
هاني لبيب
يا رب يا متجلى.. اهلك العثمانلى تاريخنا مصرى.. وليس عثمانيًا أو إخوانيًا!
من يكتب التاريخ؟.. هل يكتبه المنتصرون أم الأقوياء أم الزعماء؟.. أم تكتبه الشعوب بتراثها وثقافتها وفلكلورها؟
وهل يعيد التاريخ نفسه؟ وهل حقًا التاريخ له آذان، ولكن ليست له عيون؟
مقولات عديدة نرددها ونتحاور حولها. ولكن فى الوقت نفسه أثناء انشغالنا بهذا الجدل، كان هناك من يعبث بشكل منظم لإعادة صياغة تاريخنا بشكل موجه. هذا الشكل الذى ترتب عليه تعظيم تاريخ الاحتلال العثمانى لبلادنا على حساب تهميش تاريخ مصر القديمة، بل وتشويهه باعتباره تاريخًا وثنيًا وجاهليًا. وما ترتب على ذلك من رسم صورة ذهنية إيجابية لصالح تاريخ الغزو العثمانى باعتباره تاريخنا الحقيقى، رغم ما حمله من تلفيق وتزوير باختلاق أحداث وتضخيمها، أو حذف أحداث أخرى وتطويعها وتعديلها بشكل مغاير عن حقيقتها، وهو ما تم على مدار سنوات طويلة على يد موالاة الجماعة الإرهابية تارة، ووكلاء العثمانية فى مصر تارة أخرى.
أوهام تاريخية
يرتبط التاريخ بالتدوين والتوثيق للأحداث حفاظًا على مسيرة الإنسانية باعتباره ذاكرتها الماضية حتى لا تتلاشى، ولكى تستفيد منه الأجيال القادمة باعتبار أن التاريخ تصنعه الشخصيات، ودائمًا ما يرتبط بها أكثر ما يرتبط بحقب وأزمنة مختلفة. ولكن فى المقابل، نجد أن هناك حالة من تزييف التاريخ بسبب عدم وجود معيار حقيقى للحكم على التاريخ مما سمح أن يكتبه البعض حسبما يتطابق مع مصالحهم ويتسق مع أهدافهم، وللأسف يتم التعامل مع الأحداث المزيفة والملفقة باعتبارها حقائق تاريخية غير قابلة للنقد.
ذاكرة سينمائية
من النماذج الدالة على ما سبق، هو تناول حقبة محمد على الذى ترى غالبية النخبة المثقفة أنه بانى مصر الحديثة للعديد من المشروعات التى بدأت وتأسست فى عهده. رغم أن هناك وجهة نظر أخرى لها دلالتها، وهى أنه صنع ذلك لمجده وسلطانه الشخصى، وليس لمصر وللمواطنين المصريين الذين استغلهم باستبداد وجشع وتسلط، وأنه استقل بمصر لنفسه من السلطنة العثمانية، وبنى مشروعه الشخصى.
قطعًا، استفادت مصر من أهداف محمد على، ولكن تبقى حقيقة مؤكدة.. أن أهدافه كانت شخصية، واستغل المصريين فى تنفيذها لنفسه ولأسرته من بعده.. حتى انتهى الأمر بالاحتلال الإنجليزى مع استمرار أسرته بجميع امتيازاتها فى الحكم.
نتذكر جميعًا.. أن مناهجنا الدراسية تناولت الغزو العثمانى باعتباره فتحًا لمصر، وحذفوا كل ما يتعلق بتجاوزاتهم وعنصريتهم ضد المواطنين المصريين من قتل وسرقة ونهب وسحب العلماء والحرفيين المهرة إلى الأستانة.. للدرجة التى جعلت مصر تتراجع تاريخيًا فى نهضتها وعزلها عن التطور الحضارى.
ولم يقرأ أحد منا فى كتبنا الدراسية الهتاف الشهير: «يا رب يا متجلى.. اهلك العثمانلى» عند مواجهة الشعب المصرى بقيادة «عمر مكرم» لأحمد خورشيد «والى الأستانة» ومطالبتهم بالاستقلال فى 12 مايو 1805 بدار المحكمة الكبرى.
وهكذا.. حتى بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد كمال أتاتورك سنة 1922، قدم الملك فؤاد الأول نفسه خليفة للمسلمين استنادًا إلى مرجعية الأزهر ودوره فى العالم العربى من أجل تمكينه السياسى، والانتصار على خصومه.
استخدموا التاريخ لتمكينهم ولصالحهم، وليس لصالح الشعب المصرى، فتلاعبوا بالتاريخ والأحداث والشخصيات.
أنف أبو الهول
تعلمنا فى كتبنا المدرسية أن نابليون بونابرت «قائد الحملة الفرنسية» هو الذى وجه نيران مدافعه لوجه أبو الهول عند غزوه مصر بين سنة 1798 و1801. وبالعودة إلى التاريخ نجد أن فريدريك لويس نوردن «المستكشف الدانماركى» قد رصد بالرسومات فى رحلته لمصر سنة 1737 تمثال أبو الهول دون أنف.. ونشرها فى كتابه الصادر سنة 1755 بعنوان «الرحلة إلى مصر والنوبة».. أى قبل نابليون بونابرت بأكثر من خمسين عامًا. بالإضافة إلى أن وقائع التاريخ تؤكد اهتمام الحملة الفرنسية بالحضارة المصرية القديمة، وتوثيقهم لذلك فى كتاب «وصف مصر».
وهناك رواية متداولة عن أن شخصًا يُدعى «صائم الدهر» هو الذى كان يخطب للشعب المصرى بأهمية كسر الأصنام وقتما كان أبو الهول مغطى بالرمال، ولا يظهر منه سوى رأسه.. حتى قاموا بذلك سنة 1381، ولم يستطيعوا سوى تحطيم أنفه وجزء من فمه بالفؤوس. والطريف فى الأمر أن هناك شارعًا شهيرًا باسم «صائم الدهر» فى شبرا، والسؤال المنطقى: من الذى يريد الحفاظ على هذه الأسماء فى الذاكرة الشعبية للمصريين.
وما حدث فى مناهجنا التعليمية حدث فى الدراما، ومثال ذلك فيلم «وا إسلاماه»، وفيلم «صلاح الدين الأيوبى» التى فرضت الحبكة الدرامية على أحداثهما التاريخية وقائع ليست لها وجود من الأصل.
الانتماء حسب المصلحة
صدّرت لنا ثورة يوليو 52 بدعم من موالاة الجماعة الإرهابية ووكلاء العثمانية فى كتابة التاريخ المصرى أن عصر الملك فاروق هو عصر الجهل والأمية.. رغم أن كافة المفكرين والمثقفين والفنانين الكبار.. ظهروا فى عصر الملكية مثلما ظهر العديد من رجال الأعمال الوطنيين الذين أسسوا قاعدة قوية للاقتصاد المصرى باستثمارات وطنية. وتم شيطنة الملك فاروق لصالح ثورة يوليو 52 دون أى تقييم حقيقى لتلك المرحلة سياسيًا واجتماعيًا بسلبياتها فى الفساد والمحسوبية قبل إيجابياتها. وربما ذلك صب فى مصلحة التيارات الدينية بعد ذلك.. خاصة بعد وصم الملك فاروق بلعب القمار والعلاقات النسائية. وهو ما تطلب تعظيم الصورة الذهنية السلبية على خلفية دينية بالترويج لانتماء أعضاء من تنظيم الضباط الأحرار لجماعة الإخوان.
كما وجدنا فى تاريخ ثورة يوليو 52 العديد من الروايات المتضاربة والمتناقضة.. خاصة فى الصراع بين رجال الرئيس جمال عبدالناصر الذين رأوا فى الرئيس أنور السادات مرتدًا وقائدًا للثورة المضادة، ورجال السادات الذين اعتبروا مرحلة عبدالناصر.. معادية للحريات. وانتهى الأمر بتخوين كل فريق للفريق الثاني واتهامه بالعمالة.. لدرجة انقلاب البعض على مبادئه الاشتراكية، والتحول إلى سياسة الانفتاح والرأسمالية فيما بعد.
تاريخ مواز لأحداث التاريخ الحقيقية
معلومات مشوهة تم تأصيلها والترويج لها باعتبارها حقائق تاريخية لا تقبل الشك أو النقد. وتم توظيف أشباه المثقفين والمفكرين لترسيخ هذا التشويه باعتباره تاريخًا، ولاكتمال منظومة التزييف يتم التربص والتنمر بكل من يطالب بتصحيح هذا التزييف.
فرضوا علينا قراءة تاريخنا بشكل ساذج.. ووصف أوهامهم بكونها أحداثًا ملهمة وسيرة أبطال.. ولذا من الطبيعى أن نتوقف الآن عن غالبية ما درسناه لأنه لم يكن الحقيقة، بل تصورات وهمية بما فيها دعوات الوحدة العربية التى تصب فى مصلحة دولة الخلافة العثمانية أو الإخوانية فيما بعد.
نحتاج لتاريخ يكشف حقيقة الأحداث.. ارتكازًا على المعلومات والوثائق، وليس العنعنات. نحتاج لمعرفة تاريخنا الحقيقى بعيدًا عن كتابات مؤرخى المصلحة الشخصية الذين وظفوا التاريخ لاختلاق الأحداث، وتصوير الوقائع، وإيجاد التبريرات والحكايات والروايات.. رغم أن جميعها لا أصل لها من الصحة ولا حقيقة لها.
نقطة ومن أول السطر
نحتاج لعملية مراجعة شاملة لمناهجنا التعليمية.. خاصة التاريخية، وما تحمله من أفكار تمييزية وتحريضية وتكفيرية.. سواء ضد الوطنية المصرية، أو ضد المرأة، أو ضد الطرف الثاني الدينى. فضلًا عن مراجعة العديد من الآراء الدينية التى تعتبر ضد صحيح الدين المتفق عليه.
لست باحث تاريخ.. ولكنى أبحث عن تاريخنا الحقيقى بعيدًا عن المقولات المضللة، وبعيدًا عن التاريخ المفخخ بالأكاذيب والأوهام.
قول مأثور: ليس بإنسان ولا عاقل.. من لا يعى التاريخ فى صدره.. ومن درى أخبار من قبله.. أضاف أعمارًا إلى عمره.
تاريخنا.. ليس عثمانيًا أو إخوانيًا..
تاريخنا مصرى عريق وأصيل.