الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
أمريكا.. الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس

أمريكا.. الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس

فى التاريخ السياسى للعالم، لا تختفى الإمبراطوريات بقدر ما تتغير أدواتها. 



فالقوة التى كانت تُدار يوماً عبر الجيوش والأساطيل الاستعمارية، باتت اليوم تُدار عبر شبكات النفوذ والتحالفات العسكرية والشركات العملاقة، وفى قلب هذه المعادلة تقف الولايات المتحدة، التى نجحت خلال العقود الأخيرة فى بناء صيغة حديثة للهيمنة الدولية، لا تعتمد على الاحتلال المباشر بقدر ما تقوم على إدارة النفوذ عبر الحلفاء ومراكز القوة الاقتصادية والعسكرية، إنها بتعبير أدق، إمبراطورية الحكم بالوكالة.

هذا النموذج من إدارة القوة يتجلى بوضوح فى أكثر من مسرح جيوسياسى. فمن أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، تبدو واشنطن منشغلة بإعادة ترتيب خريطة النفوذ العالمى فى مناطق الطاقة والممرات البحرية التى تتحكم فى حركة التجارة الدولية.

فى فنزويلا، الدولة التى تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة فى العالم، تحولت الأزمة السياسية التى انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلى «نيكولاس مادورو»، إلى محطة مفصلية فى معركة النفوذ داخل أمريكا اللاتينية. 

فهذه الدولة التى ظلت لسنوات بعيدة عن الهيمنة الاقتصادية الغربية أصبحت فجأة مركزًا لإعادة توزيع المصالح فى سوق الطاقة. ومع تغيير رأس السلطة فى كراكاس، فتحت أبواب قطاع النفط الفنزويلى أمام الشركات الأمريكية التى تسعى إلى استعادة نفوذها فى واحد من أغنى خزانات النفط فى العالم.

غير أن ما يحدث فى فنزويلا ليس سوى جزء من لوحة أوسع، ففى الشرق الأوسط، تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فى سياق صراع يتجاوز الخلافات السياسية المباشرة إلى حسابات الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة.

فإيران ليست مجرد قوة إقليمية مثيرة للجدل، بل تمثل عقدة جغرافية بالغة الأهمية فى شبكة الطاقة العالمية، بحكم موقعها المشرف على مضيق هرمز، الذى تمر عبره نسبة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية.

لكن النفط، رغم أهميته، ليس سوى جزء من معادلة أكبر، فالصراع الحقيقى يدور حول السيطرة على شبكة المضائق والممرات البحرية التى تمثل شرايين الاقتصاد العالمى، فمن يملك مفاتيح هذه الممرات يمتلك قدرة هائلة على التأثير فى حركة التجارة والطاقة حول العالم.

وتشمل هذه الشبكة الحيوية عددًا من النقاط الاستراتيجية الممتدة على طول الخريطة البحرية العالمية من مضيق هرمز، إلى مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر مرورا بخليج عدن، ثم إلى قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية فى العالم. 

كما تمتد هذه الخريطة شمالًا إلى مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، وغربًا إلى مضيق جبل طارق، البوابة التى تصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلسى. هذه الممرات ليست مجرد معابر للسفن، بل عقد استراتيجية تتحكم فى تدفق الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، ومن هنا يصبح التحكم فيها جزء أساسي من معادلة القوة فى النظام الدولى.

فى هذا السياق، يبرز العامل الصينى بوصفه أحد أهم مفاتيح قراءة السياسة الأمريكية المعاصرة، فالصعود الاقتصادى الصينى خلال العقود الثلاثة الأخيرة قام بدرجة كبيرة على تدفق مستقر للطاقة والمواد الخام القادمة عبر هذه الطرق البحرية، ولذلك فإن أى قدرة على التأثير فى هذه الممرات تمنح واشنطن أداة ضغط اقتصادية فعالة على بكين.

ومع وصول الرئيس الأمريكى ترامب، إلى البيت الأبيض، بدأت واشنطن تعيد تعريف علاقتها بالصين، فقد انتقلت من سياسة الاحتواء الهادئ إلى اعتبار بكين منافسا اقتصاديًا واستراتيجيًا مباشرًا. ومن هنا أصبحت السيطرة على خطوط الطاقة والتجارة جزءًا من أدوات المنافسة الجيوسياسية بين القوتين.

بهذا المعنى، لم تعد الإمبراطوريات فى العصر الحديث تُقاس بعدد المستعمرات أو مساحات الأراضى التى تسيطر عليها، بل بقدرتها على التحكم فى العقد الاستراتيجية للنظام العالمى، مصادر الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل التجارة الدولية.

وفى هذا المشهد الواسع، تبدو الولايات المتحدة وكأنها أعادت ابتكار مفهوم الإمبراطورية، ولكن بوسائل القرن الحادى والعشرين. إمبراطورية لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضى البعيدة، لأنها ببساطة حاضرة فى مفاصل الاقتصاد العالمى ومراكز القرار الاستراتيجى.

ولهذا تبدو الولايات المتحدة، فى كثير من الأحيان، وكأنها قوة لا تغيب عنها الشمس؛ ليس لأنها تحتل العالم، بل لأنها تملك مفاتيح الطرق التى يتحرك عبرها العالم.