الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
مصطفى باشا الفقى

مصطفى باشا الفقى

اختلف ما شئت مع الدكتور مصطفى الفقى أو عليه، لكن لا أحد يمكنه إنكار أنه أستاذ فى السياسة ومثقف كبير، وشخصية تملك كاريزما الحديث والقلم، فهو بلا شك متحدث مفوه وكاتب متمكن، جاذبية أسلوبه لافتة دائمًا.



أتابع أحاديثه وكتاباته ما استطعت، وأُقدّرعزيمته القوية فى أن يظل حاضرًا ومتصلًا ومشاركًا فى الشأن العام بصرف النظر عما إذا كان يشغل منصبًا عامًا أم لا.. وتعجبنى دائمًا نظرته المتفائلة للحياة، فضلًا عن أنه من ظرفاء العصر، وإذا أتيحت لك فرصة حضور إحدى الجلسات التى تجمعه بالدكتور زاهى حواس والدكتور يحيى الفخرانى (وهما صديقاه المقربان) فإنك ستضمن بهجة مشعة ومتعة خالصة وذكاءً فى «الهجمات» و«المرتدات» بين الثلاثة.

وبعيدًا عن السياسة الجارية وأحوالها وصراعاتها وتناقضاتها.. توقفت عند مقال قصير نشره منذ أيام على صفحته الشخصية بدأ طريفًا فى مقدمته؛ حيث قال د.الفقى إنه سيبوح لنا باعتراف، وهو أنه منذ طفولته ظل مشدودًا إلى تلك السنوات من تاريخ مصر فى العصر الملكى «لأسباب شكلية» فى مقدمتها أنه كان يتمنى أن «يلبس طربوشًا ويبدو مسئولًا متعلمًا يهوى الأدب والسياسة...على خطى باشوات تلك الحقبة المثيرة».

ورغم طرافة وبراعة الاستهلال ولطف الأسلوب، فالمقال جاء حاملًا لمعانٍ تستحق التأمل، فأغلبنا – بالذات أهل الصحافة والإعلام والفن والثقافة والمشتغلين بالعمل العام – دار فى ذهنه يومًا بالتأكيد سؤال:

ما هو العصر الذى كنت أتمنى أن أعيش فيه؟ 

وهذا السؤال ليس مجرد خيال مُسَلى، لكنه يرتبط عادةً بحصيلة قراءاتك وربما بحثك، وبما رأيته وسمعته عن عصور مختلفة تجد نفسك بالفعل مشدودًا إلى أحدها أكثر من غيره، متمنيًا أن تكون منتميًا له وشاهدًا عليه ومشاركًا فيه من خلال موقع ووضع اجتماعى معين وتجد فى ذلك متعة وشغفًا.

وقد يرتبط أيضًا بمقارنات بين ما عشته فى تاريخك وحاضرك الشخصى وبين ذلك التاريخ الذى تمنيت أن تعيشه، وليس شرطًا أن يكون أحدهما أفضل من الآخر فى تقديرك، ولكن انجذابك لعصر ما قد تكون له علاقة بنوعية أحداثه وشخصياته ومظاهره التى تلمس شيئًا ما فى وجدانك وذائقتك وطبيعة شخصيتك ورغبتك فى أن تكون جزءًا مما أُحطت به خبرًا ولم تعشه.

فى الأخير فهى رحلة خيال ممتعة عبر الزمن كتب د.مصطفى الفقى طرفًا منها فى مقاله، فقد تمنى أن يكون فى العصر الملكى «أحد السياسيين القدامى الذين يجيدون الخطابة وتنعقد لهم شعبية كبيرة».. وأن يكون ذلك «تحت مظلة حزب الوفد بما له وما عليه».. وهو شغوف بالحياة «هناك» لأنه - رغم الجهل والفقر والمرض - عصر المفكرين والنواب والأئمة الشجعان، والعصر الذى أُعجب فيه بما قاله السياسى ورئيس الوزراء الشهير محمد محمود باشا متفاخرًا ومدافعًا عن نزاهته أمام خصومه: «أنا ابن من عُرض عليه العرش فأبى» فى إشارة إلى ما شاع عن والده محمود باشا سليمان من أن الإنجليز عرضوا عليه تولى الحكم بعد وفاة السلطان حسين كامل واعتذار نجله الأمير كمال الدين حسين فرفض.

و د.مصطفى مشدود لذلك العصر لأن مصر «حملت فيه شعلة التنوير» للشرق العربى والإسلامى و«ازدهرت فيه الليبرالية وتألقت الديمقراطية» و«اشتعلت الحركة الوطنية من أجل الاستقلال».

كان إذن يتمنى أن يعيش ذلك المناخ وتلك الأحداث ويشارك فيها ويتفاعل مع الأسماء التى رسمت ملامح العصر، وأسهمت فى كتابة تاريخه وقد اختار أن يكون فى نفس مجاله كسياسى وكاتب وخطيب.

وعلى اعتبار أنها لعبة ذهنية مشوقة، ولأننى أحب أن أعرف إجابات كثيرين على سؤال: ما هو العصر الذى تمنوا أن يعيشوا فيه؟

فإننى عن نفسى أقول: تمنيت أن أعيش فى عصرين.. الأربعينيات (معاصرًا للدكتور مصطفى الفقي) والستينيات. أما كيف؟ ولماذا؟.. فلذلك حديث آخر.