
نبيل عمر
صحافة النظارة السوداء فى قفص الاتهام
فجأة سألنى بطريقة جادة فيها رنة لوم خفى، كأنه صياد كان ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض: لماذا لا يرى كثيرٌ من الكتاب والصحفيين إلا نصف الكوب الفارغ، ويهملون نصف الكوب المملوء؟
بدت علامات دهشة على ملامحى، تشى بأننى لم أفهم مقصده.
قال: أغلب مقالاتهم تميل إلى النقد والتربص والبحث عن النواقص، وهذا النوع من الكتابات لا يبث الأمل والحلم فى أفئدة الناس، ليعملوا بجد ومثابرة، فيتجاوزون أزماتهم وأيامهم الصعبة، وأحيانا تشيع هذه الكتابات بعض الإحباط، شىء صعب حقا، أن هؤلاء الكُتَّاب يسارعون إلى لعن العتمة دون إضاءة شمعة أمام مجتمعهم، لا يتحدثون عن الأداء الجيد والجهود المبذولة والإنجازات فى المشروعات العامة كاستزراع الصحراء أو نجاحات الأفراد فى مشروعات خاصة مهمة، يخيل لى أنهم يعشقون النظارات السوداء فقط!
قال: أغلب مقالاتهم تميل إلى النقد والتربص والبحث عن النواقص، وهذا النوع من الكتابات لا يبث الأمل والحلم فى أفئدة الناس، ليعملوا بجد ومثابرة، فيتجاوزون أزماتهم وأيامهم الصعبة، وأحيانا تشيع هذه الكتابات بعض الإحباط، شىء صعب حقا، أن هؤلاء الكُتَّاب يسارعون إلى لعن العتمة دون إضاءة شمعة أمام مجتمعهم، لا يتحدثون عن الأداء الجيد والجهود المبذولة والإنجازات فى المشروعات العامة كاستزراع الصحراء أو نجاحات الأفراد فى مشروعات خاصة مهمة، يخيل لى أنهم يعشقون النظارات السوداء فقط!
ضحكت.. اكتفيت بهز رأسى.. ولم أرد.
فسأل: هل توافقنى على ما قلت؟
أجبت بطريقة سينمائية كالتى سمعتها فى فيلم محمد عبدالوهاب «رصاصة فى القلب»: بالطبع لأ!
تجهم وجهه..
محدثى موظف كبير فى إحدى الوزارات التى تناولت الصحف «فساد» بعض مسئوليها الكبار فى أزمة الأسواق والأسعار الأخيرة، قابلته بالمصادفة فى «جلسة» مع أصدقاء قدامى، ولم ألتقه من قبل.
لم تعجبه إجابتى، فقال: أعرف..أنك تميل إلى هذا النوع من الكتابة!
نظرت إليه وقبل أن أتورط، حبذت النأى بنفسى عن الدخول فى جدل لا طائل منه، إلا أن بعضا من الحضور أراد قليلا من الإثارة فى الجلسة، فاستحثونى على الرد.
قلت: أنتم تخلطون بين الكاتب والمصور الفوتوغرافى، المصور يلتقط الواقع كما هو، قد يختار زاوية تبين مهاراته فى رؤية تفاصيل قد لا يراها غيره، الكاتب لا، الكاتب مثل آلة التنبيه الزاعقة التى تدق بقوة، خاصة فى دول العالم الثالث التى تبحث عن مكان تحت الشمس، وتعانى من مشكلات جمة تعوقها عن الحركة السليمة أو معرفة الاتجاه الصحيح، الكاتب طبيب مجتمعه، يشير إلى المرض، يشخصه، يحدد مخاطره ومضاعفاته حتى يفكر المجتمع فى كيفية علاجه، الكاتب لا يعنيه أعراض المرض، وإنما يعنيه الفيروس الذى يسببه، ولم يتمكن جهاز المناعة العام، من نظام عمل ومنظومة قيم ومؤسسات وقانون وأجهزة رقابة، أن يصده أو يحاصر نشاطه.
الكاتب، أو عموما الصحافة والإعلام هما زرقاء اليمامة فى أى مجتمع، عيونه الحادة القادرة على رصد المخاطر أولا بأول، وتُبَلغه بما يحدث فيه، كى يفهم ويعى ويعمل حسابه ويختار ويتحرك على بينةٍ.
فسأل احدهم: أنت تبالغ فى وصف أهمية الصحافة والإعلام، ألم تزح وسائل التواصل الاجتماعى جزءا كبيرا من مكانتهما وحلت محلهما؟
أجبت: بالمناسبة، الصحافة والإعلام هما أيضا قرون استشعار فى جهاز المناعة، وعلى العكس تماما ارتفعت قيمة دورهما كثيرا فى السنوات الأخيرة، فهما المضاد الحيوى الفعال لفيروسات «وسائل التواصل الاجتماعى»، وهى أدوات لنشر الأكاذيب والشائعات والانطباعات والأفكار المغلوطة وحروب الجيل الرابع..إلخ، ومن الخطورة أن تتقلص أدوارهما، أو لا يؤديانها بحرية وحرفية عالية، هنا يصبح وعى المجتمع أو عقله الجمعى فى مهب رياح عاتية محملة بالأتربة والملوثات والأخطار.
وعادى جدا أن تصاب أجهزة المناعة فى أى مجتمع ببعض العطب، إذا لانت قبضة القانون أو ضعفت سطوته وقوته، أو ركب على النظام العام للمجتمع أصحاب النفوذ والمصالح الشخصية أو توسعت فيه الامتيازات والاستثناءات، هنا ترتع الفيروسات وتعتل الصحة العامة للمجتمع، أى يهبط الأداء العام والكفاءة فى كل أوجه النشاط، وتتكاثر المشكلات.. والأخطر أن إحساس الناس بالعمل والجهود المبذولة لا يرتقى إلى المستوى المطلوب ولا حتى إلى مستوى الإنجازات التى تمت فعلا، وتعلو نبرة الغضب.
رد الموظف الكبير: الناس فى أى مجتمع تميل دوما إلى الشكوى بحثا عن مكاسب أكبر، مهما زادت دخولهم أو تضاعفت الخدمات أو تحسن مستواها، فالشكوى نوع من الضغط المستحب على الحكومة، أى حكومة.. يبدو أن النظارة السوداء لها شعبية.
قلت: لا نظارة سوداء ولا عدسات ملونة، الواقع أشد تاثيرا من أى كتابة أو تصوير أو كلام أو أغانى، خذوا الصحافة والإعلام الغربى مثالا، هل استطاعت تحيزاته إلى إسرائيل ودفاعه عن جرائمها ضد الإنسانية فى غزة أن يجمل واقع ما ترتكبه إسرائيل من وحشية باسم الدفاع عن النفس؟ لا يستطيع إعلام أن يجمل واقعا قبيحا، ولا يستطيع أن يهيل التراب على واقع حسن، لأن ما يعيشه الناس فى الواقع أقوى من أى كلام أو دعاية أو تشويه.
رد: إذن الإعلام ليس بالخطورة التى يدعيها لنفسه؟
قلت: أذكر عبارة رائعة للكاتب اللامع صلاح حافظ حين كتب سلسلة مقالات فى روزاليوسف عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتى، تقول إن هذا النظام سقط لأنه كان يعيش طول الوقت فى بيت من المرايا، لا يرى فيها غير نفسه، وبالحجم الذى يبغيه، وفى الضوء الذى يريده، وهى عبارة أقرب إلى فلسفة ومنهج، أى حين تفقد الصحافة والإعلام عيونهما الحادة القادرة على الرصد الصحيح بحرية، يصبحان نيرانا صديقة تضرب عقول أهلها وتحرق خلايا التفكير العلمى المنظم فيهم، فيدخل المجتمع بالتدريج فى غيبوبة دون أن يدرك، ولا فرق هنا بين أن يكون المجتمع ناميا يحاول كسر طوق التخلف، أو إمبراطورية عظمى امتلكت نصف الدنيا وملأتها ضجيجا وصخبا وسطوة وسيطرة وقوة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أوائل التسعينيات.
ويمكن أن نضرب لكم مثلا أيضا بالولايات المتحدة، حين لم تؤد الصحافة والإعلام دورهما بكفاءة وحرفية، ومشيا وراء أكاذيب الإدارة الأمريكية فى حروبها الوهمية فى أفغانستان والعراق دون إبلاغ مواطنيها بالحقائق والعورات، مددت الإمبراطورية أذرعها المسلحة فى أرجاء المعمورة وتوسعت فى عملياتها العسكرية بما يلزمها من إنفاق رهيب، أدى فى النهاية إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية نسبية داخل المجتمع الأمريكى، فلم تجلس الولايات المتحدة على عرش النظام العالمى كقوة عظمى وحيدة إلا بضع سنوات، وهاهى الصين تزاحمها اقتصاديا بقوة وتكاد تلحق بها، وهاهى روسيا وقد عادت إلى خشبة المسرح الدولى، وإن لم تصل حتى الآن إلى نفوذها السابق وتأثيرها القديم.
باختصار عاش الاتحاد السوفيتى فى بيت مرايا داخلى فانهار، وعاشت الولايات المتحدة فى بيت مرايا خارجى فتأزمت، ولولا غناها الفاحش لحدثت كوارث أكبر.
اعترض الموظف الكبير: هل نساوى بين إعلام الاتحاد السوفيتى المكبل وإعلام أمريكا الحر؟
قلت: فى هذا الوضع نعم، إعلام الاتحاد السوفيتى كان إعلام الحكومة، أى الإعلام الذى ارتمى فى أحضان الحكومة متصورا أن الحكومة بكل مستوياتها هى الدولة، بينما الدولة هى الأرض والسلطة والشعب بكل طوائفه وفئاته وأنماطه مؤيدين ومعارضين، والإعلام الأمريكى يفهم ذلك جيدا، إلا فى قضايا السياسة الخارجية وإسرائيل، فهو ينقلب إلى إعلام الإدارة الأمريكية، فهو نشر أكاذيب جورج بوش الأبن وإدارته عن أسلحة الدمار الشامل فى العراق على أنها حقائق وهو يعلم أنه يضلل شعبه، ولم يقترب من التساؤلات المنطقية التى لها لهيب قرص الشمس الحارقة، واحاطت بـ«هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على واشنطن ونيويورك»، وهى تساؤلات من داخل أمريكا نفسها تشكك فى الرواية الرسمية.
عاد الموظف الكبير إلى سؤاله الأول: لكن.. لماذا تلبسون نظارات سوداء؟
ضحكت قائلا: كنت أتصور أننى أجبت، لا يهم..إعلام الناس يعنى مساحة واسعة من الأحداث والرؤى وسوق حرة من الأفكار، حتى يتجنب المجتمع المزالق والمخاطر، وإذا لم يفعل تحدث ظاهرة «دوامة الصمت»، كما اسمتها الصحفية الألمانية وأستاذة العلوم السياسية الدكتورة إليزابيث نويمان، والدوامة أن يلوذ أفراد المجتمع الذين لا يسيرون فى ركب ما يتبناه إعلام الحكومة أو الإعلام الرسمى بالصمت تجنبا للاضطهاد، ومع دوام الحال يتكاثر الصمت العام ويفرض سلبياته، وبالطبع يستحيل على مجتمع صمتت أغلبيته أن يتقدم إلى الإمام.
قال: لكن الصحافة والإعلام يرتكبون أخطاء كثيرة بعضها مصائب؟
قلت: عوادم مهنية عادية يحكمها القانون، هل الأفضل أن نغلق الشباك فى وجه الشمس ولا نجدد الهواء أم نفتح الشباك حتى لو دخل مع الهواء النقى بعض الأتربة والحشرات، باختصار النقد بعلم ومعرفة ومنطق هو نوع من حماية المجتمع، ودفعه إلى أن يملأ نصف الكوب الفارغ.