السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. السيدة التى خلدت مجلة اسمها على غلافها.. لو لم أكن رجلاً.. لوددت أن أكون «روزاليوسف»!

مصر أولا.. السيدة التى خلدت مجلة اسمها على غلافها.. لو لم أكن رجلاً.. لوددت أن أكون «روزاليوسف»!

تمثل السيدة «روزاليوسف» أو «فاطمة اليوسف» حالة إبداعية من نوع خاص.. فهى فنانة مسرحية متميزة، ومبدعة فى حضورها، وصحفية لها إسهامات بارزة، وامرأة تحدت الجميع، وإنسانة فى دعم من حولها، ومثقفة فى تناول اهتمامات الشارع، ووطنية فى مواقفها ومعاركها.



تحدى الكتابة عن «روزاليوسف» هو الجديد فيما يمكن تسليط الضوء عليه.. وفى تقديرى أن مثل تلك الشخصيات الملهمة.. دائمًا ما تحمل الجديد الذى يكتشف مع مرور الوقت. ولا زلت أعتقد أن شخصية السيدة «روزاليوسف» تحمل العديد من الإبداعات غير المكتشفة.

 

 المتمردة

عانت «روزاليوسف» فى نشأتها ما لم يتخيله أحد، وقطعًا لا تعنى الكتابة عنها سوى شئ من التقدير لتلك التجربة.. وتظل هى وحدها صاحبة المعاناة والقسوة الحقيقية فى نشأتها وحيدة ويتيمة.. تفتقد الحب والعائلة حتى كونت شخصيتها وأسرتها وعملها ومستقبلها كما أرادت، وليس كما أراد غيرها لها.. حتى أصبحت سيرتها وتاريخها مصدر فخر واعتزاز باعتبارها تجربة غير مسبوقة. 

يتذكر الجميع السيدة القديرة «روزاليوسف» باعتبارها فنانة بارعة، ومبدعة فى صناعة الصحافة السياسية. ولم يهتم الكثيرون بها باعتبارها واحدة من أهم القيادات النسائية خلال القرن العشرين. وأنها تمثل نموذجاً لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة بعد أن تحدت وحدها منفردة العقلية الذكورية التى لم تتصور أو تقبل أن تكون «امرأة» رئيسة تحرير. ويحسب لهدى شعراوى وأم كلثوم تشجيعهما لها فى مواجهة موروثات المجتمع السلبية فى نظرتها التى حملت جميع أشكال التمييز والإقصاء والاستبعاد والتهميش والتقليل والتنمر ضدها. بل بسبب إصرارها.. ظلت «روزاليوسف» إلى الآن، وتحولت من مجرد مجلة إلى مدرسة فكرية ومؤسسة مهنية.. عبر من خلال أروقتها كبار الكتاب والصحفيين ورسامى الكاريكاتير.. حتى أصبحت البوابة الذهبية للعديد ممن تولوا مناصب قيادية مهمة ليس فى الصحافة فقط، ولكن فى قيادة مسئولية العديد من الفضائيات المتميزة.. فضلاً عن إسهاماتهم الإبداعية والصحفية. وقد ضمت تلك المدرسة الفكرية والصحفية العديد من الرموز والقامات على غرار: محمود عزمى، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف السباعى، ويوسف إدريس، وعبدالرحمن الشرقاوى، وفتحى غانم، وكامل زهيرى، وصلاح حافظ، وأحمد بهاء الدين، وصبرى موسى. ومن أشهر رسامى الكاريكاتير، كل من: خوان سنتيس، وعلى رفقى، وبروفسكى، وجرومانوس، وفريدون، والكسندر صاروخان، وعبدالسميع، ورخا، وزهدى، وصلاح جاهين، وبهجت عثمان، وجورج البهجورى.

وهكذا ظلت «روزاليوسف» مدرسة لاكتشاف مواهب كل أشكال الكتابة الصحفية، كما أصبحت تمثل هدفًا لكل صاحب قلم ولكل صاحب إسهام فكرى حقيقى.. وتدريجيًا ما تتحول إلى حالة خاصة من الارتباط والانتماء.

دعم أمير الشعراء

اختلفت الفنانة «روزاليوسف» مع يوسف وهبى.. فتركت فرقة رمسيس واعتزلت التمثيل. ومن هنا بدأت عالمها الصحفى. أصدرت مجلتها الفنية «روزاليوسف» سنة 1925، وكان أحمد شوقى «أمير الشعراء» هو أول من دعمها بتخصيص شقة بعمارته فى حى المنيرة لتكون أول مقر لمجلة «روزاليوسف».. تلك المجلة التى تحولت تدريجياً للاهتمام بعالم السياسة.. حتى استطاعت منافسة العديد من الجرائد حينها، وأصبحت لها ريادتها فى الحركة السياسية والأدبية والثقافية.

والملاحظة المهمة هنا، أن هناك تطابقًا بين حياة «روزاليوسف» الشخصية والعملية.. حتى أنها تزوجت ثلاث مرات، أولاها من الفنان محمد عبدالقدوس «والد ابنها المبدع إحسان»، ثم من زكى طليمات «رائد التمثيل المسرحى»، وأخيرًا من قاسم أمين «المحامى» الذى حمل اسم جده قاسم أمين صاحب كتاب «تحرير المرأة».

 «جندر» روزاليوسف

الغريب فى تاريخ «روزاليوسف» التى لقبت بـ «سارة برنار» الشرق، أنها أصدرت مجلة «روزاليوسف»، وهى تبلغ 27 عامًا فى تحد مباشر لمجتمع يراها كفنانة بأنها متحررة أكثر من المعتاد.. ولا يقر بحقها فى الخروج من البيت والعمل. وربما يكون هذا التحدى هو الذى مهد تركها للفن بعد أزمتها مع يوسف وهبى، وتحديها بإصدار مجلة فنية فى بدايتها.. لتتفرغ تماماً بعد ذلك لعالم السلطة الرابعة.

على مستوى الجندر «قضايا النوع الاجتماعى» وتحدى حلم المساواة بين الرجل والمرأة. تميزت «روزاليوسف» بكونها امرأة رقيقة وهادئة وخجولة وصارمة، ومثقفة ومتذوقة للأدب والشعر، وتفضل العزلة وتمتلك خيالًا حالمًا.. استطاعت من خلاله العبور من الصحافة الفنية إلى الصحافة السياسية، والتى جعلتها كمجلة من المؤثرين فى الحياة السياسية المصرية منذ إصدارها وإلى الآن.

تحدت «روزاليوسف» العالم.. لأن المتتبع لنشأتها والصعوبات التى واجهتها.. يستطيع أن يرصد بسهولة أن كل الظروف التى مرت بها.. تؤكد أنها لم تملك فى أى وقت منذ طفولتها وبداية حياتها أى مؤهلات.. تجعلها هذه الشخصية من أكثر السيدات المصريات مكانة وشهرة.

لم تستسلم «روزاليوسف»، ولم تتراجع أمام الصعوبات.. وامتلكت القدرة على تطوير أفكارها، وهو ما انعكس على مكانة مجلة «روزاليوسف».. مما منحها القدرة على البقاء والمنافسة والاستمرار. وهو ما جعلها تحتل مساحتها الخاصة ليس فقط فى الحياة السياسية المصرية بالنقد والتفاعل، بل أسهمت بشكل مباشر فى إنهاء ملكية أسرة محمد على، والتبشير بالتغيير المرتقب بقيام ثورة يوليو 52.. للدرجة التى جعلتها الأعلى صوتًا والأكثر جدلًا فيما تقدمه من مناقشة التابوهات أو المحرمات الثلاث «السياسة والدين والجنس».

ورغم انحياز مجلة «روزاليوسف» الثابت للحرية وللشعب المصرى.. فقد صودرت عبر تاريخها عشرات المرات بسبب انحيازاتها الوطنية. ودفع الكثير من كتابها حريتهم ثمنًا لآرائهم ومواقفهم.. بداية من إحسان عبدالقدوس ابن «روزاليوسف» نفسها.

لذا.. ليس من الغريب أن تكون «روزاليوسف» رائدة الصحافة النسائية، ومن أوائل الصحفيات فى الدول العربية التى أسست مجلة ما زالت تحمل اسمها إلى الآن.

لا أبالغ هنا، إن كتبت أن السيدة «روزاليوسف» هى أسطورة كفاح ونجاح وتحدٍ للواقع، ونموذج حقيقى لقدرة المرأة على إثبات نفسها وتحقيق طموحاتها فى مواجهة تحديات العقلية الذكورية المركزة على موروثات بالية.

 نقطة ومن أول السطر

«روزاليوسف» هى حلم تحقيق الذات، والأمل فى تحدى المستحيل.. آمنت بنفسها واعتقدت فى قدراتها.. رغم كونها لا تحمل أى مؤهلات أو شهادات علمية. واستحقت ذلك.. فخلّدت اسمها على مر التاريخ، وربطت اسمها بحرية الرأى والفكر والإبداع والعقلانية من جهة، ومواجهة الخزعبلات والخرافات والتكفير والمصادرة والحسبة من جهة أخرى. وهى القيم الحاكمة لمجلة «روزاليوسف» عبر تاريخها.

«روزاليوسف».. امرأة استثنائية تحدت المجتمع.. فأصبحت من أهم رموزه، وأشهر امرأة فى تاريخه، وأهم مناضلة وطنية، وصاحبة أفضل تجربة صحفية ومهنية مصرية.

«روزاليوسف» هى مدرسة إبداعية.. فنية وصحفية ووطنية وإنسانية.. ستظل محل جدل واشتباك واختلاف ومعارك خارج سياق المألوف.