخرى أو ما لم يكن هناك مزيد من الوضوح بشأن كيفية تصرف ترامب بشأن أوكرانيا عندما يكمل انتقاله إلى البيت الأبيض.
كل هذا يزيد من المخاطر الدولية فى اللحظة السياسية الحالية، أيا كانت نتيجتها بالنسبة ليون، وفقا لهويل. وأضاف: «فى الوقت الذى اكتسبت فيه مصالح كوريا الجنوبية فى حرب أوكرانيا أهمية كبيرة، نظرا لتورط كوريا الشمالية بشكل كامل، فإن تعاون سول مع حلفائها لا يمكن أن يعوقه الانقسام الداخلى»