الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

المواجهة مستمرة مع اللهو الخفى

«حيل الغش» تخترق شبكة تأمين الامتحانات

الم تعد مقولة «الحاجة أم الاختراع» مجرد حكمة قديمة، بل تحولت فى ماراثون الثانوية العامة إلى «كتالوج» يبتكر فيه الطلاب آلاف الحيل لضمان عدم ضياع أى درجة، ومع انطلاق موسم الامتحانات، يرتدى بعض الطلاب عباءة «خبراء الشفرات» ومحترفى لغة الإشارة؛ فالمسطرة قد تتحول بين أيديهم إلى موسوعة علمية مخبأة، وقطع الملابس تتبدل لتصبح ملخصات للمنهج، وصولًا إلى سماعات دقيقة بحجم حبة الأرز تزرع داخل الآذان وتنقل إليهم الإجابات.



ولم تكن امتحانات الثانوية العامة لهذا العام استثناءً من هذه القاعدة؛ فبعد مرور ساعة واحدة فقط على فتح اللجان، ضجت منصات التواصل الاجتماعى بصورٍ مسربة لورقة الأسئلة مصحوبة بإجاباتها النموذجية، فى مشهدٌ يؤكد أن «مافيا الغش» تمكنت مجددًا من اختراق الأسوار، متفوقة ولو مؤقتًا على ترسانة الإجراءات الرقابية المشددة التى فرضتها الدولة.

من جانبهم، يؤكد خبراء التربية والتعليم، فى تصريحات لـ«روزاليوسف»، أن أسباب استمرار الغش وتسريب الامتحانات لا تقتصر على الجوانب التكنولوجية أو الإجراءات التأمينية فحسب، بل تمتد إلى عوامل مجتمعية وثقافية أعمق، فى مقدمتها النظرة إلى الدرجات باعتبارها الهدف النهائى للتعليم بأى وسيلة، إلى جانب الضغوط الأسرية التى تدفع بعض الطلاب للبحث عن طرق مختصرة لتحقيق النجاح، فضلًا عن التطور المتسارع لوسائل الغش الإلكتروني.

ويرى الخبراء، أن مواجهة الظاهرة تتطلب رؤية شاملة تتجاوز تشديد الرقابة، لتشمل تطوير منظومة التقييم، وتوفير الحماية اللازمة للمراقبين داخل اللجان، وترسيخ قيم النزاهة والانضباط لدى الطلاب وأولياء الأمور، باعتبارها أحد أبرز التحديات التى لا تزال تواجه منظومة التعليم.

سباق تكنولوجى شرس

وأكد الدكتور أسامة مصطفى، خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، لـ«روزاليوسف»، أن معركة منع الغش بالامتحانات تحولت إلى سباق تكنولوجى شرس بين أدوات تخفٍ دقيقة للغاية، وأجهزة كشف متطورة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأوضح، أن وسائل الغش تجاوزت الهواتف المحمولة التقليدية لتشمل أدوات تصوير ونقل فورى متناهية الدقة، كالنظارات الذكية، والساعات، والأقلام المزودة بكاميرات خفية تنقل الأسئلة والبيانات فورًا عبر تقنيات «البلوتوث» أو شبكات الجوال.

وحذر من خطورة انتشار «سماعات النانو» اللاسلكية التى تماثل فى حجمها «حبة الأرز»، وتُوضع بعمق فى الأذن لتصبح غير مرئية، ويتم التحكم بها عبر هاتف أو شريحة إلكترونية تشبه بطاقة «الماستر كارد» تُخبأ بملابس الطالب، ورغم حظر استيرادها، تُباع بشكل غير قانونى عبر الإنترنت بأسعار تتراوح من مئات إلى آلاف الجنيهات، وتواجهها الأجهزة الأمنية بحملات مكثفة أسفرت مؤخرًا عن ضبط 92 سماعة بحوزة مروجين.

ولمواجهة هذا التطور أشار خبير أمن المعلومات، إلى استخدام الجهات المعنية آليات وتقنيات مضادة أبرزها أجهزة كشف الإشارات الذكية «T3 Shield» وهو جهاز محمول لا يتجاوز وزنه 3 كجم يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعى الطرفى «Edge AI» ويمتلك قدرة فائقة على رصد إشارات البلوتوث والواى فاى والشبكات الخلوية عن بعد لتفتيش القاعات وتحديد المصادر المشبوهة بدقة، وأيضًا التفتيش الإلكترونى المشدد الذى يعتمد على استخدام العصا الكاشفة للمعادن ونشر أجهزة التشويش داخل اللجان، إلى جانب الالتزام بالتفتيش الشخصى الدقيق للطلاب قبل السماح لهم بالدخول.

 الغش الجماعي

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عزام، خبير التكنولوجيا وأمن المعلومات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالأدوات التكنولوجية المستخدمة، بقدر ما تعكس ترسيخ «ثقافة الغش الجماعي» داخل المجتمع.

وأوضح «عزام»، أن ملاحقة الوسائل التقنية المستخدمة فى الغش لن تحقق حلًا جذريًا، لأن التكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة، فكلما نجحت الجهات المعنية فى كشف وسيلة، ظهرت أخرى أكثر تطورًا وأقل قابلية للرصد، ما يضع منظومة المكافحة فى «حلقة مفرغة» لا تنتهي.

وشدد على، أن المواجهة الحقيقية يجب أن تستهدف ثقافة الغش نفسها، وليس الوسائل التى تُستخدم فيها، داعيًا إلى إعادة هيكلة منظومة التقييم والامتحانات بما يتماشى مع النظم التعليمية الحديثة.

واقترح عددًا من الحلول، فى مقدمتها تغيير فلسفة الثانوية العامة، بحيث تصبح جزءًا من منظومة تقييم متكاملة تؤهل الطالب للالتحاق بالجامعة، بدلًا من كونها الاختبار الوحيد الذى يحدد مستقبله الأكاديمي.

كما دعا إلى تطبيق الاختبارات التكيفية (Adaptive Testing)، التى تتغير درجة صعوبتها تلقائيًا وفق مستوى الطالب وإجاباته، وهو النظام المعمول به فى العديد من الاختبارات الدولية.

وأضاف: إن التحول إلى الامتحانات الإلكترونية داخل مراكز مؤمنة، مع الاعتماد على التصحيح الإلكترونى الفورى، من شأنه تعزيز نزاهة التقييم، وتقليل التدخل البشرى، ورفع كفاءة منظومة الامتحانات.

وسيلة مشروعة

وترى الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، الخبير التربوى، أن السبب الرئيسى وراء تفشى ظاهرة الغش وتسريب الامتحانات يعود إلى ثقافة مجتمعية باتت تتعامل مع الغش باعتباره وسيلة مشروعة لتحقيق الدرجات المرتفعة، خاصة فى ظل ما تنفقه الأسر على الدروس الخصوصية، خاصة أن بعض أولياء الأمور لا يرفضون الغش، بل يشجعون أبناءهم عليه أحيانًا، ما أفقد المجتمع إحساسه بخطورة هذه الممارسات وعدم مشروعيتها. 

وأضافت: إن من يقوم بتسريب الامتحانات أو تسهيل الغش لا يشعر بالذنب، بل يجد أحيانًا دعمًا وتشجيعًا مجتمعيًا، الأمر الذى ساهم فى ترسيخ الظاهرة وتحويلها إلى سلوك مقبول لدى بعض الفئات.

وحذرت من أن الاعتياد على الغش قد ينعكس لاحقًا على سلوكيات الفرد المهنية والاجتماعية، ويضعف قيم الأمانة والالتزام، منتقدة ضعف العقوبات المطبقة على أولياء الأمور المعتدين على المعلمين، خاصة أن غياب الردع القانونى يشجع على تكرار هذه الوقائع.

 دعم الغش

وفى رؤيتها للحلول، شددت «عبد الرؤوف» على ضرورة تغيير نظرة الأسرة إلى التعليم، بحيث يصبح الهدف بناء المهارات والمعرفة لا مجرد جمع الدرجات، ومنح الأبناء حرية اختيار التخصصات التى تتناسب مع قدراتهم وميولهم بعيدًا عن ضغوط الأسر.

ووجهت رسالة إلى أولياء الأمور، بضرورة التفكير فى مستقبل أبنائهم على المدى البعيد، إذ أن تشجيع الغش ينعكس سلبًا على منظومة القيم لدى الأبناء ويضعف مفاهيم الأمانة والمسئولية، بينما يبقى النجاح الحقيقى فى تخريج إنسان صالح يؤدى عمله بكفاءة ومسئولية، بغض النظر عن نوع الكلية التى التحق بها.

 تأمين الامتحانات

ومن جانبه، أكد الدكتور محمد فتح الله، أستاذ مناهج التعليم والخبير التربوى، أنه لا توجد منظومة يمكن تأمينها بنسبة 100 %، لكن من الممكن الحد من ظاهرة الغش وتسريب الامتحانات إلى أدنى مستوى عبر الاعتماد على الحلول العلمية والتكنولوجية الحديثة.

وأوضح، أن مواجهة الغش الإلكترونى لا يجب أن تتم بقرارات إدارية فقط، بل من خلال توظيف التكنولوجيا ذاتها فى مكافحته، فوجود أنظمة عالمية متطورة تستطيع رصد محاولات الغش عبر متابعة حركة العين والرأس أثناء الامتحان، وتحديد نطاق حركة مسموح به للطالب، مع اتخاذ إجراءات تلقائية عند تجاوزه.

ورأى «فتح الله»، أن الأزمة لا ترتبط بنظام «الفرصة الواحدة» بقدر ارتباطها بغياب المنهجية العلمية فى إدارة منظومة التقييم، فالدروس الخصوصية والسناتر تمثل وسائل يلجأ إليها أولياء الأمور بشكل مشروع، بينما يمثل الغش المسار غير المشروع الذى يستغله البعض للهدف ذاته بمساعدة أطراف تمتلك أدوات تكنولوجية متطورة.

 بنوك أسئلة حقيقية

واقترح «فتح الله» الاعتماد على بنوك أسئلة حقيقية وفق مفهومها العلمى، وليس مجرد تجميع للأسئلة، باعتبارها الحل الجذرى للقضاء على التسريب والغش، إذ أن هذه المنظومة تتيح إنتاج نماذج امتحانية متعددة ومتكافئة لكل طالب، استنادًا إلى نظرية الاستجابة للمفردة IRT، بما يضمن قياس قدرات الطلاب بدقة وعدالة، حتى مع اختلاف صياغة الأسئلة ومستوياتها، ويُفقد تسريب الامتحانات وجروبات الغش جدواها.

وانتقد الخبير التربوى، آليات إعداد الامتحانات الحالية، معتبرًا أنها تتعارض مع أسس علم القياس والتقويم، خاصة أن بناء الامتحان يمر بعدة مراحل رئيسية تبدأ بصياغة السؤال وفق نواتج تعلم ومستويات معرفية محددة، بعيدًا عن الأسئلة التعجيزية أو غير المنضبطة علميًا، ثم تأمين الموقف الاختبارى من خلال الرقابة والتوثيق والإجراءات التقنية المناسبة.

 غياب التخصص 

وأرجع جانبًا من المشكلات الحالية إلى غياب التخصص، موضحًا أن بعض القائمين على إعداد وإدارة الامتحانات لا يمتلكون التدريب والخبرة الكافيين فى مجال القياس والتقويم، وهو ما يؤدى إلى وقوع أخطاء علمية تتكرر فى بعض الامتحانات الكبرى.

 الثغرات البشرية

وفى السياق ذاته، قال الدكتور محمد خليل موسى، الخبير التعليمى، إن استمرار ظهور بعض حالات تسريب الامتحانات والغش، رغم الإجراءات الأمنية والتكنولوجية المشددة، يرجع إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، فى مقدمتها الثغرات البشرية التى قد تظهر خلال مراحل إعداد الامتحانات أو نقلها وتوزيعها، إلى جانب التطور المتسارع لوسائل الغش الإلكترونى وأدوات التواصل الحديثة.

وأضاف: إن شبكات الغش المنظمة أصبحت أكثر قدرة على استغلال التكنولوجيا فى تداول المعلومات بسرعة كبيرة، فضلًا عن صعوبة إحكام السيطرة بشكل كامل على آلاف اللجان والمراقبين والطلاب فى توقيت واحد، ما يجعل بعض جوانب التنفيذ عرضة للأخطاء أو الاستغلال، مؤكدًا أن أساليب الغش تتطور أحيانًا بوتيرة أسرع من إجراءات مكافحتها، وهو ما يفرض تحديثًا مستمرًا لآليات المواجهة.

 تهديدات مباشرة

وحول الضغوط التى يتعرض لها المراقبون ورؤساء اللجان، أوضح موسى، أن بعضهم يواجه ضغوطًا نفسية واجتماعية، وأحيانًا تهديدات مباشرة، بما قد يؤثر على قدرتهم على تطبيق اللوائح بحزم. 

وشدد على أهمية توفير دعم أمنى فعال للجان التى تشهد مشكلات متكررة، وتطبيق عقوبات رادعة بحق كل من يعتدى على المراقبين أو يهددهم، إلى جانب توفير قنوات اتصال مباشرة وسريعة مع الجهات الأمنية ووزارة التربية والتعليم.

ودعا إلى منح المراقبين غطاءً قانونيًا وإداريًا واضحًا عند اتخاذ الإجراءات ضد المخالفين، مع تدريبهم على إدارة المواقف الصعبة والتعامل مع الضغوط، مؤكدًا أن المراقب الذى يشعر بالحماية يكون أكثر قدرة على فرض الانضباط وتحقيق العدالة داخل اللجان.

وأكد الخبير التعليمى، أن قضية تسريب الامتحانات والغش فى الثانوية العامة لا تقتصر على البعد الأمنى فقط، بل تمثل تحديًا تربويًا ومجتمعيًا متكاملًا، يتطلب تطوير أساليب التقييم، وتعزيز قيم النزاهة الأكاديمية، وتوفير الحماية اللازمة للمراقبين، إلى جانب رفع وعى الطلاب وأولياء الأمور بأن النجاح الحقيقى لا يتحقق بالغش، وإنما بالعلم والاجتهاد.

وبين تشديد الرقابة وتطور أساليب الغش، تبقى معركة الثانوية العامة اختبارًا مستمرًا لقدرة المنظومة التعليمية على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، فى ظل قناعة يؤكدها الخبراء بأن الحل لا يكمن فى العقاب وحده، بل فى تغيير الثقافة التى تجعل الدرجة هدفًا يفوق قيمة التعلم نفسه.