
هاني لبيب
ما لم يُكتب فى «روزاليوسف».. غير ذى أهمية.. 100 سنة من شغف الكتابة وسحرها فى الفن والنقد والإبداع!
فى تاريخ الصحافة، تمثل مجلة «روزاليوسف» واحدة من أهم المجلات الثقافية والفنية والفكرية فى مصر والمنطقة العربية؛ حيث قامت بدور محورى فى ترسيخ الوعى بالفن والفكر منذ أسّستها الراحلة العظيمة السيدة فاطمة اليوسف. وبسبب قناعاتها برسالتها التى تقوم بها وإيمانها بدورها؛ أصبحت مجلة «روزاليوسف» مظلة لجميع الفنانين والمبدعين مثلما كانت للمثقفين والمفكرين والسياسيين.
وقد تميزت على مدار 100 سنة منذ إصدارها على تبنّى قضايا الفن، وكانت دائمًا خط الدفاع الأول عن حرية الإبداع بشجاعة ووطنية لقوة مصر الناعمة التى انحازت لها مجلة «روزاليوسف» طيلة تاريخها دون استثناء أو تراجُع أو تخاذُل.
رموز وعظماء..
صدر إلى الآن على مدار الـ 100 سنة أكثر من 5000 عدد منها. وظلت السمة الأساسية.. تمسّك السياسات التحريرية للمجلة بدعم الفن والانتصار لحرية الإبداع. وهى السياسة التى ظلت كمبدأ حاكم بداية من فاطمة اليوسف وإحسان عبدالقدوس ومحمد التابعى وأحمد حمروش وأحمد فؤاد وأحمد بهاءالدين وكامل زهيرى وعبدالرحمن الشرقاوى وفتحى غانم وصلاح حافظ ومحمود التهامى، ومرورًا بعادل حمودة ومحمد عبدالمنعم وكرم جبر وعبدالله كمال، وصولًا إلى محمد جمال الدين وأسامة سلامة وعبدالصادق الشوربجى وعصام عبدالعزيز وإبراهيم خليل وهانى عبدالله. وحاليًا مع هبة صادق وأحمد الطاهرى.
طيلة هذه السنوات وكل تلك الأعداد.. لم تتغير «روزاليوسف» رغم كل المتغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية التى مَرّ بها المجتمع المصرى. بدأت كمجلة فنية بسبب حاجة المجتمع حينذاك لصحافة فنية متخصّصة ونقد حقيقى فى سبيل الارتقاء به، ولكن سرعان ما اشتبكت وتقاطعت مع الحياة الثقافية والسياسية المصرية.
فن وإبداع..
اهتمت مجلة «روزاليوسف» منذ بداياتها بالتوعية بمختلف أشكال الإبداع، بداية من المسرح والسينما، ومرورًا بالموسيقى والفنون المتنوعة، وصولًا إلى الإبداع فى القصص والروايات. على سبيل المثال:
اهتمت بسيدة الغناء العربى «أم كلثوم»، وتناولت أغانيها وحفلاتها، ومدى تأثيرها فى المشاعر الإنسانية وتشكيل تلك الحالة العاطفية التى تسيطر على كلمات أغانيها. كما تناولت المجلة حفلاتها الخارجية، وحفلاتها التى تدعم فيها المجهود الحربى؛ خصوصًا بعد نكسة يونيو 67. وكان للعندليب الأسمر «عبدالحليم حافظ» مساحة معتبرة لتغطية إبداعاته الغنائية والفنية.. التى كانت بمثابة تجسيد لمشاعر الشباب وأحلامهم وطموحاتهم.
وللمجلة أيضًا؛ موقف داعم للعديد من المواهب الفنية منذ ظهورها.. مثلما حدث مع الفنانة المبدعة «سعاد حسنى»، وتناول طريقة تمثيلها وأسلوبها وأدائها الفنى التى استطاعت فيه تجسيد طموحات وتحديات المرأة فى المجتمع.. مما جعلها تسهم فى تغيير الصورة التقليدية والنمطية لها فى السينما.
ساندت «روزاليوسف» المواقف الشجاعة للفنان «عادل إمام» فى أفلامه وأعماله المناهضة للتطرف والإرهاب. كما ساندت الفنان «نور الشريف» والمخرج «عاطف الطيب» فى فيلمهما عن حياة رسام الكاريكاتير الفلسطينى «ناجى العلى» ضد الهجمة الشرسة عليه، ومحاولة منع عرضه. ووقفت «روزاليوسف» مع المواهب الشابة الجديدة فى الأفلام الكوميدية التى قام ببطولتها كل من: أشرف عبدالباقى ومحمد هنيدى، وعلاء ولى الدين، وأحمد آدم ومحمد سعد، ودافعت عنهم ضد هجوم العديد من النقاد عليهم.
كما دعمت «روزاليوسف» أفكار الأعمال السينمائية للمخرج الكبير «يوسف شاهين»، وكان له نصيبٌ كبيرٌ فى الكتابة عنه وتسليط الضوء عليه منذ بداياته فيما يتعلق برؤيته الفنية وأسلوبه فى توظيف أعماله السينمائية فى التمرد على المحظورات المجتمعية والتابوهات والقوالب التقليدية، والدفاع عن جميع محاولات الرقابة على أعماله ورفض المطالبة بمصادرتها؛ دفاعًا عن حرية الفن.
تميزت «روزاليوسف» بأخبارها الحصرية ومقالاتها عن كواليس الفن والفنانين والمسرحيات والأفلام السينمائية. واستطاعت «مجلة روزاليوسف» أن تمنح الفن مكانته المقدرة لدرجة حرص غالبية الفنانين على نشر أخبارهم وصورهم فيها.. مما جعلها مرجعًا تاريخيًا ونقديًا مُهمًا فيما يتعلق بالسينما والمسرح سواء بالكتابة عن نصوصها أو معالجتها الفنية.
شعراء «روزاليوسف» وأدباؤها..
واهتمت «روزاليوسف» بالشعراء مثل: صلاح جاهين وأحمد عبدالمعطى حجازى. كما اهتمت بالأدباء، وكان فى مقدمتهم أديب نوبل «نجيب محفوظ»، الذى تناولت أعماله بشكل موسع؛ خصوصًا «أولاد حارتنا» و«الثلاثية»؛ حيث قدمت تحليلات عميقة لدلالات شخصيات وأفكار رواياته. بالإضافة إلى العديد من الحوارات والمقابلات التى أجريت معه.. مما أسهم فى تسليط الضوء مبكرًا على أفكاره وإبداعاته الأدبية قبل حصوله على جائزة نوبل فى الآداب. وتناولت المجلة أيضًا، أعمال توفيق الحكيم المسرحية، واستخدامه للمسرح.. كوسيلة للتعبير عن القضايا السياسية والمجتمعية. كما تناولت أيضًا أعمال يوسف أدريس الأدبية، وما حملته من أفكار سياسية وفلسفية ذات دلالة.
ضد المصادَرة..
تفاعلت «روزاليوسف» مع القضايا الفنية والسياسية والاجتماعية، وقامت بدور كبير فى تناوُل تأثير ثورة يوليو 52 على الفن. ونشرت العديد من المقالات التى تؤرخ لمدى إلهام الثورة لإنتاج أعمال إبداعية (أفلام ومسرحيات) تعكس الواقع السياسى والفكرى والمجتمعى الجديد. كما واجهت من جانب آخر، جميع أشكال المصادَرة والرقابة.
قامت مجلة «روزاليوسف» بلعب دور حيوى مهم فى دعم حرية الفن والإبداع.. كمناصرة للقضايا الفنية والفكرية. ولذا قامت بأدوار متعددة فى التصدى للرقابة على الأفلام السينمائية؛ خصوصًا فى فترة الخمسينيات والستينيات من خلال نشر المقالات التى تتناول الأفلام التى تعرضت للمنع بالنقد والتحليل؛ تأكيدًا لضرورة إتاحة الحرية للفن للتعبير عن الأفكار دون خوف بترسيخ مفهوم «الحرية المسئولة». وتظل مقالات «يوسف إدريس» حول حرية التفكير والرأى والتعبير والفن هى أيقونات مجلة «روزاليوسف» لكسر جميع القيود ضد الإبداع.
وكما ذكرت؛ قامت «روزاليوسف» بدور.. لم تتنازل عنه فى مساندة الفنانين والفنانات فى أوقات الأزمات؛ خصوصًا فى الأدوار الجريئة التى واجهها بعض النقاد والمجتمع بالرفض التام. وتواكب ذلك مع التسليط المستمر من المجلة على التجارب والفعاليات والمهرجانات الفنية الجديدة؛ تشجيعًا فى المزيد من إثراء الحياة الفنية. مجلة مع الجندر..
يحسب لمجلة «روزاليوسف» أنها تبنت منذ بداياتها حقوق المرأة وحريتها فى التعبير عن مشاكلها وأزماتها وتحدياتها، ويُعتبر «إحسان عبدالقدوس» من أهم رواد هذا المجال فى رواياته التى كان لها السبق فى تناولها ومناقشتها بجرأة وتوعية متميزة. وانتهجت «روزاليوسف» مواجهة ومحاربة كل ما من شأنه تقييد حرية المرأة، ونشرت على صفحاتها مئات المقالات التى تناقش صورتها فى السينما والمسرح فى انتقاد واضح وصريح لما تكرسه بعض الأعمال الفنية لصور نمطية سلبية ضد المرأة فى المجتمع. ولذا كان من الطبيعى أن يكون للمرأة إسهامات متنوعة على صفحاتها بشكل مستمر دون انقطاع.
نقطة ومن أول السطر..
مجلة «روزاليوسف» تمثل مَدرسة فنية وفكرية وسياسية.. تعتنق أقصى درجات حرية الرأى والتعبير. وهو ما جعل أبناءها ينتشرون فى غالبية وسائل الإعلام المصرية كمحترفين ومتخصّصين وخبراء.
مجلة «روزاليوسف» هى بوابة العبور لكل مفكر ومثقف وسياسى وفنان وناقد للتعبير عن أفكاره واسهاماته.. كمنبر حقيقى للدفاع عن الدولة المدنية المصرية.
مجلة «روزاليوسف» اعتمدت مبدأ العقلانية.. كمنهج للتفكير للفصل التام بين الدين والدولة؛ حفاظًا على عدم توظيف أحدهما للآخر. وعدم الربط بين الدين بما يحمله من مبادئ إنسانية ثابتة، وبين العلم بمتغيرات نظرياته ومعادلاته السريعة.
مَن لم يكتب فى مجلة «روزاليوسف»؛ لم يعرف شغف الكتابة وسحرها. وما لم تتناوله من قضايا وملفات على صفحاتها بالنقاش والتحليل والنقد؛ ليس ذا أهمية.
مجلة «روزاليوسف» هى الإبداع على الورق الذى حفظ لنا ذاكرتنا التاريخية والوطنية.
«روزاليوسف» هى مجلة دستورها (حرية الفكر والإبداع والفن).