الجمعة 2 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ماذا لو حكمنا الآن عمر بن الخطاب ؟



عبدالله كمال روزاليوسف الأسبوعية  8 أغسطس 2009 12:00 ص
 

‮ ‬قبل مايزيد على ثلاثة أسابيع وصلتنى رسالة عن تزايد القمامة فى أحد الأحياء‮.. ‬شكوى عادية ومتكررة‮.. ‬لكن الطريف فى مضمونها هو أن صاحبها حمل مسئولية المشكلة على‮ (‬نظام الحكم‮) ‬برمته‮.. ‬واستعان فى التدليل على ذلك بمقولة شهيرة لأمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه‮: ‬والله لو أن ناقة عثرت فى العراق لسألنى الله عنها‮.‬

وقررت أن أناقش الفكرة‮.. ‬وهل هذه المقولة العظيمة المعبرة عن اتساع نطاق مسئولية الحاكم وصولا إلى أدق التفاصيل‮.. ‬وكلها‮.. ‬تصلح لأن تكون منهجاً‮ ‬وطريقة للحكم اليوم ؟‮.. ‬غير أن مجموعة من المسائل العامة ضغطت على أجندتى‮.. ‬فتأجل المقال إلى أن فرض نفسه من جديد‮.. ‬بسبب ما جرى فى لقاء أخير لرئيس الوزراء مع مجموعة من شباب الجامعات قبل أيام فى بورسعيد‮.


شاب،‮ ‬للدقة طالب،‮ ‬أخذ دوره فى السؤال‮.. ‬فلم‮ ‬يسأل الدكتور نظيف‮.. ‬وإن ألقى عليه مايشبه التعليق أمام زملائه‮.. ‬ذاكرا مقولة سيدنا عمر الشهيرة‮.. ‬وقال لرئيس الوزراء‮ : ‬حين‮ ‬غرق الضحايا فى حادث العبارة أنا بكيت‮.. ‬فهل أنت بكيت؟‮.. ‬وعلق الدكتور نظيف على ما قاله الشاب‮.. ‬بغض النظر عن طريقته فى طرح تعليقه التى خرجت عن سياق اللياقة الواجبة‮.. ‬ودافع رئيس الوزراء عن نزاهة الحكم‮.. ‬وعن أنه لايؤيد الفساد‮.. ‬وأن كل قضايا الفساد تحال إلى المحاكم بأمر الحكومة‮.. ‬فجهاز الرقابة الإدارية‮ - ‬مثلا‮- ‬يتبع رئيس الوزراء‮.. ‬ولم‮ ‬يتجهم وهو‮ ‬يبعد الشباب عن حالة التشاؤم‮.. ‬ويؤكد لهم‮ ‬أهمية وطنهم وإنجازاته‮.. ‬ونماذجه الناجحة‮.‬

وكما صفق الطلبة حماساً‮ ‬لجرأة زميلهم فإنهم صفقوا اقتناعا بإجابة رئيس الوزراء‮.. ‬ولكن هذا الموقف العابر الذى أخذ حجماً‮ ‬كبيراً‮ ‬من تغطيات الصفحة الأولى فى بعض الجرائد‮ ‬يعود بنا إلى المسألة التى‮ ‬يجب أن تناقش بوضوح‮: ‬هل العصر الحالى‮ ‬يمكن أن نستعيد فيه الحكم على طريقة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب‮.. ‬نموذج العدل وقدوة الحسم والتقشف؟


الدعاية للدولة الدينية


مايدفعنى إلى هذا هو أن بعض التيارات المتطرفة تستخدم تلك العبارة وما‮ ‬يماثلها للتدليل على أن نموذج الحكم فى صدر الإسلام كان عادلاً‮ ‬للغاية‮.. ‬وبالتالى فإن‮ »‬الدولة الدينية‮« ‬التى‮ ‬يسوقون نموذجها إنما تمثل للناس ترياقا ضد مايعانون منه‮.. ‬وتقول لهم إن هذه الصيغة فى الإدارة هى الأصلح‮.. ‬وهى التى‮ ‬يمكن أن تقدمها تلك التيارات إن حكمت أو بلغت السلطة بشكل أو آخر‮.‬

شاب فى مقتبل العمر حين‮ ‬يسترشد بمقولة الخليفة العظيم وهو‮ ‬يوجه ملاحظاته لرئيس الوزراء‮ ‬يفرض علينا أن نطرح تساؤلاً‮ ‬جوهرياً‮ ‬حول المعانى التى‮ ‬يؤمن بها الشباب ومن‮ ‬يمثلهم والأجيال الجديدة فيما‮ ‬يخص طريقة الحكم وتوزيع المسئوليات فى النظم الحديثة وتطبيق الديموقراطية فى العصر الحالى‮.


‮ ‬مبدئياً،‮ ‬لايمكن القول أن الطريقة التى أدار بها سيدنا عمر دولته كانت هى تلك الطريقة التى‮ ‬يجب أن تكون عليها الدولة الإسلامية فى مختلف العصور‮.. ‬ففيما بعد اغتياله‮.. ‬دارت عجلة الزمن‮.. ‬وتوالى على المسلمين خلفاء من مختلف الفئات الذين حكموا كل منهم بطريقته‮.. ‬حين كانت هناك خلافة متسعة عبر القارات‮.. ‬بحيث إنه لايمكن القول بأن طريقة هذا أو ذاك من الخلفاء والأمراء تمثل المواصفات الكاملة لطرق الحكم العادلة خاصة أن كثيراً‮ ‬منها إن لم‮ ‬يكن أغلبها‮ - ‬فيما بعد الخلفاء الراشدين‮ - ‬لم تكن عادلة بالمعنى المفهوم للعدالة‮..‬أو كانت تتميز بقدر هائل من الانفلاتات والتجاوزات التى أدت إلى تناحر المسلمين أنفسهم‮.‬
وسيدنا عمر ذاته،‮ ‬يمثل حالة خاصة جداً،‮ ‬وربما استثنائية للغاية،‮ ‬ليس فقط فى التاريخ الإسلامى وإنما فى التاريخ الإنسانى كله،‮ ‬إلى الدرجة التى دعت كاتب‮ (‬عبقرية عمر‮) (‬الأستاذ عباس محمود العقاد‮) ‬لأن‮ ‬يخصص فصلاً‮ ‬كاملاً‮ ‬فى كتابه الأشهر بعنوان‮ (‬عمر والحكومة العصرية‮) ‬قال فى مستهله‮: »‬من الحقائق التى‮ ‬يحسن ألا تغيب عنا ونحن نقدر الأبطال من ولاة العصور الغابرة أنهم أبناء عصورهم وليسوا أبناء عصورنا،‮ ‬وأننا مطالبون بأن نفهمهم فى زمانهم وليسوا هم مطالبين بأن‮ ‬يشبهونا فى زماننا‮«.


ويقول العقاد عن ابن الخطاب مدللاً‮ ‬على رؤيته‮: »‬خذ مثلا أنه وهو أقدر المالكين فى عصره كان‮ ‬يقنع بالكفاف ويلبس الكساء الغليظ‮ ‬ويهنأ أبل الصدقة‮ - ‬أى‮ ‬يداويها بالقطران‮ - ‬ويراه رسل الملوك وهو نائم على الأرض نومة الفقير المدقع وهو‮ ‬يدخل الشام فينزل عن بعيره ويخلع خفيه ويخوض الماء ومعه بعيره،‮ ‬ويسافر مع خادمه فيساوى بينهما فى المأكل والمركب والكساء‮.. ‬حاكم من حكام العصر الحديث لايصنع هذا ولايطالب بأن‮ ‬يصنعه هو وأبناء العصر الحديث على حق فيما ارتسموه لأنفسهم من السمت‮ (‬الهيئة‮) ‬والشارة لأن حاكم الأمة‮ ‬يحتاج إلى المهابة بين قومه وغيرهم من الأقوام وهذا حسن مشكور‮«.


العودة إلى الخلف


والمعنى أن لكل عصر حكامه وأساليبه‮.. ‬ولكل زمن طريقته‮.. ‬ولكل دولة منهجها فى إدارة شئونها‮.. ‬والأساس فى الاختلافات هو أن نتفق على القيم الواجب اتباعها وإن تباينت الأساليب‮.. ‬ففى كل زمان‮ ‬يسعى الناس إلى العدل‮.. ‬وفى كل وقت‮ ‬يرغب الناس فى المساواة‮.. ‬وفى كل عصر‮ ‬يريد الناس أن‮ ‬ينال الجميع حقه‮.. ‬وأن‮ ‬يخضع الحاكم إلى المساءلة‮.. ‬ولكن الطرق تتباين والأنظمة تختلف‮.. ‬والحياة تتطور‮.. ‬والمجتمعات تتبدل‮.. ‬ومع حدوث التطور فإن الطرائق تتنوع‮.. ‬ولايجوز أن نعود إلى عصور سحيقة بنفس طريقتها‮.. ‬لأن العودة قد تهدر كل شىء وبما فى ذلك العدل الذى ننشده‮.


وللتدليل على ذلك نعود إلى واقعة شهيرة فى سيرة خليفة المؤمنين العظيم‮.. ‬تلك التى تروى أن عمرا‮- ‬رضى الله عنه‮- ‬كان‮ ‬يعس فى المدينة فسمع صوت رجل وامرأة فى بيت‮.. ‬فتسور الحائط‮.. ‬فإذا رجل وامرأة عندهما زق خمر‮ (‬الزق‮ = ‬الإناء‮).. ‬فقال عمر‮: ‬ياعدو الله‮! ‬أكنت ترى أن الله‮ ‬يسترك وأنت على معصية؟ فقال الرجل‮: ‬يا أمير المؤمنين،‮ ‬أنا عصيت الله فى واحدة وأنت فى ثلاث‮.. ‬فالله‮ ‬يقول‮ (‬ولاتجسسوا‮) ‬وأنت تجسست علينا‮.. ‬والله‮ ‬يقول‮ (‬وأتوا البيوت من أبوابها‮) ‬وأنت صعدت الجدار ونزلت منه،‮ ‬والله‮ ‬يقول‮ (‬ولاتدخلوا بيوتا‮ ‬غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها‮) ‬وأنت لم تفعل ذلك‮.. ‬فقال عمر‮: ‬هل عندك من خير إن عفوت عنك 
 فقال‮: ‬نعم،‮ ‬والله لا أعود‮.. ‬فقال اذهب فقد عفوت عنك‮.‬
‮ ‬ومن المؤكد أنه لايمكن أن تطلب من أى حاكم الآن أن‮ ‬يسير فى المدينة لكى‮ ‬يعس بين الناس‮.. ‬ويعرف أحوالهم من خلال التجسس عليهم‮.. ‬كما أنه ليس من مهمة الحاكم الأكبر أن‮ ‬يتتبع إن كان الناس‮ ‬يتناولون الخمر فى بيوتهم أم لا‮.. ‬أو ماهى طبيعة الخطايا التى‮ ‬يرتكبونها‮.. ‬وحتى لو فعل وعثر على جرم فإن القانون لايعطيه الحق فى أن‮ ‬يعفو عن الناس إذا ما تعهدوا بعدم العودة إلى ما اقترفوا‮.. ‬هناك أساليب أخرى للعفو‮ ‬يحكمها الإجراء الدستورى‮.. ‬وهى صلاحية ليست متاحة للجميع‮.. ‬ولايمكن اليوم أن‮ ‬يجد حاكما أو رئيسا مواطنا فى‮ ‬غرزة‮ ‬يدخن الحشيش‮.. ‬فيقول له المواطن‮: ‬لن أعود إلى هذا‮.. ‬فيعفو عنه‮!


‮ ‬وبغض النظر عن اللجاجة والقدرة على المجادلة التى تبناها هذا الشخص فى مواجهة أمير المؤمنين‮.. ‬حين ضبطه فى هذا الوضع المخل داخل بيته‮.. ‬فإن ما قاله لايمثل مخالفة قانونية فى العصر الحالى‮.. ‬فى ضوء الإجراءات القانونية‮.. ‬بمعنى أنه لايمكن الاستناد إلى آيات القرآن فى أن‮ ‬يذهب الناس بجرمهم إن فعلوا شيئا‮.. ‬وفى العصر الحالى‮.. ‬من حق جهات القانون‮ - ‬وليس الحاكم مختصاً‮ ‬بهذا‮ - ‬أن تقوم بتتبع أحوال الناس مراقبة وتجسسا إلا إذا كان لديها إذن قانونى بهذا‮.. ‬ومن حقها أن تقتحم البيوت دون استئذان ودون تطبيق حكم الآية إن كانت النيابة العامة قد سمحت لها بذلك‮.. ‬ولايمكن أن نطلب من الشرطة تدخل إلى معاقل المجرمين عبر الأبواب المشرعة وليس من خلال عمليات الحصار والاقتحام المعروفة لكى تكتمل الأركان ولا‮ ‬يهدر المجرمون الأدلة قبل أن‮ ‬يتم إلقاء القبض عليهم‮.


مهام الرئيس


اختلفت العصور إذن‮.. ‬ومع اختلافها تباينت الطرق‮.. ‬وتعددت الأساليب‮.. ‬وتنوعت المهام‮.. ‬وقد كان خليفة المؤمنين عمر فى وضعية زمنية تفرض عليه أن‮ ‬يكون قدوة‮.. ‬وأن‮ ‬يبنى النموذج‮.. ‬وأن‮ ‬يضع التقاليد والأسس‮.. ‬مع انتقال الدين من مرحلة انتشار العقيدة إلى مرحلة بناء الدولة‮.. ‬ولكن بالتأكيد ليس على أمير الناس الآن أن‮ ‬يكون من بين مهامه أن‮ ‬يذهب خلف سور كل بيت لكى‮ ‬يعرف ما‮ ‬يدور فيه‮.. ‬فقد تشعبت وتعددت أساليب الإدارة‮.. ‬وزاد السكان‮.. ‬واتسعت الأماكن‮.. ‬وتنوعت حتى أساليب مخالفة القواعد بحيث لايقوى حاكم على أن‮ ‬يقوم بذلك بنفسه‮.


هل‮ ‬يكون على الرئيس مثلا أن‮ ‬ينهى مقابلة مع أحد رؤساء الدول‮.. ‬أو حتى‮ ‬يؤجلها لأنه قد جاءته إخبارية عن مواطن‮ ‬يسرق الدقيق فى أحد المخابز‮.. ‬فيتنكر ويسير بين الطرقات إلى أن‮ ‬يصل لمكان الواقعة‮.. ‬ومن ثم‮ ‬يضبط هذا الشخص‮.. ‬ويقيم عليه الحد؟ بالتأكيد هذا كلام خيالى‮.. ‬غير أنه كان‮ ‬يحدث فيما مضى من زمن‮.. ‬وهل‮ ‬يكون على الرئيس‮ - ‬أى رئيس‮ - ‬أن‮ ‬يسير بين الناس مثله مثلهم‮.. ‬يترجل‮.. ‬ويراه رسل الملوك فى فقر مدقع؟ من المؤكد أن هذا‮ ‬غير مقبول اليوم‮.. ‬بل إن الرئيس‮ - ‬أى رئيس‮ - ‬حين‮ ‬يقوم بذلك فإنه‮ ‬يعرض أمن البلد للخطر لأنه‮ ‬يعرض أمنه الشخصى للتهديد‮.. ‬وحين‮ ‬يتعرض هو للتهديد فإن استقرار البلد‮ ‬يتعرض بدوره للاهتزاز‮.. ‬ويكون مخلا بمسئولياته لو أنه فعل‮.‬
وقد أوقف سيدنا عمر تطبيق الحد على السارقين فى عام الرمادة‮.. ‬حين تدهورت أحوال الناس‮.. ‬وعانوا من أزمة اقتصادية بمقاييس العصر‮.. »‬وقد كان تطبيق الحد هو قطع‮ ‬يد السارق‮« ‬أمر مثل هذا لايمكن أن‮ ‬يحدث اليوم وإلا كانت فوضى‮.. ‬بمعنى أنه لايمكن تعطيل عقوبة السرقة لأن الناس تعانى من الضائقة‮.. ‬والفقر ليس مبررا لأن‮ ‬يقوم الناس بارتكاب الجريمة‮.. ‬ولو طبق هذا المبدأ اليوم فإنه‮ ‬يعنى أن‮ ‬يعم الارتباك حياة الأمة‮.. ‬وأن‮ ‬يجدها اللصوص حجة لكى‮ ‬يعيثوا فى الأرض فسادا‮.. ‬بحجة أنهم لا‮ ‬يجدون ما‮ ‬يأكلون‮.. ‬أو ما‮ ‬يسد الاحتياج وفقا لمقاييس ذلك الاحتياج‮.


إن عدد السكان فى عصر خليفة المؤمنين لم‮ ‬يكن‮ ‬يناظر أعداد السكان اليوم‮.. ‬ولا أعتقد أن الولايات الإسلامية برمتها كان إحصاؤها‮ ‬يماثل دولة إسلامية متوسطة الحجم من تلك الموجودة اليوم‮.. ‬كما أن الجرائم التى كانت ترتكب فى تلك العصور تعتبر ساذجة بمقاييس الجرائم التى تقع الآن‮.. ‬والتعقيدات فى شئون الحياة العامة أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه‮.. ‬بحيث صار تنظيم الدول‮ ‬يتطلب قدراً‮ ‬هائلاً‮ ‬من التعقيدات الموازية التى تدير شئون الناس بحكمة مختلفة عما كانت عليه‮.


الناقة والعصر


وإذا ما عدنا إلى مقولة سيدنا عمر حول الناقة التى‮ ‬يمكن أن تعثر فى العراق ويكون هو مسئولا عنها‮.. ‬حسبما قال رضى الله عنه‮.. ‬ورددها هذا الشاب فى واقعة رئيس الورزاء‮.. ‬ولايتوانى خطباء المساجد عن أن‮ ‬يرددوها فى كل‮ ‬يوم جمعة وغيره‮.. ‬ويقولون‮ (‬رضى الله عنك‮ ‬يا خليفة رسول الله‮ (‬ص‮).. ‬عدلت فرضيت وأرضيت وآمنت‮ ‬ياعمر‮).. ‬فإن علينا أن نمعن النظر فى المسألة بمزيد من التدقيق‮.. ‬حتى لا نلهث وراء أحلام بعيدة بل ومستحيلة ونكون كمن‮ ‬يطارد سرابا لن‮ ‬يأتى أبدا‮.‬
ذلك أن سيدنا عمر نفسه قد عدل خير عدل‮.. ‬ولكنه لم‮ ‬يأمن‮.. ‬إذ اغتيل فى نهاية حكمه‮.. ‬متعرضا لمؤامرة شهيرة‮.. ‬ولم‮ ‬يعد العدل هو الضمانة التى على أساسها‮ ‬يمكن أن‮ ‬يأمن أى حاكم أن التزم بالعدل‮.. ‬ففى العصر الحالى توجد أمور عديدة‮ ‬يمكن أن تجعل الحاكم‮ ‬غير آمن‮.. ‬أيا ما كان مستوى نزاهته وشفافيته‮.. ‬إذ هناك مؤامرات الدول والإرهاب‮.. ‬والأهم أن تعقيدات الحياة‮ ‬يمكن أن تدفعهم إلى أن‮ ‬يقوموا بما لا‮ ‬يمكن توقعه ضد أى مشهور‮.. ‬فما بالك بحاكم‮.‬
ثم إن الدساتير والقوانين توزع الآن المسئوليات على عناصر الإدارة وأطرافها‮.. ‬بحيث إنه لم‮ ‬يعد ممكنا للعقل أن‮ ‬يقبل أن‮ ‬يكون الحاكم‮ - ‬رئيساً‮ ‬أو ملكاً‮ ‬أو سلطاناً‮.. ‬أيا ما كان نظام الحكم‮ - ‬أن‮ ‬يقبل فكرة أن هذا الحاكم مسئول بنفسه عن عثرة ناقة أو حمار أو حادث سيارة وقع فى بقعة نائية‮.. ‬أو حتى فى مكان ملاصق لمقر حكمه‮.. ‬إذ أن الحاكم له مهام محددة‮.. ‬تشمل الخطوط الرئيسية لرسم السياسات العامة والقرارات الكبيرة والمناهج العريضة‮ ‬غير التفصيلية‮.. ‬فى حين أن هناك أطرافاً‮ ‬أخرى‮.. ‬حدد لها القانون مهامها بقدر تنوعها وتدرجها‮.


إن الحاكم الذى‮ ‬يكون مسئولا عن كل شىء ليس فقط حاكماً‮ ‬خارج قدرة احتمال المنطق‮.. ‬ولكنه أيضا‮ ‬يكون حاكما‮ ‬غير مقبول بالمقاييس الديمقراطية الحديثة‮.. ‬ويعتبر ديكتاتورا‮.. ‬نافيا لكل قيم الشراكة والتشارك فى الإدارة وتحمل مسئوليات الحكم‮.. ‬ويجعل الأمة كلها‮ ‬غير متحملة للمسئولية فى أى من مهامها‮.. ‬طالما أن هناك فرداً‮ ‬واحداً‮ ‬سوف‮ ‬ينال كل الحساب أو كل الثواب‮.. ‬ناهيك عن أنه نموذج مستحيل‮ ‬يعنى ترديد الحديث عنه أننا نريد أن نذهب بعقول الناس فى‮ ‬غياهب بعيدة وغير ممكنة‮.


توزيع المسئوليات


أنا هنا لا أريد أن أخلى مسئولية الحكام عن عديد من المشكلات وإبعادهم عن نطاق المسئوليات‮.. ‬ولكنى أريد أن أسجل مجموعة من الملاحظات التى تستوجب الانتباه ونحن نقارن بين هذه الترديدات التى تعود بنا ‮٤١ ‬قرنا إلى الوراء‮.. ‬وبين واقعنا اليوم‮.‬
فمن ناحية لايمكن الوثوق بأن مقولة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب حول مسئوليته عن الناقة التى‮ ‬يمكن أن تعثر فى العراق قد طبقت بخلاف كونه رضى الله عنه قد أعلن ما فيها من مبدأ‮ ‬يريد أن‮ ‬يطبقه على نفسه‮.. ‬وبغض النظر عن المقارنة مع العصر الحالى فإن سيدنا عمر لم تكن لديه الأدوات الكافية لكى‮ ‬يحيط ويلم بأحوال كل العباد فى جميع أسقاع الولايات الإسلامية التى كان‮ ‬يديرها‮.. ‬ومن ثم أفهم أن ما قال رضى الله عنه كان‮ ‬يقصد به إرساء المبدأ قبل أن‮ ‬يكون هدفه هو التطبيق العملى لذلك المنطق‮.‬
ومن ناحية ثانية فإن العصر الحديث قد أدى إلى نشوء أنظمة تتوزع فيها المهام ما بين السلطة المركزية والسلطات المحلية المختلفة‮.. ‬وبحيث‮ ‬يكون لكل منها مهامه‮.. ‬كل بقدره‮.. ‬وفى كثير من الدول التى تتبع النظام الفيدرالى لا‮ ‬يكون للحاكم تدخل فى شئون الولايات الخاصة كما هو الحال مثلا فى الولايات المتحدة‮.. ‬كما أننا فى مصر نسعى إلى أن تكون هناك أعباء أقل على السلطة المركزية ونحاول فك الاشتباك العتيد بين المركزية وزيادة مهام السلطات المحلية‮.. ‬لأن الناس فى المحافظات تعانى من انشغال السلطة المركزية بعيدا عن تفصيلات حياتها‮.‬
‮ ‬ومن ناحية ثالثة فإن سيدنا عمر تحدث عن أن الله هو الذى سوف‮ ‬يحاسبه عن تلك الناقة التى‮ ‬يمكن أن تكون قد عثرت فى العراق‮.. ‬فى حين أننا لايمكن أن نقبل اليوم بحاكم‮ ‬يكون حسابه عند الله وحده‮.. ‬هذه مسألة تخصه بينه وبين الله‮.. ‬ولكن فى العصر الحديث لا‮ ‬يكون مطلوبا منا انتظار أن‮ ‬يعاقب الحاكم من السماء‮.. ‬وإنما نحن نحاسبه بأساليب مختلفة من بينها التصويت فى الانتخابات‮.. ‬فمن لم‮ ‬يفلح كان أن واجهه التصويت المضاد‮.. ‬وكان أن روجع من مجلس الشعب ومن مختلف آليات المحاسبة العصرية‮.

‬وبالمثل،‮ ‬فإن الطالب الذى قال لرئيس الوزراء أنه بكى حين وقع حادث العبارة‮.. ‬فهل بكى رئيس الوزراء؟ إنما كان‮ ‬يسأل عن تعاطف لاينبغى أن‮ ‬يكون هو فقط المطلوب فى مثل تلك الكوارث الكبرى‮.. ‬إذ ما الذى سوف‮ ‬يفيدنا لو أنه بكى تعاطفا‮.. ‬وتأجل مثلا الحساب القانونى لمن ارتكب الجرم الأكبر فى الواقعة‮.. ‬تلك أو‮ ‬غيرها‮.. ‬إن ظهور المسئولين البكاة الدامعين على الشاشات‮ - ‬التى لم تكن موجودة على أى حال فى عصر سيدنا عمر‮ - ‬لن‮ ‬يكون كافيا لإعفائهم من المسئولية‮.‬
وبالتالى فإن الشاب كان‮ ‬يبحث عن معنى ليس هو المقبول فى عصر حديث‮ ‬يسود فيه القانون‮.. ‬وإن كنت أجد فى هذا الحديث فرصة مناسبة لكى أشير إلى أن الطريقة التى أديرت بها عملية المحاسبة فى كارثة العبارة مازالت تجد لدى الناس بشكل عام أصداء‮ ‬غير إيجابية‮.. ‬وحتى بعد أن دارت عجلة القانون وصدر الحكم ضد صاحب العبارة فإنهم لايقتنعون بأن ما جرى كان كافيا بالشكل الملائم‮.


إن ثقافتنا العامة،‮ ‬تلك التى‮ ‬يعبث بها بعض خطباء المنابر،‮ ‬والذين‮ ‬يقودون الناس إلى عصور‮ ‬غابرة لن تعود،‮ ‬تحتاج إلى مزيد من الانضاج والتوعية،‮ ‬وإفهام الرأى العام أن هذا النموذج الذى‮ ‬يسوق بينهم على أنه خلاصة العدل والأمان والاستقرار‮.. ‬إذا ما طبقنا الحكم على طريقة خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب‮.. ‬هو نموذج بعيد وغير قابل للتطبيق العصرى‮.. ‬بل إن تطبيقه قد‮ ‬يكون مشكلة كبيرة لأنه لا‮ ‬يتواءم إطلاقا مع متغيرات العصر وتعقيدات المجتمعات‮.