السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الوزيرة الألمانية والجامعات المصرية

الوزيرة الألمانية والجامعات المصرية

فى الأسبوع الماضى سحبت جامعة برلين الحرة الدكتوراه من وزيرة الأسرة السابقة فى ألمانيا فرانتسيسكا جيفى، بعد ثبوت خداع فى الرسالة التى حصلت بها على الدرجة العلمية، وأعلنت الجامعة أنها أصدرت قرارها بالإجماع وبعد مشاورات شاملة، وأوضحت الجامعة أنه جرى منح جيفى درجة الدكتوراة بناء على خداع، حيث اقتبست نصوصًا ومراجع لمؤلفين آخرين دون تمييزها والإشارة إليها بشكل كافٍ، ودافعت الوزيرة السابقة عن نفسها بأنها كتبت العمل المقدم للجامعة عام 2009 وفقًا لأفضل ما عملت واعتقدت، وأن الأخطاء التى نسبت لها لم تكن مقصودة أو مخططة، وكانت جيفى قد استقالت من منصبها الوزارى قبل شهر بسبب ما أثير حول السرقة العلمية لرسالتها ومدى أحقيتها فى درجة الدكتوراة.



وكان موقع مختص بالكشف عن السرقات فى الرسائل العلمية قام بفحص رسالة دكتوراة الوزيرة الألمانية رغم مرور أكثر من اثنى عشر عامًا على إنتاجها، ووجد أن أكثر من ثلث الرسالة يحتوى على نصوص مقتبسة، وقال الموقع المعروف باسم «فرونيبلاج» إن أكثر من ثلث صفحات الرسالة، وتحديدًا 76 صفحة من أصل 205 هى نصوص منتحلة، وكانت جيفى أعدت رسالة الدكتوراة بين 2005 و2009 فى مجال العلوم السياسية بمعهد «أوتو سور» للعلوم السياسية بجامعة برلين الحرة تحت عنوان: «طريق أوروبا نحو المواطن.. سياسة المفوضية الأوروبية نحو مشاركة المجتمع المدنى»، استقالت الوزيرة قبل سحب الدرجة العلمية لإحساسها بالمسئولية، ولأنها تُدرك أنها أخطأت.

ترى ماذا يحدث إذا طبقنا ما حدث مع الوزيرة الألمانية فى جامعاتنا المصرية؟ وما النتيجة لو كان لدينا موقع يكشف السرقات والاقتباسات العلمية؟ الإجابة ستكون كارثية بعد أن استشرى فى جامعاتنا داء الانتحالات العلمية، حتى إن مصر تتصدر مؤشرات السرقات العلمية وفق تصريحات أشرف الشيحى، وزير التعليم العالى السابق، حيث قال فى ندوة بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، عام 2017: «إنّ التصنيفات العالمية أكّدت أنّ مصر هى الأعلى فى معدلات السرقات العلمية»، وهو ما أكده الكاتب الكبير ووزير الثقافة السابق حلمى النمنم فى تصريحات له فى مجلس النواب وقت توليه الوزارة، كما أن الدكتورة فينيس كامل جودة وزيرة البحث العلمى السابقة صرحت منذ سنوات وقبل وفاتها: بـ «إن هناك دراسة دولية تؤكد أنّ مصر تحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم فى سرقة الأبحاث العلمية»، ما الذى جرى لجامعاتنا حتى وصلنا إلى هذا المنحدر؟ الإجابة عن هذا السؤال بصدق وصراحة هى بداية الإصلاح إذا أردنا ذلك، وعلينا أن نعرف من أين جاء الفساد العلمى حتى نستطيع سد هذا الطريق؟ أعرف أن الضمائر الغائبة لدى عدد من المسئولين الجامعيين كان سببًا رئيسيًا فى ذلك، بعضهم شارك واستفاد ماديًا، والبعض الآخر أغمض عينيه وصمت إما خوفًا، أو لأنه يؤثر السلامة وعدم خوض المعارك، أو يأسًا من الإصلاح. أما الباحثون اللصوص فقد حققوا غرضهم بأكثر من طريقة، مثلاً شبكة الإنترنت سهلت السطو العلمى، ورغم أنه يمكن من خلال نفس الشبكة تتبع هذه السرقات وكشفها بسهولة لمن يريد، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى إرادة قوية وصبر من أجل البحث والتدقيق، وهو ما يفتقده بعض المشرفين على الرسائل، وهناك باحثون يلجأون إلى طريقة أخرى، فيدفعون أموالاً إلى باحثين فقراء ومثقفين لم يحصلوا على فرصتهم مقابل أن يعدوا لهم رسائل ماجستير ودكتوراه، وهؤلاء يستسهلون فينقلون من كتب أو يسطون على بحوث منشورة مع إضافات قليلة، أو على رسائل أعدت من قبل مع بعض التغييرات البسيطة، وهكذا تعاد الرسالة أكثر من مرة، ولكن فى جامعات وكليات مختلفة، وبعض المشرفين على هذه الرسائل يعرفون ذلك، لكن يغضون الطرف، وبعضهم قد يكون متواطئًا.

هذه السرقات جعلت البحث العلمى سواء فى الكليات النظرية أو العلمية فى خطر، فمن حصل على درجة علمية بالغش ثم عمل فى التدريس بالجامعة لن يقدم أى قيم صحيحة للطلاب بل إنه سينشر بينهم أسلوبه ومنهجه الفاسد، وقد يشجع الطلاب على أن يمارسوا عملية السطو على أبحاث الآخرين، وحتى من لم يعمل منهم بالجامعة فإن الدرجة العلمية التى حصل عليها ساعدته فى الالتحاق بعمل مميز لا يستحقه وغير جدير به، كما أنه سيستمر فى عمليات الخداع والتزوير والسرقة واستباحة ممتلكات الغير.

والسؤال: هل يمكن لجامعاتنا أن تقتدى بالجامعة الألمانية، وأن تحقق بجدية فى السرقات العلمية، وأن تكون لديها شجاعة محاسبة اللصوص حتى لو كانوا فى مناصب كبيرة مثل الوزيرة الألمانية؟ لقد أصبح واجبًا على الجامعات من أجل الإصلاح وإنقاذ البحث العلمى أن تضع نظامًا يكفل كشف السرقات، ويخضع الباحثون لاختبارات حقيقية، تحريرية وشفهية، لبيان مدى تحصيلهم العلمى، وتفوقهم من عدمه، وما هى قدراتهم الحقيقية، كما يجب وضع نظام يضمن أن يبذل المشرفون على الرسائل العلمية جهدًا حقيقيًا لمراجعة ما يتم تقديمه إليهم من أبحاث، ولمعرفة المجتهد من المنتحل، وأن تكون هناك عقوبات قاسية على اللصوص ليس فقط داخل الجامعة، ولكن أيضًا أمام القضاء. 