أسامة سلامة
سيرة بلا ماكياج لـ«حلمى رفلة» وللسينما المصرية
«القبض على المخرج والمنتج حلمى رفلة بتهمة الشيوعية والترويج لها» خبر أذاعته الإذاعة المصرية واهتمت به الإذاعة الإسرائيلية عام 1953، الواقعة أثارت دهشة المهتمين بالسينما والفنانين الذين يعرفون أن رفلة أبعد ما يكون عن الشيوعية وليس له اهتمامات أو انتماءات سياسية، الخبر وراءه قصة مثيرة كشف عنها الشاعر المبدع والناقد والكاتب الكبير جرجس شكرى فى كتابه «صانع النجوم .. حلمى رفلة سيرة سينمائية بلا ماكياج» والصادر مؤخرًا من دار نشر «آفاق»، كان حلمى على علاقة صداقة وثيقة هو وأسرته مع الفنانة تحية كاريوكا، وعندما تم القبض عليها بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعى هى وزوجها فى ذلك الوقت الضابط المتمرد مصطفى كمال صدقى بعد ضبط منشورات فى منزلهما، ذهب رفلة للسؤال عليها ومعه بعض الوجبات التى أعدتها زوجته ووالدته، وكان عليه استخراج تصريح رسمى لزيارتها، ولكن المأمور قال له «عدى علينا بعد يومين ثلاثة»، وقبل اجتيازه باب السجن الخارجى متجها للشارع سمع صوتًا يناديه من شباك، وأدرك أنها تحية فأخذ يتحدث إليها ويطمئن عليها، وفى اليوم التالى ذهب إلى المأمور الذى أمهله فترة أخرى للحصول على التصريح، وبنفس الطريقة السابقة وقف أمام الشباك وتحدث معها، هو فى الشارع، وهى فى الدور العلوى من السجن، وتكرر الأمر مع تأخر صدور التصريح، وفى المرة الثالثة وبينما كان يتحدث معها وجد نفسه مقبوضًا عليه، ليقضى ليلة مثيرة فى قسم الخليفة. خرج رفلة من السجن فى اليوم التالى، وخرجت تحية بعد 100 يوم وأُطلق سراحها بعد إقرار زوجها أنها لا تعرف شيئًا عن المنشورات.ما سبق واحدة من المواقف التى حفل بها الكتاب، ولكنها تلقى الضوء على شخصية رفلة وسماته، فقد ارتبط بصداقات عديدة مع الفنانين كان صديقًا لبعضهم وبمثابة الأب لآخرين، كما إنه اكتشف الكثيرين وأعطاهم الفرصة لترسيخ وجودهم على الشاشة وجعل منهم نجومًا كبارًا، مثل شادية التى أخرج لها أول أفلامها العقل فى إجازة، وعبد الحليم حافظ الذى تعاقد معه فى بداية حياته الفنية عام 1953 حين التقى به فى مكتب رشيد النحال المحامى وأنتج له أربعة أفلام، أخرج منها ثلاثة «ليالى الحب، وفتى أحلامى، ومعبودة الجماهير»، وأسند إخراج الفيلم الرابع «شارع الحب» لعز الدين ذو الفقار. وكذلك يبرز الكتاب علاقة رفلة الوثيقة بأم كلثوم ومحمد فوزى وإسماعيل ياسين وتحية كاريوكا، ووردة، وصباح، وغيرهم من المطربين والممثلين.الكتاب استند إلى أوراق مبعثرة تركها رفلة فى مكتبه بها بعض ذكرياته، وخطابات متبادلة مع عدد كبير من النجوم مثل أم كلثوم وعمر الشريف وعبد الحليم وشادية وإسماعيل ياسين والشاعر نزار قبانى والكاتب محمود السعدنى والأديب يوسف إدريس وغيرهم، وكذلك عقود أفلام أنتجها، وأوراق عن مؤسسة السينما التى أنشئت فى الستينيات من القرن الماضى، هذه الأوراق حصل عليها جرجس من نادية رفلة الابنة التى أرادت ألا يضيع تراث وأوراق والدها وحافظت عليها بعد رحيله، استخدم جرجس عدة طرق فى الكتابة ما بين السرد والتحقيق فى وقائع ذكرها رفلة فى أوراقه ولم تكن مكتملة، ومعارك أشار إليها ولم يذكر تفاصيلها وشخصيات كان من المهم تعريفها للقارئ حتى يلم بالصورة كاملة، كما استخدم جرجس تكنيك المونتاج متنقلا بين فترات من حياة رفلة، دون ترتيب تاريخى ما يجعل القارئ وكأنه يشاهد فيلمًا يمنحه صورة وافية عن شخصيته، ومركزًا فى نفس الوقت على المعارك الكبيرة التى خاضها منذ بداية تعلقه بالسينما وتعلمه فن الماكياج فى فرنسا ومرورًا بالإنتاج والإخراج والتأليف، ونهاية بوفاته المفاجئة فى فرنسا عندما كان يعاين بعض الأماكن التى أراد أن يتضمنها فيلمًا كان ينوى إنتاجه عن توفيق الحكيم بعنوان «الحكيم بخيلا»، وبالطبع لم يتم تنفيذه بسبب وفاته، ولعل من أهم المعارك والمواقف التى مر بها عندما تم تأميم السينما وأنشئت مؤسسة السينما تحت رعاية الدولة، وفى هذه الفترة تم اختياره مديرًا للشركة التى أسستها المؤسسة، وأجبروه على بيع أفلامه التى أنتجها فى شركته الخاصة بدعوى عدم تعارض المصالح، والمؤلم أنه تم شراؤها بثمن بخس، بل ووضعت عليه ضرائب ظل يدفعها لفترة طويلة، وفى سبيل استرداد حقه ظل يحاول مع كل رجال السلطة مثل عبد القادر حاتم الذى كان وراء ما حدث له، وثروت عكاشة وزير الثقافة الذى كان متعاطفًا معه ولكنه لم يستطع أن ينصفه، وصلاح نصر مدير المخابرات فى ذلك الوقت والذى أرسل له خطابًا طويلًا يحكى له فيه ما حدث معه ويطلب منه رفع الظلم عنه. الكتاب فى حقيقته ليس سيرة ذاتية فقط ولكنه من خلاله يُقدم الكاتب سيرة لما حدث فى صناعة السينما قبل ثورة يوليو وبعدها، فمن خلال حياة رفلة يلقى نظرة فاحصة لتاريخ السينما فى عهدين، ويروى بالتفصيل حكاية مؤسسة السينما ولماذا خسرت؟ ومن كان وراء ذلك؟ وكيف أديرت بواسطة ضباط صغار كان همهم الأول التحكم والتسلط حتى على حساب كرامة النجوم الكبار، وينشر الكتاب جانبًا من التحقيقات التى أجريت بسبب الفساد الذى أديرت به المؤسسة واستجواب مجلس الشعب عنها فى السبعينيات حتى تم إلغاؤها، حاول رفلة ألا يتوقف عن الإنتاج وعاد بعد إلغاء المؤسسة ورفع يد الدولة عن السينما ولكن التألق والبريق كان خافتًا عن بعض أفلامه فى هذه الفترة، ولم يستطع أن ينتج أفلامًا بالقيمة الفنية كما فى أفلامه السابقة خاصة الأفلام الغنائية والتى كان مولعًا بها ومتأثرًا فى صناعتها سواء فى التأليف أو الإخراج أو الإنتاج بمسرح الفودفيل الفرنسى، وبسبب ما حدث له وتأميم شركته.
هاجرت أسرته إلى كندا وظل هو مصرًا على إكمال مسيرته الفنية فى مصر التى ظل عاشقًا لها ودفن بأرضها رغم وفاته المفاجئ فى فرنسا، الكتاب يصعب تلخيصه ففيه العديد من الوقائع والمواقف والحكايات التى تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ السينما المصرية، ومن خلالها استطاع جرجس أن يضئ مساحات عن علاقة السينما بالسياسة خاصة بعد ثورة يوليو، وهى حقًا سيرة بلا ماكياج لرفلة وللسينما المصرية.







