الثلاثاء 10 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
البحث عن  «الست» (5)

البحث عن «الست» (5)

قد لايبدو مناسبًا للوهلة الأولى أن نواصل الحديث عن السيدة أم كلثوم؛ بينما تترنح المنطقة العربية تحت وطأة نيران حرب لن يكون الشرق الأوسط بعدها كما كان قبلها أبدًا، وستأتى بمستقبل قد تتحول فيه أسوأ كوابيسنا إلى واقع بائس تعس.



لكن من زاوية أخرى (وإن بدت للبعض بعيدة) فنحن نتحدث عن سيدة استثنائية لم يماثلها أحد حتى الآن قيمة ودورًا، كانت جزءًا فى تاريخ الوطن العربى الكبير؛ صانعةً  لجانب مهم من هويته وقَدْره وقدرته على البقاء والتأثير، ومشاركةً غناءً وفعلاً فى أحداثه الكبرى وتحدياته.

«البحث عن الست» هنا وفى هذه اللحظة هو بحث عن مُشتَرَكاتٍ عربية غابت أو غُيّبَت.. بحث عن مقومات شخصية تآلفت حولها القلوب حبًا وتقديرًا عابرًا للجنسيات والخلافات والزمن.. بحث عن رمز ومعنى تجاوزا أى صراع بينى ليشكلا وجدانًا موحدًا سليمًا ونقيًا.. وإنسانيًا.

فى رحلتنا مع أغنيات كوكب الشرق الروحية، وبحكم اللّحظة الراهنة تفرض «الثلاثية المقدسة» حضورها، فقد قدمتها عام 1972 فى تلك المرحلة الضبابية التى سادها يأس وشك، وعلى ذلك الجسر الذى تشبثنا به للعبور فوق انكسار 1967 الكبير.

مشروع غير مسبوق كلماتٍ ولحنًا صاغه شعرًا صالح جودت وأبدعه نغمًا رياض السنباطى؛ فلم يأتنا مجرد أغنية بل دعاء ودعوة وموقف يعكس محنة أمة ويوقظ رجاءها، متفكرًا ولائذًا بمقدساتها الثلاث الكبرى التى يُشَدُ إليها الرحال.

وعبر امتزاج التكبيرات بموسيقى السنباطى الملحمية تكتمل الهيبة والاحتواء بأداء سيدة الغناء الخاشع الآمر العميق بادئة بالبيت الحرام:

رحاب الهدى يا منار الضياء.. 

سمعتك فى ساعة من صفاء

تقول أنا البيت ظل الإله .. 

وركن الخليل أبى الأنبياء

أنا البيت قبلتكم للصلاة ..

أنا البيت كعبتكم للرجاء

فضموا الصفوف وولوا الوجوه.. 

إلى مشرق النور عند الدعاء

وسيروا إلى هدف واحد..

وقوموا إلى دعوة للبناء

ومن البيت الحرام إلى الحرم النبوى:

قُم وبَشِر بالمساواة التى.. ألفت بين قلوب العرب

والإخاء الحق والحب الذى.. وحّد الخطو لسير الموكب

...

أمة علّمَها حب السماء.. كيف تبنى ثم تعلو بالبناء

سادت الأيام لما آمنت.. أن بالإيمان يسمو الأقوياء

وتصل الثلاثية إلى منتهاها عند المسجد الأقصى:

من مهبط الإسراء فى المسجد.. من حرم القدس الطهور الندى

أسمع فى ركن الأسى مريما.. تهتف بالنجدة للسيدِ

وأشهد الأعداء قد أحرقوا.. ركنا مشت فيه خطى أحمدِ

ثم يأتى القسم داعيًا موقظًا:

لا والضحى والليل إما سجى.. وكل سيارٍ به نهتدى

لن يطلع الفجر على ظالمٍ.. مستغرقٍ فى حقده الأسودِ

ومن المفارقات اللافتة أن السيدة أم كلثوم لم تلتق بكلمات صالح جودت إلا مرتين فقط، والاثنتان كانتا متعلقتين بآثار انكسار 1967 ساعيتين للانتقال من اليأس إلى الرجاء، فالمرة الأولى جاءت فى أعقاب تنحى الرئيس عبدالناصر:

قُم واسمعها من أعماقى فأنا الشعب.. ابق فأنت الأمل الباقى لمنى الشعب

...

قُم لله وقُل للناس.. قل للعصر

رغم الجرح ومُر الكاس.. عاشت مصر

وغدا سنؤذن فى الناس.. طلع الفجر

قبلها بأشهر وفى عام الحزن نفسه قدمت أم كلثوم فريدتها «حديث الروح» قصيدة الشاعرالباكستانى محمد إقبال التى أبدع صياغتها بالعربية الشيخ الصاوى شعلان وبالتأكيد لم يكن لها سوى السنباطى ملحنًا، وهى أغنية تُحّلق معنى ومبنى ولحنًا فى أفقٍ وحدها بالفعل:

لقد فاضت دموع العشق منى..

حديثًا كان عُلوى النداءِ

فحلق فى رُبى الأفلاك حتى..

أهاج العالم الأعلى بكائى

...

إذا الإيمان ضاع فلا أمان..

ولا دنيا لمن لم يُحيى دينا

ومن رضى الحياة بغير دينٍ.. 

فقد جعل الفناء لها قرينًا

لم تتوقف أم كلثوم على مدى سنوات عطائها الممتد عن تقديم تلك النفحات الروحية التى لم يطاولها فيها أحد.. وحتى تكتمل أسطورة تلك الطفلة التى خرجت مع أبيها من قرية «طماى الزهايرة» تقدم الإنشاد الدينى والمدائح النبوية، فقد كان آخر ما قدمته فى حفل عام يناير 1973 هى إحدى تلك النفحات للعبقريين بيرم التونسى والسنباطى «القلب يعشق كل جميل»:

كنت ابتعد عنه وكان ينادينى.. ويقول مسيرك يوم تخضع لى وتجينى

...

دعانى لبيته لحد باب بيته.. واما تجلى لى بالدمع ناجيته.