
هاني لبيب
مصر أولا.. تحدى رضا حجازى فى التربية والتعليم للجمهورية الجديدة.. مناهج المواطنة.. طريق الدولة المدنية المصرية!
تداولت أخبار خلال الأيام القليلة الماضية حول اتجاه وزارة التربية والتعليم بعد تولى د. رضا حجازى مسئولية الوزارة تغيير مناهج السنة الرابعة بالمرحلة الابتدائية. وكان رد الفعل المعتاد هو الهجوم على الفكرة دون محاولة الاستفسار عن أى تفاصيل أو معلومات دقيقة عن هذه الفكرة. وهو الهجوم المكرر على كل من يتولى منصب وزير التربية والتعليم، والذى لم يسلم وزير واحد منهم أيًا كان.. من الهجوم عليه دون أى تقييم حقيقى لإيجابياته وإنجازاته أو سلبياته وإخفاقاته.. لسياساته وقراراته.
د. رضا حجازى ليس بعيدًا عن وزارة التربية والتعليم.. فخبرته الأساسية والعملية.. هى حصيلة عمل داخل أروقة الوزارة المتعددة لسنوات طويلة. وهو يعلم قبل غيره أهمية المناهج فى تشكيل وجدان الأطفال مثلما يعلم جيدًا أن المقابل لهذا الأمر هو الارتقاء بالمدرسين بالتدريب المستمر والاهتمام برفع مستواهم المادى، بالإضافة إلى مواجهة تحديات تعليمية أخرى على غرار الكثافة العددية بالفصول وتأهيل المدارس بالتجهيزات اللوجيستية اللازمة.. خاصة فيما يتعلق بالتحول الرقمى للمناهج الدراسية والاستغناء تدريجيًا عن الكتب المطبوعة.
أعتقد أنه من المفيد مثلما نحرص على تطوير المناهج العلمية على غرار الرياضيات والعلوم، وزيادة الجانب العلمى والمعرفى، أن يتواكب مع ذلك الجانب القيمى لترسيخ بعض المبادئ المهمة، وذلك بالاستفادة من الإسهامات المقترحة للتربية المدنية لتضمينها فى المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية بوجه خاص.
قرأت كثيرًا عن التربية المدنية وحضرت العديد من حلقات النقاش التى تناولت العديد من الأفكار المقترحة التى يمكن أن تسهم فى إدماج مفاهيم التربية المدنية مع المناهج الدراسية لسنوات المرحلة الابتدائية.
التربية المدنية هى منظومة من القيم والمهارات والممارسات والمعلومات التى تشكل قاعدة لبناء ثقافة الديمقراطية والمواطنة، وهو ما جعلها شكلًا من أشكال التنشئة السياسية التى تستهدف بناء الطفل المواطن المدرك لحقوقه الممارس لها.. تلك الحقوق التى يدافع عنها كل المواطنين باختلاف مستوياتهم فى التفاعل مع ما يحدث فى المجتمع سواء كان مشاركاً فيها، أو ناقدًا لها، أو مستقلاً فى رؤيته، أو مدركًا لمسئوليته المجتمعية تجاه المجتمع والوطن.
تتضمن التربية المدنية ثلاثة مكونات أساسية، هى: المعرفة المدنية، والمهارات المدنية، والاتجاهات المدنية. ويقصد بالمعرفة المدنية تلك المعلومات الأساسية فى مجال تشكيل المواطنة من خلال التركيز على ما يجب أن يعرفه الأطفال، عن الحياة المدنية والسياسية، والحكومية، وأهداف الحكومة، بالإضافة إلى ذلك يتعرفون على طبيعة وأهداف الدستور والقوانين المتعلقة بالمشاركة والتفاعل السياسى والاجتماعى بشكل خاص.
يترتب على ما سبق، اكتساب المهارات المدنية من خلال حصول الأطفال على المهارات الفكرية.. الخاصة بالمشاركة من أجل التفكير بشكل نقدى حول أى موضوع فى المجتمع.. فالمهارات الفكرية الأساسية للأطفال تحتاج دائمًا إلى دعمها بمهارات التفكير، والتركيز على مهارات العمل الجماعى، والحوار، والمشاركة، والتفاوض، والمناظرة، والتعبير عن الذات، وحل المشكلات، والتخطيط، ومهارات التحليل والاستنتاج.
تساعد مهارات التربية المدنية على تنمية الوعى النقدى الذى يساعد الأطفال على تكوين اتجاهات.. تتعلق بخصائص الشخصية العامة والخاصة والمهمة للمحافظة على دعم مفاهيم الديمقراطية وترسيخها. الاتجاهات المدنية مثل المهارات المدنية تتطور أو تنمو تدريجياً خلال فترة من الوقت تراكميًا لكل ما يكتسبه الطفل، ويختبره فى البيت والمدرسة والمجتمع ومؤسسات المجتمع المدنى. ويتم التركيز على تغيير الاتجاهات بشكل إيجابى.. خاصة نحو قيم المساواة، والحرية، والعدل، والمسئولية الاجتماعية، والجمال، والخير، والتسامح.
تتعدد التربية المدنية بهذا الشكل، وتتداخل فيما بين أبعادها لترسخ بعض المبادئ، والتى يمكن حصرها فى: المواطنة الفعالة، والصالح العام، وخدمة المجتمع، والتعددية والتنوع، والهوية الثقافية، والثقافة السياسية. وهى مجرد أفكار بسيطة عن التربية المدنية.. تلك التربية التى أعتبرها أساس تكريس ثقافة المواطنة ومنظومتها.
فى اعتقادى، هناك بعض الأفكار التى يجب التركيز عليها فى سبيل ترسيخ ثقافة التربية المدنية، وذلك على غرار: أولاً: ما زالت مناهجنا الدراسية تحتاج إلى تضمين مفهوم المواطنة بأبعادها: الحرية والمساواة والتعاون والمسئولية والتفكير النقدى، وهو أيضًا ما ينطبق على مفاهيم التنشئة السياسية.. أى أن تلك المناهج أغفلت الحديث عن المواطنة بمستوياتها بداية من المفاهيم، ومرورًا بالقيم والسلوك، وصولًا إلى المهارات اللازمة لذلك. كما لم تتبن تلك المناهج مشكلات الطلاب والمجتمع، والمشكلات ذات الخصوصية المصرية وطبيعة المرحلة التاريخية. وبالطبع، تجاهلت تلك المناهج حقوق المواطنة ومسئولياتها، ولم تسمح – عملياً – بالاحتفاء بقيمة التطوع وخدمة المجتمع بشكل حقيقى وفعال.
ثانياً: لا يختلف حال المعلم المصرى عن طبيعة المناهج التعليمية كثيرًا.. خاصة أن المجتمع يتوقع من المعلم أن يقوم بأدوار فى التربية وغرس القيم إلى جانب العملية التعليمية. وهو ما لا يحدث واقعيًا بسبب اهتمام المعلم بالجوانب التحصيلية فقط للطلاب. وربما يعود ذلك بشكل أساسى إلى انخفاض مستوى المعرفة السياسية ومستوى المتابعة والاهتمام بالقضايا العامة. وما يترتب على ذلك من عدم قدرة المعلم على تكوين رأى حول القضايا العامة والتحديات المجتمعية.
ثالثاً: أدى غياب الأنشطة سواء المتواكبة مع المناهج الدراسية أو الحرة.. إلى تكريس تلك الحالة من عدم الوعى. والطريف فى الأمر أن غياب الأنشطة لا يعود فقط إلى ضعف الميزانيات المقررة لتلك الأنشطة فحسب، بل أيضاً بسبب عدم اقتناع المعلمين وأولياء الأمور بأهميتها. وهو ما يؤكد على زيادة تلك المساحة من الانفصال بين المدرسة والمجتمع.
رابعاً: لا يزال المناخ العام داخل المدرسة المصرية.. يعتمد على التلقين والحفظ، وعلى «قدسية» النص المكتوب وسيادة التعليم التلقينى.. الذى يقوم فيه المعلم بدور الفاعل الوحيد، ولا يبقى للطالب سوى دور المفعول به. وهى ثقافة تتنافى مع منظومة المواطنة والتربية المدنية والديمقراطية.
نطمح جميعًا أن تقوم المؤسسة التعليمية خلال الفترة القادمة بدورها فى ترسيخ مبادئ التربية المدنية.. باعتبارها وسيطًا تربويًا أساسيًا ضمن وسائط أخرى عديدة فى نشر وترويج التربية المدنية.. فالمدرسة هى المنوط بها أساساً تأكيد مفاهيم المشاركة والتفاعل من خلال التنشئة السياسية، بل ولا أعتقد أننى أبالغ.. إذا ذكرت أن المدرسة هى المنوط بها من الأصل تصحيح المسار وتدقيقه لتوجهات الإعلام من جانب، ولضعف الوعى الفكرى والسياسى للأسرة المصرية من جانب آخر. وهو دور لا يجب أن تتنازل عنه المدرسة.
هناك العديد من المصادر التى تناولت مفاهيم التربية المدنية. ومن أهمها رسالة الماجستير بعنوان «التعليم والمواطنة.. واقع التربية المدنية فى المدرسة المصرية» لمصطفى قاسم. واسهام المجتمع المدنى على غرار إصدارات إدارة المناهج بالهيئة الإنجيلية للخدمات الاجتماعية CEOSS، مثل مشروع «دعم مفاهيم التربية المدنية لأطفال المدارس»، والذى يضم 9 أدلة تدريبية.. 4 منها لأنشطة الأطفال، و5 للمعلم. وهو مشروع يستهدف إتاحة المعلومات الخاصة بمفاهيم المواطنة للأطفال من خلال إكسابهم مهارات المشاركة الفعالة فى المجتمع.. من خلال إصدارات علمية بسيطة وقابلة للتطبيق دون تعقيدات المصطلحات أو التفسيرات، خاصة أن بعضها موجه للأطفال بشكل خاص. كما تتضمن العديد من الرسوم المبهجة التى يأتى فى مقدمتها علم مصر، وبعض العبارات ذات المضمون القيمى، مثل: ولد = بنت، وغنى = فقير. فضلاً عن كونها نتاج عمل جماعى لمتخصصين من المفكرين والخبراء التربويين.
نقطة ومن أول السطر..
فى تقديرى، أنه على وزارة التربية والتعليم.. الاهتمام بتلك الخبرات والتجارب وغيرها من التى تمثل نموذجاً عملياً للأنشطة التى نطمح أن تقرها الوزارة وتطبقها بالتوازى مع مضمون المناهج الدراسية دون تعارض، كما يمكن تطبيقها من خلال حصص الأنشطة المتعددة.