الإثنين 10 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الأعمدة السبعة  للشخصية المصرية

الأعمدة السبعة للشخصية المصرية

اشتعلت الحرب حول الهويّة المصرية منذ بدأ الكلام عن موكب المومياوات الملكية الفرعونية، وزادت النقاشات بعد الاحتفاء الكبير بنجاح الموكب ووصول المومياوات من المتحف المصرى فى التحرير الى متحف الحضارة بالفسطاط منذ أيام، وكان الحفل الناجح الذى أشاد به معظم المتابعين سببًا فى ارتفاع حدة الجدل، ودار الكلام ومعظمه غير علمى ويعبر عن انطباعات وانتماءات دينية وبغير فهم، عن طبيعة المكون للهوية المصرية، واخترع البعض عداوات بين الحقب التاريخية المختلفة التى مرت بها بلدنا، متجاهلين التراكم الحضارى الذى أثرى الشخصية المصرية وجعلها متفردة ومتميزة، ورافضين فكرة رقائق الحضارات المتعاقبة فى التاريخ المصرى.



 وقال البعض إننا دولة إسلامية ولا يجوز الاحتفاء بهؤلاء الفراعنة. بينما حاول آخرون -على قلتهم- إثارة النزعة القبطية ونفى الهوية الإسلامية، وذهب طرف ثالث إلى أننا يجب أن يكون اعتزازنا الأساسى بالفرعونية دون غيرها، وردًا على المتحمسين للعروبة اتجه البعض للشرق أوسطية وطالبوا بالابتعاد عن الدائرة العربية، وفى وسط هذه الحرب دعا البعض إلى البحث عن الانتماء الإفريقى خاصة بعد أزمة نهر النيل وسد النهضة الإثيوبى. 

الرد الحاسم على من يريدون بتر التاريخ والإبقاء على حقبة واحدة وتكريس الانتماء لها، وإقصاء باقى الحقب والرقائق جاء فى كتاب «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، للمفكر المصرى الوطنى الدكتور ميلاد حنا والذى صدر عام 1989، وأعيد إصداره أكثر من مرة بعد ذلك، ويرد الدكتور ميلاد فى كتابه على دعاة التعصب لهوية بعينها بقوله «أن كل مصرى مهما تكن درجة علمه أو ثقافته ابتداء من أستاذ الجامعة المتعمق والمتفتح على حضارات عصرية، إلى الفلاح البسيط الذى لا يقرأ ولا يكتب فى عمق الريف أو صعيد مصر متأثر بالزمان والمكان، ومن ثم فكل مصرى فى أعماقه تاريخ أمته من العصر الفرعونى إلى يومنا هذا، مرورًا بمراحل - اليونانية الرومانية- ثم القبطية فالإسلام»، هذه الرقائق الحضارية تمثل الأعمدة الأربعة التاريخية للشخصية المصرية.

يضيف الدكتور ميلاد جانبًا آخر إلى البعد التاريخى وهو المكون الجغرافى وأثره على المصريين فيقول «لا لابد أيضا أن يكون المصرى متأثرًا بالموقع الجغرافى المعاصر، ومن ثم فهو عربى لأن مصر تقع فى موقع القلب بالنسبة للمتكلمين بالعربية، ثم هو بحر متوسطى بحكم الإطلالة التاريخية والجغرافية على هذا الحوض العتيد من السلوم ومرسى مطروح غربًا إلى العريش ورفح شرقًا، وهو الحوض الذى تكونت من حوله حضارات العالم»، ويستطرد الدكتور ميلاد «لكى يكتمل العدد إلى رقم سبعة هناك انتماء مصر إلى إفريقيا التى تقع بلدنا فى الشمال منها».

 لكن هل لا بُدّ لكل مصرى من الاعتراف بهذه المكونات جميعًا بقدر متساوٍ؛ أم إنه يمكن أن ينحاز إلى حقبة أو يشعر بأنه أكثر انتماء إليها؟ يجيب المفكر المصرى «إنه رغم وجود هذه التركيبة فى كل منا فإنها انتماءات أو أعمدة ليست متساوية فى الطول والمتانة، وأن اهتمام وتقدير كل منا لهذه الأعمدة داخل نفسه أو فى وجدان الشعب المصرى كله يختلف فى الفرد والإنسان الواحد مع الزمن ومن حقبة الى أخرى». 

ويوضح: «ففى فترة الشباب يكون الحماس للوطن أو الدين أو القومية العربية وحدها دون غيرها، ومن ثم يكون الإنسان أحادى الانتماء فلديه الأشياء إما بيضاء أو سوداء، ومع تقدم السن والخبرة فى الحياة وتراكم الشعر الأبيض تنمو انتماءات أخرى، ويرى الإنسان كثيرًا من الأمور رمادية وبدرجات مختلفة بين الأبيض والأسود».. ولأن مساحة المقال لا تسمح بعرض هذا الكتاب المهم بالكامل، فإننى أكتفى بالإشارة إلى بعض أفكاره فى مجملها دون تفصيل وأهمها: «ليس هناك تعارض بين الانتماء العربى لمصر وبين جذورها الفرعونية، كما أن ذلك لا يقلل من أهمية انتماء مصر جغرافيًا وتاريخيًا إلى مجموعة حضارات حوض البحر المتوسط»، و«أن انتماء مصر إلى إفريقيا ضرورى وحيوى لنا»، كما «أنه من المؤكد أن كل مسلم يعتز بالعمود الإسلامى ولكنه لا يدرك أنه يحمل بين ضلوعه قدرًا من العمود القبطى بحكم التواجد والمعاشرة والتداخل بين البشر، كما أن كل قبطى يعتز بالعمود القبطى وغالبا ما يعتز تلقائيًا وبسبب التراث والامتداد التاريخى بالعمود الفرعونى ولكنه لا يدرك أنه يحمل بين ضلوعه قدرًا من العمود الإسلامى، ولعل هذا هو سر استمرار المسيحية والإسلام على أرض مصر».

هذا الكتاب مهم ويرد على كل الدعاوى التى تريد محو حقب من تاريخنا، وقد كان رائعًا أنه كان محور مؤتمر الشباب عام 2018، ومحل نقاشات كبيرة خلاله، وتم الاحتفاء به وبأفكار مؤلفه الدكتور ميلاد الذى رحل عن عالمنا عام 2012، وقد رأيت التذكير به بسبب الجدال الأخير بعد الموكب الفرعونى، وهى فرصة لكى أدعو إلى ضرورة إتاحته للعامة لكى يقرأوه ولطلاب المدارس والجامعات لكى يتعلموا منه ويتعرفوا على حضارتهم المختلفة المتراكمة ويعتزوا بها ويردوا على افتراءات أعداء الحضارات.