بعضهم يسعى لاستثمار التأثير فى محاولة التثوير:
خوارزميات صناعة الأزمات!
عبدالله رامى
لست ساحرًا أو من هواة التنجيم.. لكنك إذا فتحت «تيك توك» أو «فيسبوك» أو حتى «إكس»، سترى خلال ساعات قليلة: -فيديو لسيدة تبكى من الفقر
-منشورًا عن فساد إدارى مزعوم
-حالة غضب شعبى على الأسعار
-قصة جريمة بشعة فى إحدى المحافظات
مقاطع تسخر من التعليم، والصحة، والمرور، والسياسة، والفن.
يعنى ببساطة.. إذا كنت ممن يصدقون ما يقال عن مصر على السوشيال ميديا، فغالبًا ستخرج بانطباع واحد:
بلد مكتئب، غاضب، غارق فى العنف، الفقر، والفساد، ولا أمل فى النجاة..
لكن هل هذه هى الحقيقة فعلًا؟ أم أن هناك عدسة رقمية تضخم كل ما هو سلبى وتسقط الضوء عن كل ما هو إيجابي؟
سنحاول (معًا) تفكيك صورة «مصر التى على السوشيال ميديا»، لنكشف كيف تسهم المنصات الرقمية فى صناعة واقع مواز، بعيد إلى حد كبير عن حقيقة الشارع المصرى.
الخوارزميات لا تحب الأخبار السعيدة!
لا أتحدث عن مؤامرات.. لكن كلمة السر فى الخوارزميات.. بحسب دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نُشرت فى مجلة Science، فإن الأخبار الكاذبة تنتشر على «إكس» أسرع بـ70 % من الأخبار الحقيقية، وغالبًا ما تكون القصص السلبية والمثيرة هى الأكثر مشاركة وتفاعلًا، بينما يتم تجاهل القصص العادية أو الإيجابية.
هذا يعنى أن الخوارزميات تفضل الجدل، الغضب، والانفعال. فهى مُبرمجة لزيادة مدة بقائنا على المنصة، ولا يوجد ما يحفز المشاهد مثل الغضب أو الصدمة.
وهكذا يتم تغذية المستخدم يوميًا بجرعة مركزة من كل ما هو كارثى، دون أن ننتبه أن هذه الصورة منحازة، وغير عادلة بالضرورة.
هناك طبعًا.. من يحاول استثمار ذلك «التأثير» فى محاولات «التثوير».. لكن ماذا عن الوجه الآخر؟ هل رأيت كم عدد المدارس والمستشفيات التى تم تطويرها فى الصعيد؟ هل مررت على تجربة حياة كريمة فى القرى؟ أو مشروع قناة السويس الجديدة؟ أو صعود مصر كقوة صناعية فى مجالات الطاقة المتجددة والنقل الكهربائي؟
للأسف، نادرًا ما تُعرض هذه الإنجازات بنفس الزخم أو التفاعل، ببساطة لأنها ليست «مثيرة» كفاية لخوارزميات السوشيال ميديا.
الاستقطاب الرقمى.. عدسة مشوهة للواقع
تشير دراسة أجراها مركز Pew Research عام 2023 إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى كمصدر رئيسى للأخبار يرتبط بارتفاع مستويات التشاؤم والقلق، لا سيما فى الدول النامية.
تقول الدراسة إن المنصات تُنتج «غرف صدى» (Echo Chambers) حيث لا يسمع المستخدم إلا ما يؤكد أفكاره المسبقة. فإذا كنت غاضبًا من الدولة، سترى كل المحتوى الذى يغذى غضبك. وإذا كنت ساخرًا من الوضع الاقتصادى، فستغرق فى موجات متتالية من النكات السوداء.
هذا الاستقطاب الرقمى يُسهم فى تشكيل وعى زائف، يُقنعك بأن رأيك هو رأى الأغلبية، وأن لا أحد سعيد أو راضٍ فى هذا البلد.
الواقع ليس ورديًا.. لكنه أيضا ليس جحيمًا
لن ننكر أن هناك أزمات اقتصادية، وتحديات حقيقية تواجهها مصر، من التضخم وارتفاع الأسعار، إلى بعض مظاهر الفساد البيروقراطى. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من أن يُختزل فى «ترند» أو «بوست ساخر».
الجريمة موجودة، لكنها لم ترتفع بشكل غير مسبوق كما يُروّج. بحسب بيانات وزارة الداخلية لعام 2024، فإن معدلات الجريمة فى مصر شهدت تراجعًا بنسبة 11 % مقارنة بالعام السابق.
الفقر موجود، لكن هناك أيضًا 4.5 مليون مواطن استفادوا من برامج الدعم النقدى مثل «تكافل وكرامة» فى 2023، وفقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعى.
البطالة موجودة، لكنها تراجعت إلى 7.1 % فى الربع الأول من 2025 حسب الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء.
هذه ليست أرقامًا ترويجية، بل بيانات موثقة تم الاستشهاد بها فى تقارير دولية ومحلية.
مشكلة التصوّر لا الواقع
فى النهاية، الصورة الذهنية التى تصنع عن مصر على السوشيال ميديا أخطر من الأزمات نفسها، لأنها تخلق حالة من الإحباط الجمعى، وتبنى حاجزًا نفسيًا بين المواطن وبلده.
المفارقة أن نفس المنصات التى تصوّر الواقع على أنه «جحيم» تُستخدم أيضًا فى الهند مثلًا لتسويق مشاريع الدولة وإنجازاتها، وفى رواندا لصناعة هوية وطنية جديدة. المسألة إذن ليست فى المنصة نفسها، بل فى الطريقة التى نستخدمها بها.
من يملك السردية؟
ليس المطلوب تزييف الواقع، ولا إنكار وجود المشكلات. المطلوب هو استعادة التوازن فى السرد. أن نُدرك أن ما نراه على «الترند» لا يُعبّر عن المجتمع كله. أن نعيد الاعتبار للقصص الصغيرة عن ناس عاديين يصنعون فرقا، بعيدا عن العناوين الدرامية.
مصر التى على السوشيال ميديا ليست مصر الحقيقية. هى نسخة مشوشة، وأحيانًا مغرضة. أما مصر الحقيقية، فهى فى الشوارع، والمدارس، والأسواق، وعيون الناس الذين لا يملكون وقتًا للتغريد، لكنهم يملكون رغبة حقيقية فى الحياة..
الناس فى الشوارع مأزومون اقتصاديًا.. لكنهم متأكدون أن الحل فى مزيد من النظام وزيادة فى الرقابة والبحث عن حلول.. وليس أبدًا فى إسقاط النظام.







