الجمعة 9 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كيف تعود «قبضة الدولة» بدون «فاشية جديدة»؟

كيف تعود «قبضة الدولة» بدون «فاشية جديدة»؟
كيف تعود «قبضة الدولة» بدون «فاشية جديدة»؟


 
جدل كبير تثيره تصريحات وتلميحات مرشحى الرئاسة حول دور الدولة خلال الفترة المقبلة.. فالكل يتمنى عودة قبضة الدولة، لكن دون فاشية جديدة أيا كان نوعها، فكيف يتحقق ذلك؟! سؤال يزعج الرأى العام ويحتاج إلى رد دقيق عليه، ونحن اهتممنا بذلك، خاصة أن علامات الاستفهام تتزايد مع الوقت، والإجابات غير الدقيقة فى بعض النقاط تضاعف القلق، فنحن نريد قبضة رادعة للدولة فى ملف الأمن لتعيد الاستقرار وتواجه الانفلات والإرهاب، لكن دون قمع وتعنت، حتى لا أمنح أعداء مصر هدية على طبق من ماس لاستمرار بل توطين الفوضى، وأيضا كلنا نحلم بقبضة مفكرة ومبدعة للدولة لتنعش الاقتصاد، لكن دون عودة لاقتصاديات قديمة عفت عليها كل الأزمنة!
 
الحديث عن «قبضة الدولة» بالتأكيد لن يكون فى الأمن والاقتصاد فقط، لكنهما الأكثر إلحاحا على كل مصرى، لذلك ركزت على إبرازهما، إلا أن النقاش حول «دور الدولة» أكثر اتساعا، فكل المصريين والعرب وحلفاؤنا يتمنون عودة الدولة المصرية العتية، بينما المعضلة هنا أن «معاناتنا» من دولة مبارك ودولة مرسى، بل حتى دولة ناصر ودولة السادات، جعلتنا نفكر ألف مرة فى شكل الدولة التى يتحدث عنها كل مرشح، خاصة أن السيسى وصباحى يتفقان بشكل ما فى الدور الشمولى للدولة فى كل شىء حتى التفاصيل الدقيقة جدا، بما فيها لمبات «السيسى» الموفرة ومعونة «صباحى» للفلاحين المعدمين، ولن نغرق هنا فى تفاصيل عدم واقعية بعض الحلول التى يقدمها صباحى خاصة فى خلفيتها التمويلية، أو عدم دقة بعض الحلول التى يطرحها «السيسى» علينا!
 
النموذج الذى يريده المصريون لدولتهم فى الفترة المقبلة يجمع بين الشدة فى الملفات الملحة جدا، والمرونة فى الملفات طويلة الأجل، ويدرك أغلبية المصريين أننا ليس لدينا رفاهية الوقت والاختيار، خاصة أننا نواجه سيناريوهات سوداء، إلا أنهم يرفضون العودة لأى قمع مهما كانت الأسباب، والتصدى لأى تجاوزات، وإعمال القانون، ومكافحة حقيقية لا دعائية للفساد وفى مقدمته «الفساد الصغير» الذى انتشر بشكل فادح، ومحاصرة «الفساد الكبير» الذى تراجع لسقوط أباطرته ورعب الباقى التى تركز العيون عليهم طيلة السنوات الأخيرة!
 
وطبعا فى إطار نموذج «السيسى» أو «صباحى» للدولة المتدخلة فى كل شىء، سيكون للحاشية دور كبير، وبالتأكيد القلق الشعبى والنخبوى والسيادى من الحاشية ضخم جدا، فلن تتكرر سقطات «ناصر» التى تسببت فى «مراكز القوى» و«النكسة» وانحراف ثورة 52 عن مسارها الحقيقى فى دعم الفقراء، ولن يسمح المصريون باستمرار ضربات الانفتاح الساداتى «السداح مداح» للمجتمع المصرى التى لاتزال تعصف به موجاتها حتى الآن، ولن ينسى أى أحد السلبيات الكارثية لطول فترة حكم مبارك التى سندفع ثمنها لسنين قادمة، بعدما تفحشت الحاشية، ولن نغفر لأنفسنا أبدا أننا سمحنا لهذا «المعزول» أن يدنس بعشيرته الساحة المصرية!
 
فما بين «مراكز ناصر» و«انفتاح السادات» و«اختفاء مبارك» و«عشيرة مرسى» عانى المصريون طوال أكثر من 60 عاما من «حاشيات» حاكمة ما أنزل الله بها من سلطان، تأكل مال النبى كما يقال، ولا تنظر أبدا فى مصلحة قومية، فالأهم على طول الخط «الشخصية».. لذلك الكل واثق من أن الشعب المصرى لن يسمح لأى أحد بأن يطغى بحاشيته، خاصة أن الرئيس القادم لن تطول مدته عن الـ 8 سنوات على فترتين! لكننا ليست عندنا رفاهية الخطأ والتعويض، فنحن على حافة الهاوية، إن لم نكن قد سقطنا فيها بالفعل، ويجب الخروج منها الآن، وإلا فلا!
 
بالتأكيد سيكون الشعب كله مراقبا لهذه الحاشية، خاصة أن الاختيارات العلنية على الأقل لاتزال متخبطة وغير مريحة أو مبشرة بالمرة على صعيد المرشحين، فلا يمكن أن يختفى أعضاء حملة السيسى وصباحى بهذه الطريقة فى عز مولد الحملات، ويبرروا هذا بالانشغال والارتباك، فمن الأمثلة المستفزة أن المتحدث الرسمى باسم حملة «السيسى» عبدالله المغازى الذى كان يرد على موبايله حتى قبل أن يرن، يغلق تليفونه الآن! والمتحدث الرسمى باسم حملة «صباحى» معصوم مرزوقى مشغول دائما! وكل مفكرى الحملتين مختفون، وكأنهما حملتان فى دولة أخرى، وعمرو موسى لا تجده إلا معلقا على هاشتاج «تحيا مصر»، و«محمد العدل» يهاجم السيسى للهجوم فقط، وقلده «صباحى» الآن بهجومه المتواصل على «السيسى» خاصة فى دعوته للمناظرة، بينما «السيسى» قدر نزول «صباحى» للمعركة الانتخابية!
 
وكان واضحا أن حملة «صباحى» تعانى وتدرك مدى التأثير الضار على مرشحها من كونه ليس «رجل دولة» فى مواجهة «رجل دولة»، فقال على «السيسى» إنه كان يضرب لمرسى تعظيم سلام، ومن حق حملة «صباحى» أن تتخوف من أثر افتقاد «صباحى» لتوصيف «رجل الدولة» رغم أنها ترى أن نضاله 40 عاما كاف كبديل، لأن أغلبية المصريين يهتمون جدا بـ«رجل الدولة» رغم أن البعض يقول إن «مرسى» فاز فى مواجهة «شفيق» رجل الدولة، إلا أن المعارضين لهذا الرأى يردون بتذكير أصحاب الرأى الآخر بالتشكيك فى نتائج هذه الانتخابات التى تنظر المحاكم قضية تزويرها حتى الآن، وبالتالى هى ليست مثالا يضرب به خاصة أن أجواءها كانت استثنائية!
 
والمزاج المصرى يميل الآن لاختيار «رجل الدولة» رغم الانتقادات التى وجهت للسيسى فى عدم عرضه لبرنامجه الاقتصادى الإنقاذى لمصر، بالذات التمويل والصناعة وتطوير التعليم الشامل بكل محاوره «التلميذ والمنهج والمعلم»، ومن الضرورى أن يعالج «السيسى» هذه الأخطاء معتمدا على المختصين، وألا تهتم حملته فقط بالهجوم على من يوجه له الأسئلة، وأعرف أن هناك حالة طوارئ فى الحملتين وبالذات للسيسى لتقديم صورة أفضل لمرشحهم فى طلته الثانية، فيما تركز حملة «صباحى» على المناظرة لإشغال حملة السيسى والرأى العام بها، حيث يتصورون أن هذه المناظرة ستضر السيسى وتفيد مرشحهم، وتحقق لهم الحلم البعيد بالوصول للاتحادية!
 
الأهم من مناورة «المناظرة» هو التركيز على عناصر الدولة الحاكمة فى برنامج كل مرشح، خاصة أن السؤال الملح الآن: كيف تكون الدولة قوية، وقادرة على حلول فورية لأزماتنا الكارثية فى إطار الصلاحيات الدستورية المقلصة للرئيس فى مواجهة البرلمان؟! وهناك عدة سيناريوهات للتحرك فى هذا النطاق، إما الصفقات الانتخابية والسياسية حتى يسيطر الرئيس بشكل ما على البرلمان من خلال الائتلافات والتحالفات الحزبية والسياسية والشبابية التى تقف وراءه الآن، أو سقوط مصر فى بعض فترات المواجهات بين الرئيس والبرلمان، وبالتأكيد هذا سيؤخر خروجنا من الأزمة التى نعانى منها، وبالتالى يجب أن نضع هذا فى مخيلتنا، ونحن نختار الرئيس فى الانتخابات الرئاسية، وبعدها نواب البرلمان فى الانتخابات البرلمانية، فعلينا أن نختارهم من تيار سياسى متقارب قادر على التفاهم فيما بينهم، لكن مع وجود معارضة قوية أيضا حتى لا نسقط فى يد تيار واحد، رغم أن الفترة الرئاسية المرتقبة تحتاج استقرارا ما لاستثنائيتها!
 
«السيسى» قال صراحة إنه مضطر إلى أن يدخل الدولة فى كل شىء، لكن عليه تعويض ذلك بنظام اقتصادى مرن لا يقلق الاستثمار المحلى والعربى والأجنبى، من دور الدولة المتعاظم، خاصة أنه مهتم بالتجربة الناصرية، و«صباحى» يتصور أن التقليد التام لناصر هو الحل، وعليهما أن يدركا أن العودة للدولة القابضة مهمة، لكن دون تقليد أو الرجوع لآليات قديمة تربك اقتصاديات السوق الحالية محليا وعالميا!
 
وفى هذا السياق يجب أن نسجل قلقنا من دور السلفيين فى «دولة السيسى» خاصة أنه سيعتمد على الدعم الخليجى لإنعاش الاقتصاد به، فلن نسمح بأن نقضى على الإخوان ليأتى بديلهم السلفى، وعلى الجانب الآخر يهادن «صباحى» أحيانا الإخوان رغم تصريحه الأخير أنه لا حزب ولا جماعة للإخوان فى عصره، وهذا هو التصريح الذى انفردت بنشره الأسبوع الماضى كرد على عرض «إخوان تونس» السخى لحمدين بدعم مالى ولوجستى وسياسى، فى وقت كان يغازل فيه صباحى الإخوان بالسماح لهم برفع شعارهم الربعاوى، بالإضافة إلى اعتماده على بعض الموتورين المحسوبين على الشباب الثورى من نوعية الاشتراكيين الثوريين الذين يصرون على هدم أطلال الدولة المصرية!
 
وكان من المفروض أن نسمع على لسان «السيسى» و«صباحى» ردودا قوية على افتعال السودانيين أزمة فى انتهاك السيادة المصرية لحلايب، وترديد إسرائيل شائعات حول شراء مصر الغاز الطبيعى الذى تنهبه من حقل متوسطى فى حدودنا الاقتصادية، لكن صمت الكل، وهذا طبعا له مردود سلبى على شكل الدولة، إما فى عهد «السيسى» أو «حمدين».. فيجب أن تكونوا متيقظين لذلك!