السبت 5 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مذكرات الفراعنة.. لا أكذب ولكنى أتجمل

مذكرات الفراعنة.. لا أكذب ولكنى أتجمل


يعتبر أدب السيرة الذاتية غير الملكية أو ما يسمى بـ«كتابة الحياة» من أقدم الأشكال والأنشطة الأدبية التى من خلالها عبر الأفراد عن هويتهم وتركوا بصماتهم على وجه الزمن لتجنب النسيان وتأمين استمراريتهم وذكراهم وبقائهم بعد الموت. وظهر هذا الجنس الأدبى مبكرًا فى مصر القديمة والعراق القديم. ثم تعمق بشدة فيما بعد العصر الهوميرى والعصر الكلاسيكى فى اليونان القديم، والعالمين الهلينستى واليونانى – الرومانى، والحضارة العربية؛ حتى صار واحدًا من أكثر الأنواع الأدبية شعبية فى الكتابة الحديثة والمعاصرة.
وشهد مجال كتابة الحياة غير الملكية محاولات عدة لتعريف الأشكال المختلفة التى استخدمها الأشخاص ليعبروا عن ذواتهم وحيوات الآخرين. ولعل أشهر التعريفات لذلك الشكل الأدبى هى «سيرة ذاتية» «أتوبيوجرافى»، و«سيرة» «بيوجرافى»، وتشكيل الذات، وتقديم الذات.
ويكتب السيرة الذاتية «الأتوبيوجرافى» عادة صاحبها بلسانه مستخدمًا ضمير المفرد المتكلم «أنا»، بينما يكتب السيرة غير الذاتية «البيوجرافى» شخص آخر غير صاحبها؛ لذا تكتب عادة بضمير الغائب.
وما يعنينا فى هذا السياق هو أن السير المصرية لم تشكل سيرًا ذاتية بالمعنى المعروف لدينا عن السيرة الذاتية فى ثقافتنا الحديثة والمعاصرة؛ وذلك لأن السير المصرية القديمة ربما ألفت فى حياة أصحابها أو بعد وفاتهم. ومن المحتمل أن صاحب السيرة قد يكون شارك فى تأليف أو اختيار أو إملاء النص الأدبى الخاص بسيرته؛ غير أن هذا الأمر غير مؤكد.
ويستخدم مصطلح «سيرة ذاتية» فى مصر القديمة تجاوزًا وبشكل غير دقيق ودون أن يكون ذا صلة بمفهومنا لنفس الجنس الأدبى فى العصر الحديث، ودون الإشارة إلى حقيقة وطبيعة ومفهوم ذلك النوع الأدبى فى مصر القديمة ولدى المصرى القديم. ويعد مصطلح «سيرة» «بيوجرافى» أكثر مناسبة للسيرة المصرية القديمة؛ نظرًا لكونه أكثر مرونة ويترك العلاقة مفتوحة وقابلة للتأويل بين النص وصاحبه ومؤلفه. وألف أغلب السير الذاتية المصرية القديمة بضمير المفرد المتكلم «أنا»؛ لذا أطلق عليها العلماء لقب «سيرة ذاتية» اعتقادًا منهم أن صاحب السيرة هو مؤلفها بسبب تحدثه إلى جمهور المتلقين بضمير المفرد المتكلم «أنا».
مولد الفن الجديد فى الدولة القديمة
كُتبت السير الذاتية المصرية القديمة بداية من عصر الدولة القديمة إلى العصر اليونانى – الرومانى على أسطح التماثيل واللوحات وجدران المقابر والمعابد والتوابيت والصخور. ويمكن القول إن جذور السير عميقة فى التاريخ المصرى القديم، وربما تعود بداياتها إلى لوحات الأسرة الأولى التى حمل أصحابها العديد من الألقاب مرورًا بلوحات حسى رع الخشبية فى المتحف المصرى بالقاهرة من الأسرة الثالثة وصولًا إلى سيرة متن فى بداية الأسرة الرابعة، واهتمت تلك السيرة الأخيرة بأمور قانونية. غير أن أول سيرة تقدم لنا نوعًا من الفن القصصى هى سيرة دبحن من نهاية الأسرة الرابعة أو بداية الأسرة الخامسة. وفى الأسرة الخامسة، يخبرنا صاحب السيرة كثيرًا عن نفسه، ويمكن تقسيم هذا النوع من السير  إلى نوعين: «سير مثالية» تتفق كلية مع مفهوم «ماعت» الأخلاقى، وتقدم صاحبها بجمل تقليدية طويلة تعنى بإظهاره كشخص مثالى، والنوع الثانى يسمى «سيرة ذات حدث» ويصف خبرات صاحب السيرة والحدث «الأحداث» التى مر بها فى حياته خصوصًا الوظيفية، ومن خلالها يمكن استنتاج التاريخ. ومنذ نهاية الأسرة الخامسة، بدأت السير  تقدم حياة أصحابها الوظيفية بتفاصيل عديدة مثل عهود الملوك الذين خدموهم ويطلق عليها «سير الوظيفة»، واستمرت فى الأسرة السادسة. وأكدت سير الأسرة الخامسة على العلاقة المتفاعلة بين الملك والنبيل صاحب السيرة، على عكس سير الأسرة السادسة التى ركزت على أعمال أصحابها، وكانت خير مقدمة لسير عصر الانتقال الأول «على سبيل، سيرة المدعو قار من إدفو». وعبرت سير عصر الانتقال الأول عن التشرذم السياسى الذى مرت به مصر فى تلك الفترة العصيبة من تاريخها القديم. ومع توحيد البلاد فى عصر الدولة الوسطى، ظهرت روح جديدة فى السير تستند إلى القيم الأخلاقية. وفى عصر الدولة الحديثة امتلأت السير بالأحداث التاريخية نظرًا لفتوحات مصر العسكرية فى الشرق الأدنى القديم وأفريقيا. بينما لم تزهر السير كثيرًا فى عصر العمارنة. على عكس عصر الرعامسة الذى شهد اهتمامًا كبيرًا بالعقيدة الجنائزية؛ ذلك التوجه الذى يستمر ويزدهر فى سير عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر والعصر اليونانى – الرومانى.
الموظفون يكتبون سيرهم
وكانت السير تكتب مكثفة فى مضمونها، وتداخلت مع أجناس أدبية عديدة مثل فن القص وأدب الحكمة والأدب الجنائزى والأدعية الأخروية. وركزت السير على أهم معالم مسيرة المسئولين الوظيفية والمحطات البارزة فى حياتهم. وكتب عدد كبير من موظفى الدولة المصرية سيرهم؛ فمن أصحاب السير كان هناك الكهنة ورجال الدين والفنانون والأطباء والوزراء والموظفون المدنيون والعسكريون بدرجاتهم الوظيفية والموظفون الإداريون كالمشرفين على القصر الملكى أو الحدود المصرية أو بلاد النوبة. وتنوعت درجات وأطياف الموظفين؛ فكان من بينهم موظفون من كبار رجال الدولة من الصف الأول وموظفون من درجات وطبقات وظيفية أدنى منهم قليلًا، غير أن جميعهم انتمى إلى صفوة المجتمع المصرى القديم وطبقة النبلاء المتميزة، ولم تكتب السيرة لغير هذه الطبقة الإدارية الحاكمة بأغلب أطيافها البيروقراطية والتكنوقراطية، فلم نجد على سبيل المثال سيرًا تخص عامة الشعب، وكذلك لم تنتشر سير النساء من الطبقة العليا إلا فى العصر المتأخر والعصر اليونانى – الرومانى.
وأظهرت المسئول بصورة مثالية متوافقة مع أفكار ومعتقدات طبقة النبلاء المصريين. وكان الغرض من كتابة مثل هذه السير إضفاء مسحة من التقوى والورع على صاحبها فى أعين الآلهة وأفراد عائلته ومجتمعه والأجيال التالية؛ وذلك حتى لا تندثر سيرة الموظف، وحتى يكون سجل إنجازاته فى الوظيفة والحياة فخرًا له ولعائلته، وحتى يرث أفراد أسرته منصبه من بعده وحتى ينعموا بالامتيازات التى تمتع بها صاحب السيرة فى الحياة الدنيا والتى يأمل أن تستمر بعد وفاته وأن ينعم بحياة أبدية سرمدية فى العالم الآخر وألا تتوقف القرابين المادية من مأكل ومشرب عنه وعن مقبرته. وفى هذه السير، صور الفرد كانعكاس للسياق الثقافى والاجتماعى للمجتمع المصرى القديم. وكنتيجة غير مباشرة، ألقت تلك السير بشكل عفوى بأضواء كاشفة على التاريخ الاجتماعى والسياسى والاقتصادى لمصر القديمة.
ويعد هذا الجنس الأدبى طرازًا أدبيًا فريدًا ظهر فى مصر القديمة مقدمًا الفرد المصرى فى سياق أخلاقى وقيمى ومجتمعى وثقافى وأخروى يختلف تمامًا عن مفهومنا الحالى لفن السيرة الذاتية الحديثة. فهذا الشكل الكتابى ينتمى للأدب المصرى القديم فى سياقه العريض، وعلى وجه الخصوص إلى العقائد المصرية القديمة التى تميل إلى إظهار المتوفى فى صورة مثالية تكون شفيعة وتكفل له دخول جنات النعيم «حقول الإيارو» فى العالم الآخر.
وكان تأليف تلك السير نمطيًا للغاية فى معظم الأحوال. وتتكون السير عادة من ألقاب وصفات صاحب السيرة، واسمه وشجرة عائلته، والنداء إلى الأحياء، والنص القصصى، وتمنيات للحياة الآخرة. وكان من المكونات الأساسية للسيرة الكاملة النموذجية ما يعرف بـ «النداء إلى الأحياء» ضمن صيغة تقدمة القرابين للمتوفى. وإذا لم يحصل المتوفى على القرابين التى كان يتوقعها ويريدها، يمكنه من خلال هذه الصيغة أن يتوجه بندائه للأحياء المارين بمقبرته كى يتلوا من أجله صيغة أقرب للتالية: «يا أيها الذين «مازالوا» يعيشون على الأرض، الذين سوف يمرون بمقبرتى هذه، سواء أكنتم ذاهبين إلى الشمال أو إلى الجنوب، الذين يحبون الحياة ويكرهون الموت، الذين سوف يقولون «ألف رغيف من الخبز وإناء من الجعة من أجل صاحب هذه المقبرة»، سوف أحرسهم فى الجبانة؛ لأننى ممتاز مزود بروح طيبة وخيرة».
ثم حدث تطور لاحقًا للنداء إلى الأحياء عرف بصيغة «لفظة الفم». وفى هذه الصيغة، يؤكد المتوفى للأحياء أنه لا يريد منهم غير ترديد نداء من أجله، وأن هذا الفعل عنده أفضل من الحصول على القرابين المادية. وكانت هذه الصيغة تكتب عادة على النحو التالى: «من فضلكم أعطونى مما فى أيديكم. لكن «على سبيل المثال» إن لم يكن هناك شىء فى أيديكم، قولوا فقط بألسنتكم «ألف من الخبز والجعة والثيران والطيور و«أوانى» الألباستر والكتان، «فى الواقع» ألف من كل الأشياء النقية من أجل صاحب هذه المقبرة». إنه «بعد كل شىء» لفظ بالفم. وهذا لا يعد شيئًا يقلق المرء بصدده، وهو أكثر إفادة للشخص الذى يفعله أكثر من الذى يتسلمه». وفى هذا ما يوضح أن السير المنقوشة على جدران المقابر كرست وقدمت وأعلت من شأن أصحاب المقابر، وعبرت عنهم بأسلوب مكتوب عجزت المناظر والنقوش عن تقديمهم به. وكان من بين الجمل التقليدية فى تلك السير ما يعبر عن أصل وعصامية أصحاب السير وقيمهم الأخلاقية ودورهم الاجتماعى نحو الطبقات المحتاجة فى المجتمع؛ فعلى سبيل المثال يقول صاحب السيرة: «خرجت من بيتى، جئت من إقليمى». ويضيف: «أعطيت خبزًا للجائع والملابس للعارى». ونعرض فيما يلى بعضًا من نماذج السير من عصور مصرية متنوعة.
سيرة الموظف حرخوف
تعتبر سيرة الموظف حرخوف المنقوشة على واجهة مقبرته بأسوان من أهم وأروع السير فى عصر الدولة القديمة وأكثرها كثافة وتفاصيل وإثارة وتشويقًا وإظهار للحياة خارج مصر ودور مصر الخارجى فى النوبة فى نهايات عصر الدولة القديمة. ولعل من أروع ما فيها ذلك الخطاب الذى أرسله الملك الطفل بيبى الثانى إلى حرخوف يوصيه فيه بالحفاظ على القزم الذى أحضره معه. وتعد ظاهرة تضمين خطابات من الملك لموظفيه من الملامح الجديدة فى سير الدولة القديمة. وتظهر تلك السيرة أيضًا تطور ونمو فن السيرة، وتحوله إلى جنس أدبى متميز فى ذلك العصر المبكر.
سيرة أحمس أبانا
تعد سيرة أحمس ابن أبانا واحدة من أفضل السير فى عصر الدولة الحديثة. وهى منقوشة فى مقبرته بالكاب بمصر العليا. وترجع أهمية ذلك النص الأدبى إلى كونه وثيقة تاريخية فريدة تحكى قصة طرد الهكسوس من مصر من منظور عسكرى مصرى كان شاهد عيان ومشاركًا فى معارك تحرير مصر من محنة الاحتلال الهكسوسى البغيض. وفى ذلك الصدد، يقول أحمس ابن أبانا:
«الآن عندما كونت أسرة، ألحقت بالمركب «الشمالية»؛ لأننى كنت شجاعًا. وسرت خلف الحاكم على الأقدام عندما كان يقود عربته الحربية. وعندما حوصرت بلدة أواريس، قاتلت بشجاعة على الأقدام فى حضور جلالته».
فن السيرة فى الدولة الحديثة
ترجع سيرة باك إن خونسو – المنقوشة على تمثال كتلة حاليًا بمتحف الفن المصرى بميونخ بألمانيا وكان أصلا فى معبد آمون بالكرنك بالأقصر – إلى الأسرة التاسعة عشرة. وشغل باك إن خونسو منصب كبير كهنة آمون لمدة عشرين عامًا بداية من العقد الثالث من عهد الملك الشهير رمسيس الثانى. ويقول باك إن خونسو فى جزء من سيرته:
«أيها الكهنة، وآباء الإله، والكهنة المطهرون فى معبد آمون: اعطوا باقات إلى تمثالى، وتقدمات لى، «لأننى» كنت خادمًا فعالًا ليس يده، متسقًا مع ماعت وكرهت الشر، ومعظمًا من أنعم إلهه؛ كبير كهنة آمون، باك إن خونسو، «صادق الصوت».
السير الذاتية فى العصر الصاوى
توضح سيرة باى إف إتشوا إم عاوى نيت أنشطة الترميم والحفاظ على تراث الأجداد والأسلاف التى اتبعها ملوك الأسرة السادسة والعشرين الصاوية. ففى نهايات العصر الصاوى، جاء هذا الموظف المهم باى إف إتشوا إم عاوى نيت من الشمال فى مهمة ملكية لترميم وإصلاح وإعادة بناء معبد الإله وغيره من شئون أبيدوس والإقليم الثينى فى جنوب مصر. وهذه السيرة منقوشة على تمثال موجود بمتحف اللوفر فى باريس فى فرنسا ويحمل رقم «93 أ». وفى مختتم سيرته، يقول باى إف إتشوا إم عاوى نيت راجيا من الإله:
«يا ليته يعطى الحياة لولده، أمازيس «الاسم اليونانى للملك أحمس الثانى» ابن نيت، يا ليته يعطينى هبات من الملك، وتبجيلًا أمام الإله العظيم! أيها الكاهن، امدح الإله من أجلى! يا أيها الذين تأتون من المعبد مباركين، قولوا: يا ليت المشرف على القصر الملكى باى إف إتشوا إم عاوى نيت، ابن نع إن إس باستت، يكون فى مركب الإله، يا ليته يحصل على الخبز الأبدى بين أوائل المباركين».
السير الذاتية للنساء
تعد سيرة النساء قليلة فى مصر القديمة وظهرت متأخرة عن سير الرجال. وتؤرخ سيرة تاى إيمحتب عهد الملكة البطلمية الشهيرة كليوباترا السابعة. وهذه السيرة مكتوبة على لوحة محفوظة حاليًا فى المتحف البريطانى فى لندن فى إنجلترا وتحمل رقم 147. وتقص سيرتها إنجابها ثلاثة بنات وطفلها الذكر الذى طال انتظاره. وتقول تاى إيمحتب فى هذا الشأن:
«هو «الإله» جعلنى أحمل بطفل ذكر». ومن خلال ما تقدم يتضح لنا تميز وتفرد وقدم فن السيرة فى الأدب المصرى القديم عبر معظم عصور التاريخ المصرى القديم. وأنه كان خير وسيلة تعبر عن طبقة النبلاء وتوضح بجلاء أفكارها ومعتقداتها وتراثها وتطلعاتها لما بعد الموت والحياة الأخرى. وأن تلك الطبقة كانت تسعى حثيثًا للقضاء على النسيان ومحاربة إهمال ذكرى وشأن وأمر صاحب السيرة بعد الموت. وأنه كان عند هذه الطبقة رغبة عارمة فى الحفاظ على ذكراها حية طيبة ومتمتعة بمفور الجزل والعطاء الذى كانت تحظى به فى الحياة الدنيا من أجل الفوز بأبدية لا شقاء ولا فناء من بعدها.
د. حسين عبدالبصير
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية