السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. أسئلة «كنيسة المنيرة» المعلقة..  جريمة مكتملة الأركان..  الإنسان أهم من الجدران!

مصر أولا.. أسئلة «كنيسة المنيرة» المعلقة.. جريمة مكتملة الأركان.. الإنسان أهم من الجدران!

شب حريق هائل يوم الأحد 14 أغسطس الجارى بكنيسة الشهيد أبى سيفين بمنطقة مطار إمبابة (المنيرة الغربية). وقد أسفر الحريق عن وفاة 41 مواطنًا من بينهم 18طفلًا، وإصابة 14 مواطنًا آخرين. ونتيجة تواكب ذلك اليوم مع فض اعتصام رابعة عام 2013، تكهن البعض بوجود شبهة إرهابية.. وهو ما فتح الباب لحالة من الجدل السفسطائى على مواقع التواصل الاجتماعى، والذى جعل البعض يجتهد لدرجة التشكيك فى حقيقة ما حدث.



وظل السؤال الأساسى هو: ما الذى حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟

وهو الأمر الذى يحتاج إلى رصد وتحليل من خلال المعلومات الدقيقة لتفسير ما حدث من جهة، وحسم حالة الالتباس والتشكيك المعتاد من جهة أخرى.

معلومات

المبنى الذى حدث فيه الحريق مكون من أربعة أدوار، ويحتوى كل دور على شقتين، وتقع الكنيسة بالدور الرابع (الأخير)، ويتم الوصول إليها من خلال سلم معدنى من الدور الثالث. وحسبما أسفرت عنه أجهزة الأدلة الجنائية، فإن الحريق نشب فى تكييف بالدور الثانى الذى يضم عددًا من القاعات نتيجة خلل كهربائى. وذكرت العديد من المصادر بعضها من المقربين للكنيسة أنه بسبب انقطاع الكهرباء وعودتها مع تشغيل المولد الكهربائى حدث «ماس» تسبب فى اندلاع الحريق. وسرعان ما انتشرت النيران وانبعاث الدخان. وهو الأمر الذى أكدته شركة كهرباء جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة.

وهو ما يعنى عدم وجود فرص نجاة للموجودين بالدور الرابع «الكنيسة» عبر الأدوار السفلية من جانب، وفى الوقت نفسه.. صعوبة الوصول للدور الرابع والصعود إليه من جانب آخر بسبب عدم وجود منفذ آخر للهروب والإخلاء. وانتهى الأمر بأن معظم حالات الوفاة نتجت عن الاختناق والوفيات والإصابات ليس الحروق.. بسبب انبعاث كميات كثيفة من الدخان المتصاعد من الحريق.

وما أشاعه البعض عن وجود باب معدنى مغلق.. تسبب فى تفاقم الكارثة هو نوع فى الالتباس فى فهم المعلومات الحقيقية.. فالباب المذكور هو الباب الرئيسى للمبنى، وليس للكنيسة، وهو الباب الذى سرعان ما تم فتحه على الشارع لخروج العديد من الأطفال الموجودين فى مدارس الأحد.

ويبقى أن ما حدث هو كارثة إنسانية بكل المعانى، وليست طائفية أو دينية على الإطلاق، ولذا يجب التعامل معها فى هذا السياق حتى لا نزيد من تفاقمها، وانحراف أسلوب معالجتها بدقة منعًا للتكرار.

مشاهد عامة

1 – خيمت حالة إنسانية من الحزن والأسى على غالبية المواطنين المصريين مما حدث.. خاصة من الصور المتداولة للأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم فى انتهاء حياتهم بهذا الشكل المأساوى. وهو الأمر الذى ظهر فى حالات التعاطف الإنسانى لكوننا جميعًا.. يمكن أن نتعرض لمثل هذه التجربة الصعبة. وهو ما يؤكد أن الإنسانية الحقيقية هى المرجع الثابت لنا جميعًا فى مواجهة التحديات.

2 – ظهور عدد من كائنات «الزومبى» الإرهابية التى تتشفى فى الموت. وهى كائنات من الضالين السفهاء.. يروجون لـ «بوستات» على مواقع السوشيال ميديا تناقش وصف من ماتوا بالمتوفين أم بالشهداء، فضلاً عن بعض الكتابات الإرهابية على غرار: «ربنا يكتر من أحزانكم..»، و«لا يجوز الترحم عليهم..»، و«لا مجاملة فى العقائد.. لا يجوز الترحم..». وكالعادة.. هو أسلوب مكرر ومستفز لخلق حالة من الجدل الطائفى فى المجتمع لحدث غير دينى من الأصل.

3 – حاول البعض ترتيب ما حدث فى تلك الكارثة الإنسانية بشكل يبدو منطقيًا، ويوحى بأنها جريمة جنائية أو إرهابية مقصودة، وتجاهل أنها لأسباب تتعلق بالصيانة والحماية المدنية التى كانت يجب أن تتم حسب الاشتراطات والمواصفات القياسية، ولكن تم استغلال كونها كنيسة لمحاولة التكهن بافتراضات غير حقيقية، وثبت أنها مضللة بشكل موجه.. تستفيد منه الجماعات الإرهابية والتيارات المتطرفة لمحاولة صبغها بشكل يبدو طائفيًا.

4– انتقد البعض تأخر وصول المطافئ تحديدًا لسرعة التعامل. وظهرت أصوات نفت التأخر.. بل أكد البعض أنها وصلت بعد ثلاث دقائق من الإبلاغ. وهو كلام يحتاج إلى المراجعة والتدقيق، لأن جميعنا يعرف ويرى دائمًا تأخر وصول المطافئ والإسعاف لأماكن الحوادث والكوارث. وبديهيًا، لو كانت المطافئ وصلت سريعًا فعلًا لما كان يمكن أن نصل لهذا العدد الضخم من الوفيات، وربما الإصابات أيضًا.

5 - كتب نجيب ساويرس على تويتر: «لم أرِد أن أكتب تعزية قبل أن أعرف تفاصيل الحادث، لأننا فى صعيد مصر لا نقبل العزاء قبل أن نعرف التفاصيل وأن نعرف الفاعل! الله هو المنتقم! وهو الذى سيأتى بحق الضحايا.. عزائى لمصر كلها بكل المسلمين والمسيحيين، لأن كل من يعبد الله حزين». وبغض النظر عن الاتفاق والاختلاف مع هذا التصريح الذى يثير الالتباس، وفتح باب النقد ضده.. فقد تم استغلاله بشكل مسىء. 

6 - تمت الإشادة بتقديم محمد صلاح التعازى للعائلات التى فقدت أبناءها، وتم الترويج على نطاق واسع بتبرعه بثلاثة ملايين جنيه لأسر المتوفين والمصابين. وهو ما لم يحدث، ولكن تم استغلاله فى خلق حالة مقارنة للهجوم والسب والقذف لصالحه ضد نجيب ساويرس. وبدلاً من الاهتمام بتداعيات تلك الكارثة الإنسانية.. تم تحويل النقاش لجدل سفسطائى لا نفع منه، بل يترك آثارًا سلبية مستمرة.

انتقادات

أولًا: تفاعلت الدولة المصرية مع ما حدث عقب وقوع الكارثة مباشرة. وهو ما ظهر فى موقف الرئيس عبدالفتاح السيسى، وتوجيهه باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتجاوز الكارثة، وتقديم الرعاية الصحية للمصابين، وتقديم التعازى للعائلات، والاتصال بالبابا تواضروس الثانى لتقديم العزاء، والتوجيه باعادة إصلاح الأضرار فى اليوم نفسه واحتواء آثار ما حدث.

وهو ما تفاعلت معه الحكومة من خلال مؤسساتها بالتنفيذ الفورى لتوجيهات الرئيس، وذهاب د. مصطفى مدبولى والوزارء المعنيين إلى الكنيسة سواء لمتابعة معالجة آثار ما حدث أو لتقديم العزاء، كما بادر الإمام الأكبر أحمد الطيب «شيخ الأزهر» بالتضامن وفتح مستشفيات الأزهر لاستقبال المصابين.

ثانيًا: حدث هجوم منظم على الإعلام لعدم تغطيته الحادث. وحقيقة الأمر.. تؤكد أن قناة «إكسترا نيوز» انفردت بالعديد من التغطيات على غرار: البث المباشر من داخل الكنيسة بعد الإطفاء والتبريد، ورصد آثار الحريق وأسبابه فى أول مواجهة لشائعة كونه عملاً إرهابيًا من خلال تحليل ما حدث استنادًا إلى المعلومات، وليس العنعنات من خلال مداخلات عديدة من الشخصيات العامة. ونقل انطباعات أهالى المنطقة وشهاداتهم عما حدث، كما رصدت بعد ذلك أعمال الترميم والإصلاح. وذلك فى إطار الالتزام بالمهنية الإعلامية فى عدم تصوير صناديق الجثامين. وقد أسهم التناول المهنى لقناة «اكسترا نيوز» وتميزها فى تأكيد عدم وجود شبهة عمل إرهابى، وأنه لا علاقة لذكرى فض رابعة بالأمر.

ملاحظات

دون أى حساسيات لا لزوم لها.. ما حدث يحتاج لقرار واضح ومباشر لمراجعة إجراءات سلامة وتأمين الكنائس.. خاصة التى لم يتم تقنينها من خلال «قانون بناء وترميم الكنائس» بسبب عدم توافر المواصفات والشروط القياسية للأمان وتطبيق معايير السلامة.. حسب قواعد الحماية المدنية.. بوجود أنظمة إنذار وتأمين ضد الحرائق.

يجب مراجعة الحالات المشابهة، وإجراء التعديلات اللازمة حفاظًا على أرواح المواطنين المصريين.. بتوفير وجود سلالم خلفية وطرق إخلاء دقيقة، وتدريب العاملين فى الكنائس على خطط طوارئ الإخلاء فى ظل الكوارث والحرائق، والحرص على الصيانة الدورية ومراجعة اشتراطات الأمان والسلامة دوريًا.

نقطة ومن أول السطر

بعيدًا عن المهاترات الطائفية.. خضوع دور العبادة للمواصفات القياسية للصحة والسلامة والدفاع المدنى هو أمر غير قابل للنقاش والتفاوض. والكنائس ليست مستثناة من اشتراطات الحماية المدنية.

من ماتوا هم مواطنون مصريون.. بسبب سوء تقدير وصيانة وتفاعل سريع مع الأزمة.

إنها جريمة إهمال مكتملة الأركان.

الإنسان أهم من الجدران.