أحمد إمبابى
معركة 3 يوليو مستمرة
تقدير الموقف الاستراتيجى قبل «بيان الخلاص»
خلال 48 ساعة، ومن داخل العاصمة الجديدة، كنتُ قد حَضَرتُ حدثين الأسبوع الماضى، تتجاوز رسالتهما وجدواهما، حدودَ الزمان والمكان اللذين أقيما فيهما، ذلك أنهما جَسّدا جزءًا من المعانى التى تقوم عليها فلسفة مشروع «الدولة العصرية الحديثة»، التى تعمل عليها القيادة السياسية ما بعد ثورة 30 يونيو.. معانٍ قائمة على أهمية الحفاظ على مؤسَّسات الدولة الوطنية وتطوير وتحديث أدواتها، إلى جانب حُسن الاستثمار فى بناء الإنسان.
كانت المناسبة الأولى، هى احتفال وزارة الخارجية بمرور قرنين على تأسيسها (مائتىّ عام)، بمقر الوزارة فى العاصمة الجديدة، وهو فى حد ذاته حدث عظيم، ليس فقط كونه مُعَبرًا عن مَسيرة مؤسَّسة عريقة تمتد لعشرات السنين؛ وإنما هى عنوانٌ لمَدرسة «الدبلوماسية المصرية» الراسخة التى حملت رسالة مصر للعالم، وعمَّقت من حضورها فى دوائر تحرُّك السياسة الخارجية، بداية من الدائرة العربية والإفريقية والإسلامية، والمتوسطية والدولية، ودافعت عن مصالح مصر الخارجية وأمنها القومى.
والمناسبة الثانية، كانت تخريج الدفعة الأولى من دارسى «الأكاديمية العسكرية» للدراسات العليا والاستراتيجية، بحضور القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أشرف سالم زاهر، والتى شملت دارسين عسكريين ومدنيين، ووافدين من دول أخرى.. والواقع أنه لم يكن حدثًا بروتوكوليًا كما هو معتاد؛ وإنما محطة شاهدة على أولوية الاستثمار فى الإنسان، التى تتبناها الدولة أخيرًا، فضلاً عن مشهد التناغم الذى جسّده الدارسون كنموذج عملى، لمباراة سياسية، ما بين المؤسّسات المدنية وأجهزة الدولة، عند اتخاذ «قرار وطنى».
ونقطة التوقف هنا التى تَجمع ما حدث، ليست فيما جرى فى الحدثين من فعاليات؛ وإنما فى رسالة المكان الذى أقيما فيه، وهى «العاصمة الجديدة»، بِعَدِّها تجسيدًا لصورة التحديث داخل مؤسّسات الدولة خلال الثلاث عشرة سنة الماضية.. صحيح أن هذه ليست المرة الأولى التى أحضر فيها إلى الحى الحكومى الجديد، أو أدخل فيها الكيان العسكرى، وتحديدًا الأكاديمية العسكرية؛ فقد لبَّيْت قبل ذلك فعاليات عدة استوقفتنى خلالها الصورة العصرية والبِنية الحديثة المتطورة لمركز إدارة الدولة، لكنها تظل أيقونة لمَسار التحديث فى الدولة مع بَعد ثورة 30 يونيو.
واقع الأمر أنه قبل 13 عامًا، كان مقر العاصمة، مجرد رمال فى أرض جرداء، لم تطأها بَعد يَد العمل أو حتى أية مرافق، غير أنها أصبحت الآن واقعًا كما خُطط لها؛ لتكون مقرًا سياسيًا وإداريًا للدولة، ببِنية رقمية وتكنولوجية تساهم فى تحديث الخدمات الحكومية وميكنتها، وذلك بعد انتقال الحكومة بوزاراتها ومؤسّساتها والبرلمان إليها.. والمعنى مما نذكره أن هذه المدينة ما هى إلا جزء من ثمار العمل ما بَعد ثورة يونيو، أو بمعنى أدق، ما هى إلا انعكاسٌ لتنفيذ الدولة لاستحقاقات بيان (الخلاص من الإخوان) فى 3 يوليو 2013.
هذه حقائق يجب أن تُروَى وبينما نُحيى الذكرى الثالثة عشرة لثورة يونيو.. لكن بعيدًا عن الصورة التسويقية العصرية التى تعكسها مدينة العاصمة، عن الدولة المصرية المعاصرة؛ فإننا نتحدث هنا عن التحول الذى حدث من «شبه دولة» مأزومة داخليًا وخارجيًا، قبل 13 عامًا، إلى دولة راسخة وقادرة وصامدة فى محيطها الإقليمى المضطرب.. والواقع أنها رحلة خاضت فيها دولة «30 يونيو» العديد من المعارك الداخلية والخارجية ضد «أهل الشر» وداعميهم دفاعًا عن «الهوية والدولة».. والواقع أيضًا أن «المعركة» لا تزال حاضرة وقائمة، فالاستهداف لم ينتهِ، والتآمر لم يتوقف حتى لو اتخذ أشكالاً مختلفة.. وبالتالى التحوط والاستعداد والمواجهة يجب أن تستمر.. فكيف يكون إذن؟.
لماذا بيان 3 يوليو؟
يظل بيان 3 يوليو 2013، نقطة تحوُّل مهمة، فى مَسيرة حراك التغيير التى شهدتها مصر خلال العقدين الماضيين، ذلك أنه لم يضع فقط خارطة طريق «وطنية» لإعادة تشكيل المؤسّسات الدستورية للدولة؛ وإنما مَهَّدَ الطريق لمرحلة جديدة من عمر النظام السياسى المصرى، أو بمعنى أوضح كان نقطة البداية لانطلاقة جديدة لـ«الجمهورية»، قائمة على تعزيز قدرات مؤسّسات الدولة الوطنية، وبناء قوَى الدولة الشاملة؛ لتحقيق الحماية للهوية المصرية، ولكيان الدولة نفسها.. وهنا السؤال الذى من المهم طرحه؛ لماذا كنا فى حاجة إلى هذا البيان وتحقيق التغيير؟
ولعل الإجابة على هذا التساؤل كانت حاضرة فى بعض من نصوص بيان الثالث من يوليو، حينما أشار القائد العام للقوات المسلحة (وقتها) الفريق أول عبدالفتاح السيسي، إلى أن «القوات المسلحة، تقدّمت أكثر من مرة بتقدير موقف استراتيجى على المستوى الداخلى تتضمّن أهم التحديات والمَخاطر التى تواجه الدولة، على المستوى الأمنى والاقتصادى والسياسى والاجتماعى، دون تجاوب لتوصياتها من النظام الإخوانى الذى كان يمثله محمد مرسى.

والواقع؛ أنّ تقديرات الموقف حول الوضع الداخلى للبلاد قبل ثورة يونيو، كانت تستشعر الخطر على الثوابت المصرية، من الهوية إلى كيان الدولة نفسها، وذلك لعدة أسباب، أهمها ما يلى:
• سياسيًا؛ كان المشهد الداخلى يزداد انقسامًا يومًا بَعد يوم، بفضل ممارسات إقصائية من كوادر وأعضاء تنظيم الإخوان، تجاه خصومهم من السياسيين، ووصل حد الخصومة حتى مع رفقائهم من فصيل تيار الإسلام السياسى مثل السلفيين، وامتدت الخصومة إلى استخدام العنف والتهديد والترويع مع من يختلف مع الجماعة وممارساتها، فكان مشهد الجرائم القتل والعنف بحق المتظاهرين فى أحداث مثل «الاتحادية»، والقائد إبراهيم فى الإسكندرية، وفى عدد من المحافظات.
• أمنيًا؛ كانت حالة الانفلات الأمنى ماثلة فى الشارع المصرى، لا سيما مع انتشار السلاح وأعمال العنف فى الشارع، ما تسبب فى ارتفاع معدلات الجريمة اليومية، ووصل الأمر إلى مَخاطر يتعرض لها المواطنون فى مواطن سكنهم، والشواهد على الحالة الأمنية عديدة، منها سجلات وزارة الداخلية والشرطة فى هذا التوقيت.
• مؤسّسيًا؛ زادت حالة الاستقطاب الداخلى؛ بسبب ممارسات من الجماعة قائمة على ما أطلق عليه وقتها «أخونة الدولة»، بمعنى محاولات إصباغ نهج الجماعة على مؤسّسات الدولة الوطنية، حتى إنها دخلت فى خصومة مع أركان ومؤسّسات الدولة بفضل ممارسات إقصائية لتمكين تابعيها.. والشواهد هنا عديدة، منها استهداف السلطة القضائية، بمواقف مثل «حصار المحكمة الدستورية العليا، وتهديد قضاتها»، أو «عزل النائب العام»، بالمخالفة للقانون، والأمر نفسه فى باقى المؤسّسات.
• شعبيًا واجتماعيًا؛ ارتفاع معاناة معيشة المواطن العادى اليومية، بسبب انعدام الخدمات الأساسية، من نقص فى الطاقة والوقود والسلع الأساسية، فظهرت الطوابير بحثًا عن سلع أساسية، إلى جانب سلوكيات تُفَرِّق فيها الجماعة بين أعضائها التنظيميين، وبين عامة الشعب، إلى جانب الخصومة مع المؤسّسات الدينية، ما عزّز من حدة الانقسام المجتمعى الداخلى، التى دفعت بعض التقديرات إلى التحذير من حرب أهلية داخلية.
• اقتصاديًا؛ لم تشهد البلاد، خلال فترة حكم الجماعة، أى حراك اقتصادى؛ بل زادت المؤشرات الاقتصادية سوءًا، حتى إن مؤسّسات التصنيف الائتمانى خفضت تصنيف مصر 4 مرات فى عام، إلى جانب ارتفاع فاتورة الاقتراض الخارجى، وارتفعت نسبة الدين العام المحلى، مع ارتفاع مؤشرات أخرى مثل التضخم والبطالة، دون تقديم أى رؤى للإصلاح، فى ظل حالة عدم الاستقرار السياسى والأمنى الداخلى.
• استراتيجيًا؛ كانت هناك عديد من الممارسات التى تستهدف الأمن القومى المباشر، من بينها توطين أعضاء تنظيمات إرهابية جهادية من القاعدة وغيرها فى سيناء، مع الإفراج عن كوادر أصولية من تلك الجماعات بعفو رئاسى، رغم أنها مُدانة فى عمليات إرهابية، إلى جانب، عدم ممانعة «الجماعة» لتوطين الفلسطينيين فى سيناء، وتلك شهادة أدلى بها الرئيس الفلسطينى عباس أبو مازن، حينما أشار إلى أن «مرسى» عرض تخصيص جزء من سيناء للفلسطينيين!.
• خارجيًا؛ تراجَع الحضور المصرى، إقليميًا ودوليًا، باستثناء العلاقات مع الأطراف الموالية والداعمة لهذا التنظيم وقتها، فتوترت العلاقات المصرية مع الدائرتين العربية والإفريقية، وعلى الصعيد الأوروبى، وأدارت دول أوروبية والقوى الشرقية مثل روسيا والصين ظهرها إلى القاهرة.
والمعنى من هذا السّرد؛ أنّ المعركة التى خاضتها القوَى الوطنية وتفاعلت معها مؤسّسات الدولة الوطنية فى 30 يونيو، كانت فى الأساس معركة وجود للدولة والهوية، وليست فقط معركة مع فصيل سياسى «أفسد» فى إدارة البلاد، فجاءت ثورة يونيو وأحداثها للانتصار لهذه الثوابت، ثم واصلت طريقها لتنفيذ الاستحقاقات التى طالبت بها هذه الثورة، ونَصّ عليها بيان «3 يوليو»، ثم خاضت معركة التحديث والتطوير لأركان الدولة لتحصينها من «أهل الشر» داخليًا وخارجيًا.. والسؤال هنا؛ هل بذلك المعركة والمواجهة انتهتا؟.
التآمر لم ينتهِ
لا شك أنّ من مكاسب ثورة يونيو؛ أنها أسقطت أوراق التوت عن عورات تنظيم الإخوان، أمام الرأى العام، وأسقطت كثيرًا من أثر شعاراته الدينية وحُججه وأساليبه التى طالما استخدمها ووظفها، منذ تأسيس هذا التنظيم فى نهاية عشرينيات القرن الماضى؛ بحثًا عن مريدين ومؤيدين، غير أن إسقاط الثورة لرأس وعقل هذا التنظيم، بتفَكيكه تنظيميًا وحركيًا، والقبض ومحاكمة قياداته قانونيًا على جرائم بحق الأمن القومى، وتشتيت الهاربين منهم خارجيًا، لا يعنى أن خصومته مع الدولة المصرية وشعبها لم تنتهِ، أو أن تآمره قد انقضى.
والواقع؛ أننا لا نبالغ فى هذا التقدير، فالشواهد والدلائل حاضرة وبيّنة، والتحريض قائم وموثق، والاستهداف لم يتوقف للهوية المصرية وللدولة ومؤسّساتها.. هكذا تابَعنا لسنوات كيف دفع التنظيم بكل أجنحته وتمويلاته وأذنابه؛ لارتكاب حوادث عنف وإرهاب؛ خصوصًا ضد رجال الجيش والشرطة ورموز وطنية، إلى أن نجحت المواجهة الشاملة فى تجفيف منابع هذا الإرهاب داخليًا.. وهكذا رَصدنا على مدار السنوات الماضية، كم الاستهداف الممنهج لكل جهود حكومية تقدم، بحملات تشكيك وافتراء وتأليب للرأى العام بادعاءات منقوصة.
والمعنى هنا؛ أنّ تنظيم الإخوان سيظل المُهدِّد الرئيسى للمجتمع المصرى وجبهته الداخلية، رغم سقوطه السياسى والتنظيمى فى ثورة 30 يونيو، ذلك أن مساعى عناصره الهاربة منه خارجيًا، أو الخفية منه داخليًا؛ لم تتخلَّ فقط عن تحريضها الممنهَج ضد الدولة المصرية ومؤسّساتها؛ وإنما لم تتخلَّ عن أدبيات الجماعة الحركية فى التمكين والتغلغل المجتمعى بأقنعة تثير التعاطف المجتمعى.
هكذا- مثلاً- تابَعنا موقف التنظيم فى حرب غزة، من مزايدات تجاه الدولة المصرية؛ للحد الذى خرج فرع الإخوان فى إسرائيل «الجماعة الإسلامية»، للتظاهر أمامَ السفارة المصرية فى تل أبيب، خدمة وتفاعلاً ودعمًا لرواية الاحتلال الإسرائيلى، ضد الدولة المصرية التى كانت حائط الصد الذى أحبط كل مساعى الاحتلال لتهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية.
وبالتالى؛ فالمعركة لم تنتهِ، والأهداف التى خرج من أجلها الملايين فى 30 يونيو، وترجمها بيان 3 يوليو لا تزال حاضرة، ومن ثم المواجهة يجب أن تستمر، لاعتبارات، منها أن «تنظيم الإخوان» لم يَعد يُدار من داخل مصر، بهيكله التنظيمى الهرمى المعروف؛ وإنما بات يُدار من الخارج ومن جبهات عدة، ويتسلح فى حركته بأقنعة جديدة، من خلال الدفع بعناصر غير مرصودة أمنيًا، أو استقطاب شباب من خلال منصات التجنيد الفضائى والإلكترونى، ومن بينها الألعاب الإلكترونية، ثم توظيفها فى أعمال عدائية ضد الدولة المصرية، وهى وقائع كشفتها اعترافات بعض عناصر تنظيم «حسم» التى جرى القبض عليها من الأجهزة الأمنية فى الفترة الأخيرة.
المواجهة يجب أن تستمر؛ دفاعًا عن السرديات الوطنية، فى مواجهة الأكاذيب التى يقف خلفها شتات الإخوان فى الخارج، وحماية للهوية المصرية وحضارتها، فى مواجهة «خصومها» من الخارج، ليس الإخوان فقط؛ ولكن أيضًا من حركات ممولة تظهر بسرديات باطلة، كالتى تفعلها حركة «الأفروسنتريك» بشأن الحضارة المصرية القديمة.
بناء الإنسان والمؤسَّسات
نقطة التوقف الأخرى؛ أنه إذا كنا نتحدث عن المواجهة وآلياتها فى معركة الصمود والوجود؛ فإننا يجب أن نستحضر دروس ثورة يونيو ومبادئها واستحقاقاتها، وأهمها استحقاق «بناء الدولة الديمقراطية الحديثة»، والذى نَصّ عليه صراحة دستور 2014.
والواقع؛ أنّ التاريخ سيتوقف أمام ثلاثة مسارات أساسية لـ«دولة 30 يونيو»، بداية من مسار الحرب على الإرهاب والتطرف، ومسار تنفيذ بنود خارطة الطريق الوطنية التى نَصّ عليها بيان 3 يوليو، إلى جانب تنفيذ رؤية تنموية للإصلاح والتحديث وبناء مؤسّسات الدولة وتنمية الكادر البشرى.
وإذا كانت الدولة قد نجحت فى أول مسارين وأنجزت فى الثالث، إلا أن عملية البناء والتطوير والتحديث لقطاعات الدولة عملية مستمرة ولا تتوقف.. والمعنى هنا أن جزءًا من فلسفة المواجهة قائم على تعزيز الدولة لقدرات قواها الشاملة، ومن بين هذه القوى ما رأيته الأسبوع الماضى فى العاصمة الجديدة، بداية من الاحتفاء بإسهام وتأثير واحدة من مكونات قوى الدولة الأساسية، وهى مَدرسة الدبلوماسية العريقة.
ورسالة الاحتفاء بمرور مائتىّ عام على إنشاء وزارة الخارجية المصرية، بمقرها الجديد بالعاصمة، ما كان سوى تعبير عن مَسيرة طويلة من البناء المؤسّسي؛ لمَدرسة لها تقاليدها الراسخة وسماتها، القائمة على الرصانة والاتزان ودقة التقدير، وتدرك فى نفس الوقت أن حماية الأمن القومى لا تتحقق بالقوة الصلبة وحدها؛ بل كذلك بحسن إدارة العلاقات وبناء التوازنات ومنع الأزمات قبل تفاقمها.

المسار الثانى؛ متعلق بالاستثمار فى بناء الإنسان والكادر البشرى، ضمن استراتيجية تستهدف بناء الوعى الوطنى.. والغاية هنا؛ تقديم أفضل بناء للشخصية المصرية، بإعداد كوادر مؤهلة وقادرة على مواجهة تحديات العصر، بما فى ذلك أى تحدٍّ يستهدف الدولة ومؤسّساتها، إلى جانب استكمال مَسيرة البناء والتحديث، وتلك هى الرسالة التى جسّدها الحدث الثانى فى العاصمة الأسبوع الماضى، الخاص بتخريج أول دفعة من دارسى الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، التى جرى تشييدها بأحدث النظم التعليمية لتكون إحدى أهم قلاع الفكر الاستراتيجى وبناء الوعى الوطنى.
عقل الدولة المصرية
ومن بين مسارات تعزيز قدرات قوى الدولة الشاملة، فى مواجهة تحدياتها، كان لا بد من تعزيز قواها على المواجهة، من هذا المنطلق جاء الإعلان عن افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الأوكتاجون)،والذى يستهدف تطوير منظومة القيادة والسيطرة للقوات المسلحة، وتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة أو بمعنى أوضح «عقل مصر» الأمين.
هذا الصرح الاستراتيجى، لا تنطلق قيمته من تصميمه المعمارى الفريد والمعقد، لكنه كيان يعد الأضخم فى الشرق الأوسط، وافتتاحه دليل قاطع على قدرة مصر التنفيذية، وهندستها العسكرية الفائقة، وصمودها الاقتصادى فى تحقيق مشروعات عملاقة تعيد رسم توازنات القوى فى المنطقة.
تتجاوز أهمية الأوكتاجون كونه مجرد مقر ذكى للقيادة الاستراتيجية، فهو يمثل مركز الثقل لإدارة القيادة والسيطرة والاقتصادات، مدعومًا بأحدث تقنيات الأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعى لإدارة الأزمات جغرافيًا واستخباراتيًا.
إن هذا التدشين يبعث برسالة سياسية استراتيجية شديدة الوضوح بأن مصر قادرة على حماية مقدراتها ومستعدة دومًا للردع الشامل، ورسالة طمأنينة للحلفاء تؤكد مكانة مصركركيزة أساسية لاستقرار الشرق الأوسط، وفى الوقت ذاته، إنذار حازم وعلنى لكل من يضمر تهديدًا لأمنها القومى، مفاده أن لمصر درعًا قادرة على سحق أى تحديات بكفاءة وسرعة فائقة، ليظل الأوكتاجون الحارس الأمين لطموحات الجمهورية الجديدة.











