الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
لا يلعبون الكرة وكتبوا أجمل حكايات المونديال

لا يلعبون الكرة وكتبوا أجمل حكايات المونديال

قبل مباراتهم الحاسمة أمام أوزباكستان فى مونديال 2026 السبت الماضى فى مدينة أتلانتا.. فوجئ لاعبو الكونجو الديمقراطية برسالة من فيليكس تشيسكيدى رئيس بلدهم.. وفى هذه الرسالة أكد الرئيس للاعبيه أنهم لن يكونوا فى الملعب وحدهم إنما سيكون معهم أكثر من 100 مليون كونجولى بكل الحب والأمل.. فهى ليست مجرد مباراة كرة قدم؛ لكنها لحظة سيتحد فيها الجميع من أجل الكونجو.. وكان الرئيس تشيسكيدى وكل أهل الكونجو يعرفون أن منتخبهم يحتاج للفوز بهذه المباراة حتى لا يغادر المونديال.. فقد سبق له التعادل مع البرتغال ثم خسر أمام كولومبيا ولا بُدّ من الفوز على أوزباكستان.. ولهذا كان من الضرورى أن يرسل الرئيس هذه الرسالة للاعبى المنتخب قبل اللعب..



ولم تكن هذه الرسالة استثنائية فى أى شىء.. فكل رئيس أو مَلك يتمنى انتصار منتخب بلده فى هذه البطولة الكروية العالمية.. لكن العالم التفت إليها لأنه استعاد ما جرى قبل 52 سنة.. ففى مونديال ألمانيا الغربية 1974.. كانت المشاركة المونديالية الأولى للكونجو الديمقراطية التى حملت وقتها اسم زائير.. وخسرت المباراة الأولى أمام اسكتلندا بهدفين.. ومباراتها الثانية أمام يوجوسلافيا بتسعة أهداف كثانى أكبر خسارة فى تاريخ المونديال.. وقبل المباراة الثالثة أمام البرازيل.. أرسل الرئيس موبوتو رسالة للاعبين يبلغهم فيها بأنهم لو خسروا أمام البرازيل بأكثر من ثلاثة أهداف فلن يعودوا إلى كينشاسا أحياء.

وبدأت المقارنة بين رئيس ورئيس لنفس البلد ورسالة ورسالة لنفس المنتخب قبل المباراة الثالثة فى مونديال 1974 ومونديال 2026.. الرسالة الأولى كانت تهديدًا من الرئيس موبوتو بقتل لاعبيه إن خسروا بأكثر من ثلاثة أهداف.. والرسالة الثانية كانت تأكيدًا من الرئيس تشيسكيدى للاعبيه بأن الشعب كله يقف خلفهم بكل الأمل ومنتهَى الحب.. فلم يلعب منتخب الكونجو الديمقراطية فى 1990 مباراة كرة قدم لكنها كانت اللعب لمحاولة الهرب من الموت.. ورغم أنهم لم يخسروا بأكثر من ثلاثة أهداف؛ فإن الرئيس موبوتو صادَرَ ممتلكاتهم ورفض الاحتراف الخارجى لأى لاعب منهم.. ولم يلعب منتخب الكونجو الديمقراطية فى 2026 مباراة كرة قدم لكنها كانت اللعب من أجل فرحة وطن فتأهلت الكونجو الديمقراطية لدور الـ 32 بعد الفوز على أوزباكستان الذى كان فوزها المونديالى الأول فى تاريخها..

ولا يَنسَى عالم كرة القدم ومونديالها أيضًا خورخى أليساندرى رئيس تشيلى الذى تحول فى 1962 لطبيب حقيقى يعرف الأوجاع والأحزان وكل الجروح التى تستطيع كرة القدم علاجها.. وكانت الحكاية قد بدأت فى 1956 بإسناد تنظيم مونديال 1962 إلى تشيلى.. وبينما كانت تشيلى تواصل استعدادها لاستضافة المونديال؛ فوجئت فى 22 مايو 1960 بأكبر وأقوى وأطول زلزال يشهده العالم.. راح ضحيته 6 آلاف إنسان وانهار 58 ألف بيت وبات أكثر من مليونىّ إنسان بلا مأوَى.. وتهدمت 5 استادات كانت مجهزة لاستضافة المونديال ولم تبقَ سوى 3 استادات فقط.. وذهب كارلوس ديتبورن رئيس اللجنة المنظمة للمونديال لخورخى أليساندرى رئيس الجمهورية يقترح الاعتذار عن عدم استضافة المونديال وسط كل هذا الحزن والخراب.. وكان الجميع مقتنعين بضرورة ذلك إلا رئيس الجمهورية الذى رفض الاعتذار.. ووقتها قال خورخى أليساندرى إن المونديال لم يعد مجرد بطولة كروية.. إنه التحدى والأمل وإعادة البناء واستعادة الفرحة بعد كل ما جرى.. واحترم العالم كله موقف رئيس تشيلى لتعيش كرة القدم  إحدى أجمل وأرق قصص الحب والتعاطف فى تاريخها كأن العالم (الفيفا) قرر استغلال ذلك لإثبات أنه لا يزال يحتفظ بإنسانيته.. الفيفا تنازل عن كثير من شروط ومَطالب الاستضافة وقدّم مجانًا كل الاستعدادات الفنية والمال أيضًا.. دول كثيرة قررت تقديم تبرعات مالية لاتحاد الكرة فى تشيلى.. وأقيم مونديال 1962 فى ثلاثة استادات فقط فى ثلاث مدن ولم يتقدم أى منتخب بأى شكوى تخص اللعب أو التنقل أو الإقامة.. وانتصرت تشيلى واستعادت كبرياءها وحياتها وأحلامها وابتسامتها..

وإذا كان العالم قد صفق للرئيس التشيلى خورخى أليساندرى الذى أصر على استضافة مونديال 1962.. فقد صفق أيضًا بنفس الاحترام للرئيس الكولومبى بيليساريو بيتانكور حين أصر على رفض استضافة مونديال 1986.. فبعد إسناد الفيفا تنظيم هذا المونديال إلى كولومبيا فى 1974.. قرر الفيفا بعد سنوات زيادة عدد منتخبات المونديال من 16 إلى 24.. ولم يمثل ذلك أى مشكلة لإسبانيا التى استضافت مونديال 1982 بزيادة عدد المنتخبات إلى 24.. لكن رفضت كولومبيا استضافة مونديال 1986.. وأصر بيليساريو بيتانكور الذى تولى الرئاسة 1982 على الرفض رغم كل محاولات وضغوط هافيلانج رئيس الفيفا ووعود مساعدتها ماليًا وتنظيميًا.. وخاطب رئيس كولومبيا وقتها شعبه مؤكدًا أنه يتفهم فرحتهم ورغبتهم فى استضافة المونديال مثل البلدان اللاتينية أوروجواى والبرازيل وتشيلى والمكسيك والأرجنتين.. لكنه لن يسمح باستنزاف المزيد من المال فقط لإرضاء رغبة الفيفا فى زيادة عدد بلدان المونديال.. وأن الأولى تخصيص هذا المال لبناء أكثر من مستشفى ومَدرسة وبيوت لمن لا سقف لهم وأبواب.. وظلت كولومبيا حتى الآن دولة وحيدة فى العالم رفضت استضافة كأس العالم.. وتم إسناد البطولة للمكسيك..

وتبقى الحكاية الأولى التى كان بطلها خوان كامبيستجوى رئيس أوروجواى من 1927 حتى 1931.. وبعد السنة الأولى لرئاسته.. التقى الرئيس خوان بجول ريميه رئيس الفيفا الراغب والحالم فى بدء بطولة جديدة اسمها كأس العالم.. ورغم أن المونديال وقتها كان مجرد فكرة لا يصاحبها أى اهتمام كروى دولى أو صخب إعلامى.. لكن أدرك الرئيس خوان أن التاريخ الكروى سيحتفظ لأوروجواى استضافة وتنظيم المونديال الأول.. إلى جانب أنه سيكون الاحتفال اللائق بمرور 100 سنة على استقلالها.. وقرر الرئيس تحمل كل نفقات سفر منتخبات العالم إلى أوروجواى ليبدأ المونديال والحكاية الكروية الأكبر والأهم والأجمل فى العالم.