هاني لبيب
مصر أولا.. إعلان نهاية ولاية الفقيه ونظام الملالى..
التحالف الصامت.. من التطبيع للردع العسكرى!
لم يعد النقاش الآن بعد تصاعد حدة الحرب الإيرانية فيما يخص المستقبل.. يدور حول إدارة الأزمات، بل حول شكل النظام الإقليمى نفسه فى الفترة القريبة المقبلة. تتقاطع اللحظة الراهنة وتتشابك مع ثلاثة سيناريوهات كبرى. الأول: يتعلق بمدى إمكانية تفكيك النظام السياسى الإيرانى أو دخولها فى مساحة الانكماش التاريخى. والثانى: يتصل بإمكانية تشكيل تحالف عسكرى فعلى بين إسرائيل وعدد من دول الخليج.
والثالث: يتناول احتمال سقوط حزب االله كفاعل عسكرى مركزى ضمن المعادلة السياسية للإقليم.
السيناريوهات السابقة هى بمثابة فرضيات ليست منعزلة عن بعضها، بل تتشابك بشكل محدد حول النتيجة المترتبة على ضعف إيران، وفتح المجال لتحالفات جديدة.. تعيد تعريف بقاء حزب الله أو تقليص دوره، ومع ملاحظة أن القراءة الاستراتيجية للواقع الحالى.. تقتضى التمييز بين الرغبة السياسية والقدرة اللوجستية، وبين السيناريو الممكن والسيناريو المرجح.
قبضة أمنية وهشاشة اجتماعية..
يرتكز خطاب تفكيك إيران على ثلاثة محاور، التعددية القومية، والضغوط الاقتصادية، وصراع الخلافة المحتمل بعد المرشد على خامنئى. فى الظاهر.. تبدو المعادلة الإيرانية مربكة ومعقدة جدًا.
دولة متعددة الهويات، وتحت العقوبات الاقتصادية القاسية، وقادها مرشد متقدم فى السن لسنوات طويلة، ودون أن نغفل عنصرًا حاسمًا، وهو أن إيران ليست نظامًا هشًا منقسمًا فى داخله بالشكل الذى يتصوره البعض، بل نظامًا متغلغلًا فى الشارع الإيرانى عبر شبكة مؤسسات ضخمة أمنيًا واقتصاديًا وأيديولوجيًا، ولا ننسى أن الحرس الثورى الإيرانى.. ليس مجرد وسيلة عسكرية، بل منظومة مصالح عابرة لجميع قطاعات المجتمع الإيرانى فى الطاقة والاتصالات والبنية التحتية والتجارة الخارجية، تلك التقاطعات.. تحول أى سيناريو لتفكيك النظام الإيرانى إلى صدام مباشر مع طبقة عريضة مستفيدة من جهة، وهى التى تملك أدوات القمع والتمويل من جهة أخرى، فضلًا عن خبرة إيران التاريخية فى التماسك بحكم الحديد والنار حتى فى ظل أزمات وعقوبات اقتصادية حادة.
خلافة الملالى..
مرحلة ما بعد المرشد على خامنئى.. تمثل لحظة اختبار وتحدٍ، ومن الواضح أن نظام الملالى الإيرانى يحرص على الانتقال السلس لولاية الفقيه، مجلس الخبراء والمؤسسات الرقابية الدينية والبنية العسكرية.. كلها عناصر تتيح إعادة إنتاج الشرعية ضمن الإطار نفسه لمنظومة ولاية الفقيه.
أعتقد أن السيناريو الأكثر واقعية لن يصل لحالة الانهيار التام، بل سينتهى الأمر عبر أحد مسارين.
الأول: استمرارية الشكل السياسى من خلال اختيار شخصية معتدلة تحافظ على التوازن بين المؤسسة الدينية والحرس الثورى. الثانى: بتعزيز المؤسسة الأمنية من خلال تحويل مركز الثقل إلى القيادة الأمنية مع بقاء المظلة الدينية كشكل فقط.
أما تصور سيناريو تفكيك النظام السياسى الإيرانى.. فيتطلب انهيارًا للمركز الأمنى والاقتصادى من جانب، وفقد دعم وموالاة بعض الدول لها، بالإضافة إلى دعم خارجى صريح للإنهاء التام على نظام ولاية الفقيه. وهو سيناريو ضعيف فى المدى القريب لأن النظام الدولى حاليًا لن يستفيد من وجود فراغ جيوسياسى ضخم على حدود منطقة الخليج مع قارة آسيا.
انكماش أم تفكيك..
يرى البعض فى صحة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية المكثفة.. قد تدفع انهيار النظام السياسى الإيرانى. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى العكس تمامًا.
العمليات العسكرية.. غالبًا ما تستعيد إحياء النزعات القومية التى تمنح بقايا نظام المرشد على خامنئى.. ذريعة لتشديد القبضة الأمنية.. حتى فى حال تضرر البنية اللوجستية العسكرية بالتأكيد على قدرة النظام السياسى الإيرانى على إعادة السيطرة داخليًا.
والمرجح هنا أن تدخل إيران مرحلة انكماش نفوذ خارجى، وليست مرحلة تفكيك أمنى وجغرافى. كما سيحدث.. تراجع ملحوظ فى قدرتها على تمويل وكلائها الإقليميين وموالاتها المحليين، ومع تركيز أكبر على الداخل الإيرانى.
وهو تحول، سيترتب عليه انعكاسات مباشرة على توازنات دول الخليج والعراق ولبنان.
تقارب أم تحالف عسكرى..
منذ سنة 2020، شهد الإقليم تحولًا نوعيًا من خلال عقد العديد من اتفاقيات التطبيع بدأت بالإمارات والبحرين. وهو تقارب.. أرسى منظومة تعاون استخباراتى وتقنى وعسكرى متقدم.. خاصة فى مجالات الدفاع الجوى والسيبرانى.
ومع ملاحظة أن التحالف العسكرى مجال مختلف جذريًا لكونه يمثل ردعًا مشتركًا وليس تطبيعًا سياسيًا فقط. التحالف العسكرى يعنى التزامًا دفاعيًا متبادلًا، وربما تنسيقًا عسكريًا عملياتيًا فى حال اندلاع حرب.
وهو نوع من الالتزامات.. يتطلب توافقًا استراتيجيًا عميقًا لا يزال فى طور التشكيل كرد فعل لما وصل إليه حال الإقليم حاليًا.
حسابات إقليمية..
المعادلة الأكثر تعقيدًا بالنسبة إلى السعودية، أن إيران تمثل أكبر تهديد مباشر لها، ولكنها فى الوقت نفسه، تدرك تكلفة المواجهة المباشرة المفتوحة، كما أن سياسة التهدئة التى انتهجتها مؤخرًا تعكس رغبة فى إدارة الصراع وليس تفجيره، أما الإمارات، فإن اقتصادها المرتبط بالتجارة العالمية.. يجعلها أشد حرصًا على تجنب الاستقطاب الحاد. ولذا هى دائمًا معنية بتعزيز قدراتها الدفاعية، ولكنها لا تسعى إلى اصطفاف عسكرى صريح.. ربما يعرض مصالحها التجارية والاقتصادية للخطر.
ناتو الشرق الأوسط..
يبقى موقف الولايات المتحدة الأمريكية عاملًا أساسيًا فى المشهد الحالى، واشنطن.. رغم استمرار وجودها العسكرى كلاعب رئيسى فى الحرب الآن، تعيد توجيه أولوياتها بشكل مغاير نحو آسيا، كما أن دول الخليج.. قد تتجه إلى صيغة ردع إقليمى مشترك مع إسرائيل، خاصة فى مجال الدفاع الصاروخى.
ومع ذلك، فإن قيام حلف عسكرى رسمى.. سيظل رهن ثلاثة معايير، هى: تصعيد إيرانى مباشر يهدد العمق الخليجى. وضمانة أمريكية واضحة للمظلة الدفاعية. وقدرة دول الخليج على إدارة الرأى العام الداخلى.
السيناريو المرجح ليس إعلان «ناتو الشرق الأوسط»، بل شبكة دفاع متكاملة غير معلنة، وتتطور تدريجيًا تحت ضغط التهديدات.
حزب الله..
لا يمثل حزب الله فى لبنان.. مجرد تنظيمًا عسكريًا معزولًا عن المجتمع، بل منظومة سياسية واجتماعية، منظومة تمتلك قاعدة شعبية، وتمثيلًا برلمانيًا، وشبكة خدمات واسعة، هذه البنية تمنحه عمقًا يجعل السقوط حدثًا معقدًا، وليس مجرد هزيمة عسكرية.
وترى إسرائيل، أن حزب الله يمثل أخطر تهديد مباشر بسبب ترسانته الصاروخية.
وفى الوقت نفسه، فإن أى حرب شاملة تستهدف القضاء عليه.. ستتطلب عمليات برية واسعة، مع تكلفة بشرية وسياسية مرتفعة، التجارب السابقة تؤكد أن القضاء الكامل على تنظيم عقائدى أصولى متجذر.. تحد شبه مستحيل دون تغيير حقيقى فى بيئته الحاضنة.
من المؤكد، أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية تمثل ضغطًا حقيقيًا، تآكل الطبقة الوسطى، وانهيار العملة المحلية، وتراجع الخدمات.. كلها عوامل تؤثر فى المزاج الشعبى، غير أن البديل السياسى الواضح لم يتشكل بعد. ومازال الجيش اللبنانى.. رغم الدعم الدولى، يحتاج إلى المزيد من القدرة السياسية على نزع سلاح الحزب بالقوة، والمرجح أن نشهد فى الفترة المقبلة القريبة.. إعادة تعريف دور الحزب كبديل عن سقوطه.. وربما قبول تفاهمات غير مباشرة تحدد قواعد الاشتباك.
سيناريو مجمع..
تفكيك إيران، سيترتب عليه إضعاف حزب الله ماليًا وعسكريًا، وهو ما سيدفع دول الخليج إلى تعزيز تحالفاتها، ولكن بما أن التفكيك الكامل.. احتمال ضعيف، فإن ما أراه أقرب إلى مرحلة إعادة التوازن، انكماش إيران نسبيًا، ولكنها تبقى لاعبًا رئيسيًا، وزيادة مساحة التعاون الخليجى - الإسرائيلى دون إعلان حلف سياسى أو عسكرى رسمى. وتكيف حزب الله مع مرحلة ردع أشد صرامة.. هى معادلة تعنى أن الإقليم يتجه إلى توازن ردع متعدد الأطراف بدل انهيار شامل لمحور وصعود آخر.
التحولات الكبرى..
المتوقع أن تتشكل اتجاهات كبرى خلال السنوات القادمة، اتجاه لتعزيز الردع الرقمى من خلال أنظمة دفاع جوى مشترك، وتعاون استخباراتى عابر للحدود، وحروب سيبرانية. واتجاه ثان.. ينكمش عبره الوكلاء الإقليميين والمحليين.. نتيجة الضغوط السياسية والمالية، دون اختفائهم تمامًا، واتجاه ثالث.. تتعدد فيه التحالفات المرنة بين عدة دول من خلال ملفات محددة، وليس وفق اصطفاف أيديولوجى تقليدى شامل.
إقليم الشرق الأوسط لا يتجه إلى تفكيك خرائطه القديمة، بل إلى إعادة توزيع توازنات القوة التى سيعاد تعريف أدوارها، تحالفات لن تكون مطلقة، بل وظيفية ومرحلية. والصراعات لن تحسم بشكل نهائى، بل ستدار ضمن حدود ردع متبادلة.
نقطة ومن أول السطر..
تفكيك إيران هو احتمال ضعيف فى المدى القريب، والمرجح هو تراجع نفوذ تدريجى مع استمرار الدولة.
والمتوقع أن يكون هناك تحالف خليجى – إسرائيلى بصورة متطورة تكنولوجيًا وأمنيًا، ولن يتحول فى المدى القريب إلى حلف عسكرى صريح ومباشر، كما سيتم تحجيم حزب الله، وتقييد دوره.
الواضح أن المنطقة لن تدخل عصر الانهيارات الكبرى، بل عصر إعادة التوازنات الاستراتيجية تحت ضغط صياغة جديدة لخريطة الإقليم والعالم، واستيعاب هذه الحقيقة.. يترتب عليها التعامل خلال السنوات القادمة ببراجماتية سياسية، وليس بأوهام الانتصار السريع أو الرهان على التفكيك الشامل.







