
هاني لبيب
مصر أولا.. غزة وبيروت ودمشق وبغداد وطهران.. معالم على طريق الأجندة.. وهْم الحرب العالمية الثالثة!
لا يزال إقليم الشرق الأوسط يُعَد من أكثر المناطق تعقيدًا من جميع الجوانب السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية، ليس فقط بسبب الانقسامات الداخلية؛ ولكن أيضًا بسبب عوامل خارجية دولية متشابكة جدًا. مشاكل وأزمات وتوترات وسيناريوهات محتملة ومتوقعة للصراع فى بؤر رئيسية هى: غزة وبيروت ودمشق وبغداد، بالإضافة إلى طهران.
ورغم كل ما سبق من تحديات غير مسبوقة؛ فلا تزال القاهرة هى الشريك الأساسى فى استقرار الإقليم.. لما لها من خبرة دبلوماسية تاريخية فى المفاوضات، وما لها من تأثير بسبب مساحات الثقة مع غالبية الأطراف ذات الصلة سواء كانت عربية أو غربية، فضلًا عن أدوارها الإنسانية التى تتمسك بها، ولم تتخلَّ عنها قبل ذلك.. رغم كل الصعوبات و«العكوسات».
غزة.. تصعيد عسكرى مستمر
منذ سيطرة حركة حماس على غزة من سنة 2007 وهى تشهد صدامًا متصاعدًا مع إسرائيل، وآخرها فى 7 أكتوبر 2023 وإلى الآن. وتحوَّل الأمر إلى تصعيد عسكرى مستمر جاوز سَنة الآن، وكان أبرز مظاهر هذا التصعيد هو اغتيالات الشخصيات القيادية لحماس وحزب الله، وتنفيذ عمليات عسكرية إسرائيلية منظمة فى كل من: غزة وبيروت ودمشق وبغداد وطهران. ولا يزال السيناريو المحتمل فى غزة هو تصاعد الأعمال العسكرية، وتفاقم الأزمة الإنسانية مع تفشى الأوبئة ونقص الموارد.
ولا تزال مصر تقوم بدورها كشريك أساسى فى التفاوض لوقف إطلاق النار ومباشرة دعم الأحوال الإنسانية للشعب الفلسطينى، وتزايد فرص احتمالية تدخل المجتمع الدولى لفرض السلام من خلال سيناريو حل الدولتين.. الذى ربما يتم من خلال تبادل بعض أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة مع إسرائيل، والبداية ستكون بدولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح تحت رعاية عربية ودولية لإجراء انتخابات عامة للرئاسة الفلسطينية، وعودة قطاع غزة باعتباره جزءًا من الدولة، وليس قطاعًا منفصلًا أو مستقلًا عنها.
بيروت.. قوتها فى ضعفها
منذ اندلاع الانقسامات الداخلية والاحتجاجات الشعبية سنة 2019، والأزمات السياسية والاقتصادية من ارتفاع مستويات البطالة وأعمال العنف.. تتفاقم فى لبنان لدرجة عدم الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية إلى الآن. وهو ما جاء فى صالح زيادة رصيد حزب الله فى تعزيز قبضته على الحياة السياسية اللبنانية، ولكن جاء اغتيال حسن نصرالله ليعيد صياغة المعادلة السياسية اللبنانية.. ليعود نبيه برى للمشهد السياسى بدعم الولاية له بقوة باعتباره ممثل شيعة لبنان، وإعلان نعيم قاسم «نائب حسن نصرالله» فصل الملف اللبنانى عن الملف الفلسطينى، وهو ما سيفتح الطريق للوصول إلى استعادة التوازن بإجراء انتخابات رئاسية وإعادة الإعمار.. بتحالف من الموارنة والسُّنة والشيعة والدروز.
تحاول فرنسا وإنجلترا الآن.. لعب دور رئيسى فى مستقبل الملف اللبنانى فى شكل جديد من أشكال تقسيم أدوار الضغط الغربى والتفاوض فى هذا الإقليم المشتعل.
على مَرِّ السنوات؛ دائمًا ما قامت مصر بدور فى توحيد الفصائل اللبنانية؛ ارتكازًا على علاقتها الجيدة مع العديد من الفصائل اللبنانية. وستظل قوة لبنان فى ضعفها.. باعتبارها دولة محايدة.
دمشق.. ملعب الأطراف الخارجية
لا تزال الأحوال فى سوريا متقلبة، ولكن تراجعت مؤخرًا حدة القتال فى بعض المناطق. ويظل المأمول هو استعادة السيطرة الكاملة على البلاد، وأصبحت هناك قناعة خلال الفترة الأخيرة بأن الرئيس السورى بشار الأسد هو القوة الفاعلة على الأرض التى تستطيع استعادة تماسك الدولة السورية واستقرارها، ولا تزال المرجعية العلوية للسلطة السورية هى ضمن نقاط معادلة التوازن أمام الشيعة والانتماءات السياسية الأخرى.
لا تزال مصر على موقفها من رفض ومعارضة التدخلات الخارجية فى الشأن السورى، وتتمسك بالحلول السلمية، ودعم المبادرات الدبلوماسية.
بغداد.. مسرح التوترات الطائفية
لم تخرج العراق إلى الآن من آثار الوجود الأمريكى فى الشارع العراقى، ورغم كل الجهود للقضاء على التنظيمات والجماعات الإرهابية.. فلا يزال الاستقرار يحتاج إلى إجراءات ضخمة؛ تجنبًا لصراع طائفى متجدد.. تقوم إيران بدور رئيسى فيه. ورغم أن ما سبق يزيد من التوترات والانقسامات السياسية والمجتمعية والطائفية؛ فإنه سيظل هناك توازن مفروض حفاظًا على أمن المنطقة الخضراء «Green Zone» التى أصبحت مركز القيادة والإدارة هناك.
لا تزال مصر حريصة على علاقاتها التاريخية مع الشعب العراقى، ولا تزال تدعم الحوار بين التيارات المختلفة، بالإضافة إلى دعم كل مبادرات الإعمار والاستقرار.
طهران.. صراع إقليمى مفترض
منذ عودة الإمام الخومينى سنة 1979 من باريس بدعم الولايات المتحدة الأمريكية التى رفضت استقبال الشاه أحمد رضا بهلوى على أراضيها.. تلعب إيران دورًا محوريًا ورئيسيًا فى كل الصراعات الإقليمية للمنطقة من خلال مواليها فى لبنان والعراق وسوريا واليمن.
ترتكز السياسة الإيرانية على مخاطبة الشارع الإيرانى ومغازلة الرأى العام دون أن تخرج عن الأجندة المحددة لها فى تصدير رد فعل افتراضى.. لا يساوى بكل الأحوال الفعل الرئيسى. وذلك فى سبيل الحفاظ على الملف الإيرانى من جهة، ووجود موالين لها فى الشارع فى كل من: لبنان وسوريا والعراق واليمن من جهة أخرى.
لا تزال مصر على موقفها فى رفض تصعيد أى صراع فى الإقليم، ولا تزال متمسكة بدعوات تعزيز التفاوض والتهدئة ودعم الحوار وأمن المنطقة بين جميع الأطراف المعنية وذات الصلة، كما تسهم مصر فى جميع جهود مكافحة التطرف والإرهاب فى ظل تصاعد عسكرى محتمل.
الحياد الأمريكى..
الساحة مفتوحة لإسرائيل لكى يقوم بنيامين نتنياهو «رئيس وزرائها» بكل التصرفات والإجراءات والضغوط من خلال سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض لتحقيق مكاسب.. وهى المكاسب التى لم يستطع الحصول عليها منذ سنوات طويلة، وهى بالنسبة له فرصة للحصول على تأييد السياسة الأمريكية بحزبيها الديمقراطى والجمهورى حتى الوصول لانتخاب رئيس أمريكى جديد.
وأذَكِّر هنا بملاحظة مهمة؛ أنه فى ظل كل تلك الصراعات والأحداث.. سيظل هناك خط أحمر لن يتجاوزه جميع الأطراف حتى الانتخابات الأمريكية على أقل تقدير، وهو عدم ضرب أى مناطق استراتيجية وحيوية إيرانية؛ خصوصًا مصافى وخطوط أنابيب البترول، حتى لا يكون رد الفعل الإيرانى مساويًا له فى القوة ومضاد للاتجاه الآخر، فلن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية.. «فاتورة» ارتفاع أسعار البترول والطاقة قبل الانتخابات بكل الأحوال. كما أن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع نظام ولاية الفقيه هو الأساس فى جميع مواقف وأفعال الحرس الثورى الإيرانى.
نقطة ومن أول السطر..
تتداخل الأزمات السياسية فى اشتباك وتداخل مع التحديات الاقتصادية لدول الإقليم. وهو ما يجعل اختيار سيناريوهات الحلول المتوقعة وتصعيدها لحيز التنفيذ.. سيكون له تأثير على أمن المنطقة واستقراراها دوليًا.
ولا تزال قوة مصر وثباتها أحد أهم عناصر معادلة الاستقرار فى المنطقة، وهو ما يساعد على الإسهام فى تخفيف حدة النزاعات وتصاعد الصراعات فى سبيل تعزيز فرص السلام وفرضها بالتعاون مع الدول المعنية والمنظمات الدولية ذات التأثير الحقيقى.
إنها حالة عدم اليقين.. فى ظل عدم القراءة والفهم لأجندات محددة سلفًا بدقة.