
نبيل عمر
30 يونيو.. سؤال خبيث وتفاصيل حاسمة!
استفزنى سؤال خبيث على لسان شخص، لا يستطيع أن يفرق بين أزمة اقتصادية نعيشها الآن و«مأزق وجودى» كان يمكن أن ننحشر فيه ونختنق: هل ما زلت حقًا تحتفل بـ30 يونيو؟
أجبت: نعم.. ولو عاد الزمن سأخرج إلى الشارع ولن أغادره قبل أن يرحل الإخوان عن حكم مصر؟
لم يسكت وارتسمت ابتسامة صفراء على شفتيه: يعنى مبسوط من غلاء الأسعار وانقطاع الكهرباء وغيرها من المشكلات؟
قلت له بحدة: أزمات قد تطول وسوف نحلها فى سنة أو ثلاث، لكن حكم الإخوان كان قطيعة مع المستقبل، وطن على حافة حرب أهلية يتفتت، ويتحول مواطنوه المسلمون إلى رعية، ومواطنوه المسيحيون إلى أهل ذمة، 30 يونيو حافظت على الوطن مهما حدث له من أزمات وأوجاع، وعمومًا مصر مجتمع أزمات متصلة منذ أطلت مصر على عصرها الحديث، وسنوات الراحة النسبية فيها قليلة، فهى لم تتمكن من كسر حلقة التخلف المعلقة فى عقلها نهائيًا، لتنتقل من طابور المجتمعات المأزومة إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.
نعم أحوالنا صعبة.. وأتصور أنها مفترق طرق، يدفعنا بالضرورة إلى تفكير شامل فى حلول مستدامة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. تركنى صاحب السؤال وهو يكظم غيظه.. فعدت إلى أوراقى الخاصة عن 30 يونيو 2013 أقلب فيها.
-1-
فى صباح الأحد 30 يونيو بدت شوارع القاهرة شبه خالية، الشمس تشع صهدًا فى السماء، المحال مغلقة، نوافذ البيوت والبلكونات مرفوع عليها أعلام مصر ولافتات تشى بما يريد أصحابها «ارحل»، «يسقط يسقط حكم المرشد».
لم يذهب الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء إلى مكتبه فى ذلك اليوم، مع أنه نزل من بيته فجرًا، إذ أخذ موكبه الرسمى فى جولة تفقدية بالقاهرة: ميدان التحرير، ميدان مصطفى محمود، ميدان رمسيس، محيط قصر الاتحادية، راجع فيها إجراءات الأمن وحماية المنشآت، قبل أن يستقر فى مبنى وزارة الاستثمار الملاصق لأرض المعارض فى شارع صلاح سالم.
وأيضًا لم يذهب عدد من الوزراء إلى مكاتبهم، خاصة وزراء التعليم والتعليم العالى والأوقاف والصحة، فهى وزارات تقع بالقرب من منطقة العمليات «ميدان التحرير».
-2 -
لم يفلح قرار وزارة المالية بصرف معاشات يوليو بالعلاوة الجديدة فى تحريض ما يقرب من تسعة ملايين مواطن على النزول صباحًا إلى مكاتب البريد لاستلام المعاش، توقعوا أن أغلب الموظفين لن يذهبوا إلى أعمالهم، وهذا ما حدث إلى حد كبير، فبدت المكاتب الحكومية مهجورة، ليس فى القاهرة فقط وإنما فى كل محافظات مصر، ولم تتجاوز نسبة الحضور 40 % إلا فى دمياط فقط، تضاعفت فيها هذه النسبة، ودارت حول 10 ٪ فى المنوفية والدقهلية، وكانت صفرًا فى البحيرة وسوهاج وأسيوط وكفر الشيخ وبنى سويف وإسماعيلية.
واختفت طوابير السيارات أمام محطات الوقود لأول مرة منذ شهور، فمن الذى يغامر بسيارته فى وقت تتجمع فيه رياح الثورة لتهب على وطن محتقن؟
وبالرغم من حرارة الجو إلا أن بعض المناطق أعلنت تمردها مبكرًا، فى الثامنة صباحًا، مثل مدينة الشهداء بالمنوفية والزقازيق بالشرقية، وهتفت النساء: صوت المرأة ثورة وليس عورة.
أما فى قرية كفر الترعة القديم بمحافظة الدقهلية، وهى مسقط رأس خيرت الشاطر نائب المرشد العام والرجل الحديدى فى التنظيم، فقد خرج أهلها يحملون صورًا أربع لخيرت ومحمد بديع، ومحمد مرسى وعصام العريان، وعليها علامات إكس حمراء بطول كل صورة.
-3 -
على منتصف النهار خرج أهالى قرية دفرة، مركز طنطا بالغربية، وقطعوا الطريق الزراعى القاهرة - الإسكندرية فى الاتجاهين بالحجارة الضخمة، وهو نفس ما فعله أهالى قرية طوخ طنبشا الواقعة بين مدينتى قويسنا وبركة السبع، وتكرر الشيء نفسه على طريق دمياط المنصورة، وطريق الصعيد الزراعى فى أكثر من منطقة.
لم ينتظر أهل أسيوط هدأة الشمس، وملأوا الشوارع بعد الظهيرة بأعلام مصر بداخلها الهلال والصليب، لكن أنصار الجماعة لم يتركوهم واعتلوا أسطح العمارات المواجهة لمبنى محافظة أسيوط وأطلقوا أعيرة نارية وخرطوش، فسقط أول شهداء أسيوط «أبانوب عادل»، وبعده محمد عبد الحميد، ولم يتخل المتظاهرون عن الميدان وأصروا على البقاء وهتفوا: لو أبو الهول ساب مصر إحنا مش حنسيبها.
- 4 -
بعد ساعات انحرفت الشمس ناحية الغرب، فراحت ملايين الأقدام تهرول إلى الشوارع على امتداد البلاد من أسوان إلى مطروح، وتتجمع فى مسيرات بالميادين الرئيسية.
وفى القرى والنجوع أخذ الناس يلفون فى الحارات والأزقة، ثم يقفون على الزراعيات، منهم بسطاء لم يسبق أن خرج أحدهم فى مظاهرة أو حتى خطرت على باله، كانوا أول مرة فى حياتهم يتجمعون ويهتفون معًا: إدى للى ظلمك ميت شلوت.. مصر حترجع بنت بنوت، كدابين كدابين.. ضحكوا علينا باسم الدِّين.
كان قضاة مصر قد بدأوا اعتصامًا أمام دار القضاء العالى، ووقفوا يحيطهم الجلال فى مدخل الدار المهيبة، ويقولون لشعبهم إن مؤسسة العدالة جزء منهم تشاركهم فى إزالة الغمة التى حاقت بهم تحت وطأة الاضطراب والارتباك والمخاوف، وعلى مقربة من القضاء تجمع مئات الصحفيين يتراصون معًا فى شارع عبد الخالق ثروت، يهتفون ويتهيأون للتحرك إلى ميدان التحرير.
على الجانب الآخر من نهر النيل أمام وزارة الثقافة اندفع روائيون وشعراء ورسامون وموسيقيون وممثلون ومخرجون ومؤرخون ومصورون.. إلخ فى مسيرة ضخمة هبطت من ديوان وزارة الثقافة التى كانوا يعتصمون بها، رفضًا لأخونة الثقافة، إلى شارع 26 يوليو، حاملين قباقيب خشبية يدقون بها كما لو أنهم يعزفون فى أوركسترا سوناتا «الرحيل الأخير» للرئيس المغضوب عليه.
لم يختلف حال المصريين فى الإسكندرية، عنهم فى الإسماعيلية أو بورسعيد أو طنطا أو دمنهور أو السويس أو دسوق أو سوهاج أو أسوان أو مطروح.. إلخ، بل إن بعض عائلات مصرية من سكان المهندسين نزلوا وهم يحملون الكنب، دلالة على أن حزب الكنبة لن يجلس صامتًا، أما «السيد رضوان» فقد تظاهر بـ«بدلة إعدام» حمراء، فى يده الكارت الأحمر، بمثابة قرار طرد للجماعة من ملعب الحياة المصرية، و«محمد ريشة» وهو فى الستين من عمره، فقد خرج إلى شارع ولى العهد بحدائق القبة مقيدًا نفسه بسلاسل حديدية ولابسًا قناعًا عليه وجه الرئيس محمد مرسى.
هذه مجرد صور، من آلاف الصور التى عاشها المصريون تعبيرًا عن رفضهم للجماعة ومرشدها ورئيسها.
-5 -
على الضفة الأخرى من نهر 30 يونيو، كانت الجماعة غارقة فى عالم افتراضى، تصورات تصاحبها منذ تأسيسها فى عام 1928، لم تدرك أن البيئة الحاضنة لها تغيرت وانقلبت عليهم فى عامين فقط، فكتب عصام الحداد مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الدولية على صفحته بالفيسبوك بيانًا قال فى بعضه: مشهدان يتماثلان فى تجمعين، الأول فى ميدان رابعة العدوية يؤيد الرئيس، والثانى فى ميدان التحرير يعبر عن المعارضة، وبغض النظر عن الفارق الكبير فى الأعداد، حيث تزيد الأعداد فى رابعة بدرجة كبيرة فإن التجمعين يعدان تعبيرًا سلميًا عن الرأى.
يبدو من البيان أن عصام الحداد يجهل علم الإحصاء والأعداد، أو كعادة الجماعة يكذب، لكن المدهش أن البيان كان باللغة الإنجليزية، أى لم يكن يخاطب المصريين، وإنما الخواجات الذين يدعمون الجماعة وساعدوها فى الوصول لحكم مصر، ويطمئنهم بأن 30 يونيو مجرد تعبير عن الرأى وليس عملية طرد.
الرئيس محمد مرسى نفسه بالرغم من قلقه الشديد، حاول أن يتصرف طبيعيًا، صحيح هو لم يمكث فى قصر الاتحادية، وخرج إلى مقر الحرس الجمهورى ومنه إلى قصر القبة يتابع من غرفة العمليات الخاصة ثورة شعبه عليه، لكنه اعتمد الحركة الدبلوماسية للسفراء والقناصل العاملين فى الخارج كأن شيئًا لم يحدث.
وكان سبق للرئيس أن أجرى حوارًا مع جريدة الجارديان الإنجليزية برر فيه عدم استقالته وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بأن ذلك يقوض الشرعية، ولماذا يفعل؟ «فلن تكون هناك ثورة ثانية فى مصر»، «وسائل الإعلام فقط هى التى بالغت فى تقدير قوة معارضيه».
يبدو أن الجماعة هى التى نصبت لنفسها الفخ الذى وقعت فيه.. فوصفت بوابة حزب الحرية والعدالة ما يحدث بأنه «مظاهرات وهمية»، وقال الدكتور فريد إسماعيل عضو المكتب التنفيذى لحزب الحرية والعدالة إن الرئيس محمد مرسى سيستكمل مدته الرئاسية، وسنلجأ إلى العنف فى مظاهرات 30 يونيو لو حدثت محاولات لنشر الفوضى.
-6 -
نعم الشعوب أحيانًا ترتكب حماقات وتعمل حسابات خاطئة، من أول اليابان إلى الولايات المتحدة، بعضها يعيد تصحيحها وبعضها لا يفعل فتسقطه حساباته الخاطئة فى الهاوية.. ونجح المصريون فى تعديل المسار المرتبك بسرعة، ومهما كانت الأزمات التى تحيط بهم، فهم أيضًا قادرون على حلها.