أسبوع كشف هشاشة القارة الباردة أمام التغير المناخي
موجات حر غير مسبوقة تضرب أوروبا
آلاء شوقى
موجة حر خانقة، وحرائق غابات مستعرة، وسكك حديدية تلتوى تحت وطأة الحرارة، ومستشفيات تستقبل أعدادًا متزايدة من المصابين بالإجهاد الحراري.. هكذا عاشت «أوروبا» أسبوعًا استثنائيًا، وصفه خبراء بأنه ليس مجرد حادث مناخى عابر، بل صورة مصغرة لمستقبل يفرضه التغير المناخى على القارة التى طالما ارتبطت فى الأذهان بمناخها المعتدل والبارد.
وفى مشهد غير مألوف، تجاوزت درجات الحرارة 40-45 درجة مئوية فى بعض المناطق، وسُجلت أرقام قياسية فى عدد من الدول، بينما امتدت التحذيرات الحمراء من غرب القارة إلى شرقها وجنوبها.. ولم تقتصر تداعيات موجة الحر على الصحة العامة، بل طالت شبكات النقل، والطاقة، والتعليم، والاقتصاد.
قبة حرارية
شهدت أوروبا خلال الأيام الماضية واحدة من أعنف موجات الحر فى تاريخها، بعدما تسببت -ما يعرف- بالقبة الحرارية فى احتجاز الهواء الساخن فوق مساحات واسعة من القارة، لتنكسر تباعًا الأرقام القياسية لدرجات الحرارة.
وسجلت ألمانيا أعلى درجة حرارة فى تاريخها لثلاثة أيام متتالية، حيث بلغت 41.7 درجة مئوية فى بلدة كوشن، فيما سجلت 252 محطة أرصاد درجات حرارة قياسية؛ وتجاوزت درجات الحرارة الليلية أرقامًا غير مسبوقة، إذ لم تنخفض فى بعض المناطق عن 29.4 درجة مئوية؛ ووصف جهاز الأرصاد الألمانى الموجة بأنها تاريخية.
وفى فرنسا سجلت البلاد أكثر أيامها حرارة على الإطلاق خلال شهر يونيو الماضى، بمتوسط بلغ أكثر من 30 درجة مئوية؛ بينما وصلت الحرارة إلى 43.8 درجة فى بعض المناطق، حيث أُعلنت حالة التأهب القصوى فى 58 إقليمًا، مع تحذيرات من حرائق الغابات والجفاف.
تحذيرات حمراء
وسجلت المجر 40.7 درجة مئوية قرب العاصمة بودابست؛ فيما سجلت كل من «بولندا، التشيك، سلوفاكيا، النمسا، هولندا، الدنمارك، سويسرا والمملكة المتحدة» أرقامًا قياسية جديدة خلال يونيو الماضي؛ بينما تجاوزت الحرارة حاجز 40 درجة فى عدة مدن من البلقان وأوروبا الوسطى.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث أصدرت السلطات تحذيرات حمراء فى كل من «المجر، وبولندا، ورومانيا، وصربيا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، والبوسنة والهرسك»؛ داعية السكان إلى البقاء داخل المنازل خلال ساعات الذروة.
القاتل صامت
الخسائر البشرية كانت من أبرز وجوه الأزمة؛ أعلن تيدروس أدهانوم جيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية؛ عن تسجيل أكثر من 1300 وفاة زائدة مرتبطة بموجة الحر منذ 21 يونيو الماضى فقط، مع تأثر أكثر من 150 مليون شخص فى أنحاء أوروبا.
وفى فرنسا أكدت السلطات أن موجة الحر أسهمت فى أكثر من ألف وفاة إضافية؛ بينما سجلت إسبانيا خلال يونيو الماضى ما لا يقل عن 1028 حالة وفاة مرتبطة بموجة الحر؛ وفقًا لمعهد كارلوس الثالث للصحة العامة فى مدريد.
وأكد المكتب الإقليمى الأوروبى لمنظمة الصحة العالمية؛ أن نحو 60 % من حالات الإدخال إلى المستشفيات بعد زيارات الطوارئ خلال الموجة كانت لأشخاص تجاوزوا 75 عامًا؛ موضحًا أن كثيرًا من تلك الحالات كان يمكن تجنبها بإجراءات وقائية بسيطة.
تحت الاختبار
لم تكن المستشفيات وحدها تحت الضغط، إذ كشفت موجة الحر هشاشة البنية التحتية الأوروبية أمام المناخ الجديد، وفى ألمانيا تسببت الحرارة فى التواء قضبان الترام، وانصهار أجزاء منها بمدينة لايبزيج، ما أدى إلى توقف حركة الترام؛ فيما اضطرت شرطة برلين لاستخدام مدافع المياه لتبريد التجمعات العامة.
وشهدت عدة دول، بينها «فرنسا، بلجيكا، الدنمارك والمملكة المتحدة»، تأخيرات وإلغاءات فى حركة القطارات بسبب تمدد القضبان، وتشوه طبقات الأسفلت، وتعطل أنظمة التكييف والإشارات المرورية وارتفاع حرارة الكابلات، وأغلقت العديد من المدارس فى دول عدة، واضطرت بعض المفاعلات النووية إلى خفض إنتاجها مؤقتًا بسبب ارتفاع حرارة مياه التبريد.
من جانبها، حذرت اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة؛ من أن ما يحدث اليوم ليس سوى بداية، إذ تتوقع أن تواجه شبكات النقل بين عامى «2051-2080» ما بين «10 :50» يومًا إضافيًا سنويًا تتجاوز فيها الحرارة 25 درجة مئوية، مع احتمال وصول بعض المناطق إلى نحو 200 يوم سنويًا فوق هذا المستوى، بما يهدد الطرق والجسور والسكك الحديدية، والمطارات والموانئ.
قالت تاتيانا مولتشان الأمينة التنفيذية للجنة، إن أنظمة النقل ضرورية لاستمرار المجتمعات والاقتصادات، لكن تعطيلها ستكون له عواقب دراماتيكية وخسائر مالية هائلة؛ مشددة على أن تكييف البنية التحتية مع المناخ الجديد أصبح ضرورة، وليس خيارًا.
حرائق وفيضانات
ورغم أن موجة الحر كانت العنوان الأبرز، فإنها لم تكن الظاهرة المناخية الوحيدة، ففى كرواتيا اندلعت حرائق غابات فى جزيرة «فيس» السياحية، وشارك عشرات رجال الإطفاء وعدة طائرات فى السيطرة عليها.
وفى المقابل، شهد إقليم «ألتو أديجي» الإيطالى أمطارًا غزيرة تسببت فى سيول وانهيارات أرضية، بعد هطول نحو 50 مليمترًا من الأمطار خلال ساعة واحدة فقط، ما أدى إلى إجلاء سكان وإنقاذ أشخاص حاصرتهم المياه.
طرق التكيف
وفى باريس بدأ برج إيفل ومتحف اللوفر بالإغلاق مبكرًا بسبب الطقس الحار؛ كما دعا سيباستيان ليكورنو رئيس الوزراء الفرنسي؛ إلى اجتماع خاص لمجلس الوزراء للاستعداد لمزيد من الحرارة الشديدة، بعد أن قالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إنها تتوقع بالفعل حدوث موجة أخرى فى يوليو الجاري.
ومن جانبها، نشرت شرطة «برلين» مدافع المياه لأيام متتالية، من أجل مساعدة السكان على التبريد.
وأما سكان القارة الأوروبية فلجأ بعضهم إلى النوافير العامة والبحار فى محاولة للتبريد؛ بينما قام آخرون بالحجز فى فنادق مجهزة بأجهزة التكييف هربًا من ويلات الحر.
لماذا أوروبا؟
أوضحت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية؛ أن أوروبا ترتفع حرارتها بأكثر من ضعفى المتوسط العالمى، ما يجعلها أسرع قارات العالم احترارًا، وقال جون كينيدى رئيس قسم معلومات المناخ بالمنظمة، إن موجات الحر كهذه هى تمامًا ما نتوقعه فى ظل المناخ المتغير، وخلال الخمسين عامًا الماضية ارتفعت حرارة أوروبا بنحو درجتين مئويتين، وأصبحت الظواهر الحرارية المتطرفة أكثر تكرارًا.
وتفاقمت الأزمة لأن كثيرًا من المدن الأوروبية لم تُبن للتعامل مع هذا النوع من الحرارة؛ فمعظم المبانى قديمة وصُممت للاحتفاظ بالدفء خلال الشتاء باعتبار أن أغلب دول القارة تتميز بطقس بارد، ولا تحتوى على أنظمة تبريد، كما أن أجهزة التكييف لا تزال محدودة الانتشار؛ إذ لا تتجاوز نسبتها نحو 20 % من المنازل الأوروبية، مقارنة بنحو 90 % فى الولايات المتحدة.
وعليه، رأى خبراء المناخ أن هذه البنية العمرانية، التى كانت مناسبة لعقود طويلة، أصبحت اليوم أحد عوامل زيادة المخاطر الصحية مع تسارع وتيرة الاحترار العالمي.
مجرد بروفة
الرسالة الأكثر إثارة للقلق جاءت من منظمة الصحة العالمية، التى حذرت من أن موجة الحر الحالية ليست حدثًا استثنائيًا، بقدر ما هى مؤشر على مستقبل أكثر سخونة وحرارة.
وقال الدكتور هانس هنرى كلوجه المدير الإقليمى للمنظمة فى أوروبا، إن هذه الموجة الحارة مجرد بروفة لما هو قادم، وأن موجات الحر أصبحت أزمات متكررة تزداد تواترًا وشدة؛ محذرًا من أن كل صيف تفشل فيه الدول فى الاستعداد لمثل هذه الأحداث، سيكون ثمنه مزيدًا من الأرواح.
وفى النهاية.. إن ما عاشته أوروبا خلال الأيام الماضية؛ يعد إنذارًا جديدًا بأن التغير المناخى يعيد رسم ملامح القارة التى عرفت لعقود بمناخها المعتدل؛ فالأرقام القياسية التى تحطمت والوفيات التى سُجلت والبنية التحتية التى تعطلت، والحرائق والفيضانات التى تزامنت فى الوقت نفسه، تؤكد جميعها أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت جزءًا من الواقع اليومي.











