الجمعة 25 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولاً.. فى البدء كانت مصر ثم هبط الوحى!

مصر أولاً.. فى البدء كانت مصر ثم هبط الوحى!

 



 

مصر قبل الأديان. على أرضها بدأت الإنسانية، وبدأ تاريخ الحضارات. مصر قبل التاريخ، تعاقب عليها ملوك وغزاة، دول وثقافات، ولكنها احتفظت لنفسها بمكانة متميزة. أثرت فى كل الوافدين عليها، وصمدت أمامهم؛ بل خطفتهم إلى رحابها دون أن تتنازل عن لغتها أو هويتها وثقافتها.

عرف المصريون القدماء التوحيد، وكان لكل منطقة إلهها، حتى جاء أخناتون فوحَّد كل الآلهة فى إله واحد هو «آتون»، إله يُرمز له بقرص الشمس مصدر الخير والحياة. وقد شهدت فترة أخناتون الاهتمام المكثف بالفكر والدين، واعترض كهنة آمون ذوو النفوذ القوى على محاولته توحيد الآلهة، مما جعل يستهدف تراث الإله آمون ويمحوه من المعابد.

وبمرور الزمان، حقبة خلف حقبة، وقرناً وراء قرن، ترسّخ اتجاه فكرى يرى أن المصريين القدماء هم أول الموحدين، وأن هذه الصور وتلك المعبودات المتعددة ليست سوى مقدسات ترمز إلى صفات مختلفة للإله الواحد.

قراءة تاريخ مصر يؤكد أن العقيدة المصرية القديمة عقيدة أصيلة فى عمق تاريخ الحضارة الإنسانية، وأن الحيوانات المتعددة لم تكن للعبادة؛ بل هى رموز للدلالة على المدن والعواصم فى مصر الفرعونية، ويدلل بعض العلماء على ذلك بملاحظة بديهية بأنه ليس من المنطقى أن يظهر أخناتون فى منتصف التاريخ الفرعونى لينادى بالتوحيد إلا إذا كانت عقيدة التوحيد موجودة ولها جذورها وقواعدها فى الفكر الدينى للفراعنة.

فى مصر القديمة، كانت بدايات اكتشاف الإنسان للموت والخلود وفهم الوجود والكون بشكل فلسفى. لم تترك لنا الحضارة الفرعونية قصور الملوك والكهنة أو منازلهم، ولكن تركت لنا المظاهر المرتبطة بتاريخهم الدينى سواء فى المعابد أو المقابر على غرار أهرامات الجيزة، فهى الدليل المؤكد على عدم اندثار عقيدة الخلود تاريخيّا وثقافيّا وتراثيّا، ولقد ظلت العقيدة الدينية فى مصر الفرعونية قوية؛ خصوصًا بعد امتلاكها أسرار الخلود فى ظل استقرار اجتماعى ووحدة إيمان غير مسبوقة بالمعتقدات، حتى إن الفرعون وصل إلى مصاف الآلهة، كما أن مقابرهم الملكية احتوت على كل ما يعين ذلك الفرعون على مواصلة مشواره إلى الأبد، وضمان خلوده وعودته إلى الحياة.

مصر الحضارة هى إحدى بدايات تدوين التاريخ الإنسانى، ولذا لا نتجاوز عندما نؤكد على أن مصر قبل التاريخ وقبل الأديان.

وعندما اعتنق الشعب المصرى المسيحية ثم اعتنق الإسلام، كانت له بصمته التى يمكن أن نطلق عليها المسيحية المصرية والإسلام المصرى فى إشارة إلى الوسطية وعدم التشدد والتعصب والتطرف، والتمسك بالتنوع وقبول الاختلاف والتعددية والتسامح فى نموذج اجتماعى شديد الوضوح بين حسن ومرقص وكوهين، كتعبير عن التعايش الواحد بين الأديان السماوية الثلاث.

مصطلح «مصر قبل الأديان» لا يعنى مطلقًا عدم تقدير الأديان، ولكنه تعبير عن ذلك التراث القيمى الضخم من المبادئ الإنسانية التى ورثناها عن الحضارة الفرعونية القديمة، حضارة المساخيط التى كانت بداية الدعوة للعدل والمساواة والرحمة فى مواجهة الظلم، وهو ما جعل اعتناق المصريين للمسيحية ثم الإسلام يتم بشكل طبيعى، فقد حمل تراثهم الدينى المتوارث من مصر القديمة العديد من المبادئ المتسقة مع الأديان السماوية.

قدمت مصر نموذجًا حقيقيّا للتعايش رغم كل التحديات والأزمات والمشكلات، فالدين عقيدة راسخة فى كيان الإنسان المصرى لا إكراه عليها، بمعنى أنه لا إجبار لأحد على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك. الثقافة المصرية تؤكد أن الإكراه على الدين لا يأتى بمؤمنين صادقين بقدر ما يأتى بمنافقين وكذابين ومدلّسين، كما أن الأديان لا تتقاتل فيما بينها رغم الاختلاف العقيدى أو التشريعى أو الطقسى. والدين لا يذهب إلى ميادين القتال، غير أن معتنقى هذا الدين أو ذاك هم الذين يتقاتلون، طبقًا لمصالحهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالى صارت للأديان فى العلاقات والنزاعات أدوار وتوظيفات يختلف حجمها ونوعياتها حسب كل مرحلة تاريخية، كما أن الحوار لا يتم بين الأديان نفسها لأنها لا تتحاور، بينما الذى يتحاور هم أتباع الأديان، أو أهل الإيمان من الأديان.

استطاع التراث المصرى العريق احترام الخصوصيات العقائدية لكل من الديانتين «المسيحية والإسلام» وفقًا لما تنص عليه المصادر الدينية لكل منهما، والعمل على فتح أبواب التعاون المثمر بينهما على اعتبار أنهما يتجهان إلى رب واحد يدينان له دون غيره بالربوبية.

ويكفى أن نؤكد على المساحات المشتركة بين أتباع المسيحية والإسلام فى مصر، وعلى سبيل المثال:

- الشهادة المشتركة بوحدانية الله والإيمان به.

- التأكيد على قيمة المساواة والعدل فى المجتمع.

- التأكيد على المحبة والتعاون فى معاملة المواطنين.

- إقامة مجتمع إنسانى متضامن ومنفتح، وذلك لتأكيد أن المستقبل مشترك للجميع، وبالتضامن مع الجميع. يقول أرسطو: «إننى أعرف أننى أكاد لا أعرف شيئًا، وحتى هذا أكاد لا أعرفه»، وهى مقولة لا يزال لها صدًى فى مجتمعاتنا إلى اليوم؛ خصوصًا فى تعاملنا مع الاختلاف. وأزعم أننا فى أمَسِّ الحاجة خلال الفترة المقبلة للترويج لقبول الاختلاف إعلاميّا وأكاديميّا، بدرجة أكبر بكثير مما نختبر هذا القبول فعليّا وعمليّا فى حياتنا اليومية. أعتقد أنه علينا أن نتعلم من أخطاء الماضى، كما يجب أن نتعلم أيضًا تجنب حدوث الأخطاء، وبالطبع؛ فإن تجاهل الأخطاء وافتراض عدم وجودها هو الأمر الجلل الذى يؤدى إلى المزيد من تأجيج المشاكل فى المجتمع بين مواطنيه.

نحتاج إلى اعتماد مبدأ الاختلاف الإنسانى الرشيد فيما بيننا من أجل التعلم واكتساب الخبرات وتبادلها.

أنا هو أنت إنسانيّا، ولكن فى الحوار والتواصل والمعاملات والعلاقات.. كن أنت كما تريد أن تكون، وكما تريدنى أن أراك وأفهمك وأتناقش معك. نقطة ومن أول السطر.

البعض يعتبر الدين مصدر كل ثقافة، ولا ثقافة خارج الدين. والبعض الثانى يهمّش الدين على أساس أنه ليس من الثقافة؛ بل هو من عوامل تراجعها، والبعض الثالث يعتبر الدين جزءًا من الثقافة العامة على غرار الأدب والفنون والتاريخ.

الدين هو اختيار إنسانى، وهو ضمن ثوابت الشخصية المصرية التى لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها لأنه ضمن مكونات الهوية المصرية منذ الفراعنة وإلى الآن.