
نبيل عمر
حكايات من الشارع عن المعيشة والأسعار!
هذه حكايات يومية من أفواه الناس، أشبه برسالة مباشرة إلى الحكومة، ليست رسالة عتاب أو لوم، إنما رسالة «شرح حال»، لكى تفهم الحكومة ما الذى يشغل بال الناس وكيف يعيشون، وهذا حقهم، لأن وظيفة الحكومة أن تدير حياتهم وترعى شئونهم، لكن ليس بطريقة الأب المسئول عن رعاية أولاده، فهذا يصلح فى أسرة، ولا ينفع فى دولة، فالدولة مسئولياتها متشعبة ومعقدة داخليا وخارجيا، والرعاية فى الدولة هى وضع النظام الذى يحكم حركة الناس وأنشطتهم، بقوانين ولوائح وإجراءات وأساليب يلتزم بهما الجميع وتطبقها الدولة بعدالة وشفافية وانضباط تام، نظام يتيح للناس فرصا متكافئة فى التعليم والعمل والعلاج والسكن والزراعة والتصنيع والتجارة.. إلخ.
كل مواطن يجتهد فيها ويجنى حسب إمكاناته وقدراته وجديته وعمله، على أن توفر الدولة «وسائل حماية» نسبية لمن حرمتهم الظروف من التمتع بقدرات جيدة، فى شكل دعم أو إعانات أو خدمات مجانية.. إلخ، مع فرض رقابة صارمة على أداء النظام، حتى لا يفسده «النهابون واللصوص والمرتشون والمحتكرون والصائدون فى الماء العكر..الخ»!
ولا تستطيع الحكومة أن تتنصل بأى أعذار من وظيفتها فى حماية الناس، خاصة من الذين يتحايلون على النظام ويصعبون «الحياة اليومية» عليهم، وهذه هى المهمة الأهم للحكومة، ومن صلب الأمن القومى للدولة..
- 1 -
جلس على المقهى مكتوما كأنه فقد عزيزا وعاد لتوه من جنازته، هو موظف كبير على المعاش، معاشه الشهرى يتجاوز عشرة آلاف جنيه بقليل، يسكن فى حى شعبى من أحياء الطبقة المتوسطة، فى شقة تمليك من التسعينيات، اشتراها من الحكومة بالتقسيط أيام ما كان التمليك متاحا ولا يعرف رقم المليون الجنيه، ولا حتى رقم المئة ألف جنيه، وكان الجنيه أيامها «صالبا» طوله أمام العملات الأجنبية، وإذا نخ أو طأطأ رأسه، كان يفقد بضعة قروش كل بضعة شهور، وشقته التمليك هى التى سهلت عليه حياته مع زوجته، وتتيح له أن يداعب أحفاده من بنتيه بهدايا رخيصة عند زيارته فى الجمعة الأولى من كل شهر.
ألححت عليه، قال: أحفادى كانوا عندى، وبينما نضحك سألتهم ونحن نضحك سويا: نفسكم فى إيه؟، قالوا: شربة «سى فود»!
رفعت سماعة التليفون، طلبت أربع علب شوربة ونصف كيلو سمك مكرونة من محل أعرفه، وآخر مرة اشتريت منه قبل شهور كانت الشورية بثمانين جنيها، رحت بنفسى إلى المحل القريب، بدل ما أدفع أجرة التوصيل.. سألت: كم الحساب؟
أجاب الكاشير: 795 جنيها!
لم أصدق، كررت السؤال، قال: علبة الشوربة بـ170 جنيها، ونصف كيلو المكرونة بـ115 جنيها.
وقعت فى حيص بيص، وكدت أنسحب فى هدوء، ولم أفعل، قد يتعرض لى عمال المحل.
أخرجت من جيبى 800 جنيه، دفعتها صاغرا، فى أربع علب شوربة ونصف كيلو سمك مكرونة، لا سلطات، لا عيش، لا أرز.. هذا جنون، حاسس أنى اتسرقت، صحيح «عام» الجنيه أو غرق لا فرق، لكن كل حاجة «اتسعرت»، «ما فيش حد يقول لهم حرام»، أو جهة ترفع عنا جشع التجار!
سكت برهة ثم قال: البحر فى أرضنا والنهر ومزارع السمك والصيادون يقبضون بالجنيه، فهل سعر السمك له علاقة بالتعويم لدرجة أن كيلو البلطى، أرخص سمكة على وجه الأرض بـ90 جنيها؟، يعنى أى عائلة تشترى 2 كيلو سمك وتعمل كيلو أرز بالزيت تغرم فوق الـ200 جنيه فى وجبة غداء عادية؟
لم أرد.. وكيف لى أرد ونحن نطل على بحرين: أبيض وأحمر بطول 3200 كيلومتر، ولدينا أكبر بحيرة صناعية فى العالم، بحيرة ناصر بمساحة تزيد على خمسة آلاف كيومتر مربع، و12 بحيرة طبيعية؟
مؤكد فيه حاجة غلط.. وغلط جدا!
- 2 -
ركبت ميكروباص، وهى من عاداتى كل فترة، الميكروباص يتحرك مثل سلحفاة فى المسافة قبل ميدان رمسيس فى اتجاه شارع الجلاء، الوقت عصرا، الحر زاعق، والعرق ينز على الوجوه كأنه قادم من بئر يفيض، الصمت مستحيل، قالت سيدة لجارتها فى الكرسى خلف السائق: قزازة الزيت كيلو إلا ربع بـ70 جنيها، والبطاطس بـ25!
رد راكب خلفهما: 3 ساندويتشات فول وطعمية وبيض بـ26 جنيها..
رفع راكب صوته معترضا: «بلاش» الكلام اللى يوجع، إحنا عايشين بالعافية!
لم يسكت الركاب كأنهم لم يسمعوه، وانخرطوا فى عزف جماعى عن أسعار الطماطم والباذنجان والجبن واللبن والخضراوات والعدس والبصارة.. إلخ.
حاولت أن أخفف من حدة الوجع، وقلت ضاحكا: ولا كلمة عن اللحم.
انقطع الحوار تماما، كأنه سقط فى بئر سحيق، ثم قال أحدهم بحدة: يا أستاذ..أنت تهزر، الكيلو فوق الـ400 جنيه، محلات جزارة كثيرة قفلت من قلة الزبائن، أضحية العيد الكبير قلت بنسبة 50 %..
هنا نزلت فى ميدان رمسيس..
نسيت أقول لكم أن أجرة الميكروباص زادت نصف جنيه، فى 14 راكبا، يعنى 7 جنيهات، المسافة يمكن أن تستهلك لترا ونصف اللتر من السولار، يعنى تقريبا جنيها ونصف الجنيه أو جنيهين ونصف الجنيه مع الحركة البطيئة زيادة فى تكاليف التشغيل، جمعها السائق سبعة جنيهات على الأقل فى «الدور الواحد».
- 3 -
فى كافيه على نيل أغاخان بشبرا، جلسنا نستعيد ذكريات وأحداثًا وحكايات، هو شخصية مرموقة، يشغل منصبا رفيعا فى مؤسسة عامة، وشىء طبيعى جدا، ألا يخلو كلامنا من المعيشة وأحوال الأولاد واحتمالات المستقبل..
فجأة ابتسم، وضحك ثم قهقه حتى دمعت عنياه، دخلنا فيه شمال، كيف ينفرد بالضحك دوننا، لم يتوقف، نظرنا إليه وضحكنا، فالضحك عدوى، هدأت ضحكته ثم سأل: هل تعرفون كم يبلغ مرتبى بالدولار؟
لكزه أحدنا فى صدره: هذه أسخف نكتة سمعتها فى حياتى..أفق.. أنت لا تعيش فى نيويورك!
قال: والله أتحدث جادا.
صاحبنا يحصل على الحد الأقصى للمرتبات، 42 ألف جنيه شهريا، فقال: أقل من ألف دولار، تحديدا 854 دولارا الآن.
ضربنا أيدينا فى بعضها عجبا: وماذا نفهم من ذلك؟
قال: كانت تساوى 4700 دولار تقريبا قبل عشر سنوات.
فى هذا الوقت كان والدى يدخر ما يزيد على 400 ألف جنيه على هيئة شهادات بنكية، كانت قيمتها تزيد على أربعين آلف دولار، الآن لا تساوى أكثر من ثمانية آلاف دولار!..هذه الأرقام تراقصت أمام عقلى فجأة، فلم أجد أمامى إلا القهقهة والسخرية..
ثم قال: ابنى موظف حكومة فى مكان جيد، متخرج من ست سنوات، مرتبه عشرة آلاف جنيه تقريبا، يعنى مائتى دولار تقريبا، ولماذا أحسبها بالدولار، لأننا نستورد معظم احتياجاتنا من الخارج، هو خاطب وعلى وش جواز، أجهزة كهربائية وأشياء كثيرة مطلوبة أسعارها نار، لكن كلها كم شهر وآخذ مكافأة نهاية الخدمة، وأحمد الله أننا حجزنا له شقة من الإسكان المتوسط، هو لم يستلمها بعد، ويارب لا ترفع الحكومة سعرها، هو حاجزها من أربع سنوات يعنى قبل التعويم الأخير!
وختم كلامه: لا أعرف دولة فى العالم اتبعت روشتة البنك الدولى أو صندوق النقد وتجاوزت أزماتها، ربما العكس هو الصحيح!
- 4 -
قال لى صديق فى مكالمة تليفونية: يخيل لى أن التجار أعلنوا حرب الجيل الرابع على المصريين، كل واحد يضع السعر الذى يعجبه، يعنى ممكن تلاقى السلعة نفسها بأكثر من سعر، ربما حسب شكل السوبر ماركت أو المحل، كنت أتصور أن بيان البنك المركزى قبل فترة عن ارتفاع الاحتياطى الدولارى هو نبوءة بأن الأسعار سوف تنخفض، إلا أنها تعاندنا وتخرج لنا ألسنتها، نفهم أن رفع أسعار منتجات البترول الأخير له تأثير، لكن عجلة الأسعار تجرى بسرعة جنونية كأنها فى «سوق حر»، بلا قيود، كل تاجر وشاطرته، وفى مجتمع يمكن وصفه بأنه «صيد سهل» للتجار»، فالطلب دائم وكبير طول الوقت على السلع، فنحن أعداد هائلة من المستهلكين، وفى المقابل تجار ومستوردون حريصون بكل جبروت على أن يكون »المعروض» أقل، فاكر فيلم «الفتوة» لفريد شوقى وزكى رستم، عن التاجر الذى يخزن الفاكهة أو يعطنها ولا يخفض سعرها، والفيلم من الخمسينيات، يعنى خلل العلاقة بين المواطن والسوق والحكومة قديم جدا، ولم يصلحه احد، كما لو أن الحكومات المتلاحقة عاجزة عن أداء مهمتها فى مواجهة الجشع والاحتكار، وعلى فكرة ليس «الأوفر برايس أى الزيادة الإضافية فى السعر» خاصة بالسيارات فقط، بل امتدت إلى بعض السلع المعمرة الأخرى مثل التكييفات.
- 5 -
انتهت تلك الحكايات، لكن لم ينته دور الحكومة، وإذا أدت مهمتها بجدية وكفاءة فلن نسمع هذا النوع من الحكايات الموجعة!..>