الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
اختلال منظومة التعليم الطبى!

ليست أزمة 52..

اختلال منظومة التعليم الطبى!

أثار التحوُّل من نظام الدراسة القديم فى كليات الطب المصرية (6 سنوات دراسة وسنة امتياز) إلى النظام الجديد (5 سنوات دراسة وسنتان امتياز) بناءً على قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 565 لسنة 2018 جدلاً غير مسبوق داخل الأوساط الطبية. انحصر الجدال فى شكل النظام وعدد سنوات الدراسة، بينما أهمل النقاش؛ مدى استعداد منظومة التعليم الطبى لتطبيق برامج تعليمية حديثة؛ تتطلب وجود موارد بشرية ومالية وتنظيمية مختلفة تمامًا عمّا هو قائم. وبالتالى؛ يكون السؤال: هل نعود إلى نظام «6+1»؟ والأدق هو السؤال عن كيفية ضمان نجاح نظام «5+2» وتحقيق أهدافه؟!



 بين نظامين

تعرف فلسفة نظام «5+2» التعليمية دوليًا باسم Integrated Curriculum، وهى تهدف إلى دمج العلوم الأساسية Basic Sciences مع العلوم الإكلينيكية Clinical Sciences فى منظومة تعليمية مرتبطة بالمُشكلة المَرَضية، وليس بالمحتوى العلمى. فى النموذج القديم «6+1»، يدرس الطالب التشريح والفسيولوجيا والكيمياء الحيوية بشكل منفصل، وفى الغالب ما تكون؛ دون أى ارتباط مباشر بحالة مَرضية واقعية، ثم ينتقل الطالب لاحقًا إلى المستشفى التعليمى؛ ليبدأ مرحلة «إعادة ربط» ما تعلمه على المستوى النظرى بالواقع العملى السريرى الطبى.

أمّا فى النظام الجديد «5+2»؛ فمن المفترض أن يبدأ الطالب منذ سنوات دراسته الأولى فى التعرض لحالات مَرضية.. ليتمكن من تعلم التشريح من خلال حالة جراحية، والفسيولوجيا من خلال تجارب عضوية حقيقية، والباثولوجى عبر حالات سريرية مباشرة، والفارماكولوجى من خلال خطة علاج واقعية. ويفترض هذا التحول؛ شرطًا أساسيًا من خلال وجود بيئة سريرية قادرة على استيعاب هذا الدمج التعليمى.

 5 تحديات

يواجه النظام الجديد «5+2» تحديات أساسية.. 

التحدى الأول: الخلل فى إعادة توزيع مقررات 6 سنوات على 5 سنوات فقط، ومع بقاء المحتوى العلمى كما هو.. وذلك يعنى التحول من تحقيق فلسفة التعليم الطبى إلى مجرد اجتياز الامتحانات. وما يترتب عليه من زيادة الاعتماد على الحفظ قصير المدى، وتراجُع الفهم المتكامل، وتحوّل الطالب من صاحب معرفة إلى مجرد مستهلك للمعلومات من أجل الاختبار.

التحدى الثانى: الفجوة بين فلسفة النظام والتطبيق العملى؛ حيث يعتمد النظام الجديد على التدريب السريرى المبكر، والتعليم فى مجموعات صغيرة، والإشراف المستمر. غير أن الواقع يشير إلى وجود تفاوت بين المستشفيات الجامعية لأن بعض الكليات تمتلك مستشفيات تعليمية كبيرة ومتعددة التخصُّصات، بينما تعتمد أخرى على مستشفيات محدودة القدرة أو مزدحمة. مما يؤدى إلى اختلاف جوهرى فى خبرات الطالب. بالإضافة إلى وجود تفاوت فى قدرات أعضاء هيئات التدريس ومهاراتهم.

التحدى الثالث: زيادة عدد كليات الطب، وبالتبعية؛ عدد الطلاب المقبولين.. بينما لم يحدث توسع مماثل فى البينية اللوجستية السريرية بالمستشفيات. وما ترتب على ذلك من التكدس فى أماكن التدريب، وانخفاض أعداد الحالات السريرية التى يتعامل معها كل طالب، وهو ما ينعكس على درجة جودة التأهيل. ولذا يجب تحديد عدد الطلاب فى كل مجموعة سريرية، وتوزيعهم على مستشفيات متعددة، وضمان حد أدنى من الإجراءات العملية لكل طالب.

والملاحَظ أنه حدث توسع سريع فى أعداد الطلاب وكليات الطب؛ دون توسع مناسب فى عدد الأسِرَّة داخل المستشفيات الجامعية، وعدد حالات التدريب التعليمى، وعدد الأطباء المشرفين القادرين على التعليم المباشر.

التحدى الرابع: اختلاف معايير التدريب السريرى سواء من مستشفى أو جامعة لأخرى. وهو تفاوت؛ يهدد قاعدة تكافؤ الفرص بين الخريجين؛ نتيجة عدم وجود معايير لقياس النتائج عبر مؤشرات مثل: عدد الإجراءات التنفيذية التى أتقنها الطالب فعليًا، ومستوى الأداء فى الاختبارات السريرية الموحدة، ونتائج امتحانات الترخيص بمزاولة مهنة لطب، ومتابعة أداء كل الخريجين. إن غياب تلك المحددات السابقة؛ يحوّل النقاش حول جودة النظام التعليمى مرتكزًا على الانطباعات وليس المعلومات المدققة، وهو ما يضعف القدرة على اتخاذ قرار إصلاحى حقيقى.

التحدى الخامس: عدم وجود تقييم مؤسَّسى معلن لقياس أثر النظام الجديد لتحديد كفاءة الخريجين، ومستوى المهارات السريرية، ورضا الطلاب، ورأى جهات التوظيف، ونتائج اختبارات ترخيص المزاولة. الأزمة هنا ليست أزمة تشريعية، وإنما مشكلة مؤسَّسية بالدرجة الأولى. ويمكن تحديدها فى الموارد المالية المحدودة المخصَّصة للتعليم الطبى. ونقص أعضاء هيئات التدريس فى مقابل زيادة أعداد الطلاب، والتفاوت الضخم فى الإمكانات بين الجامعات، والتوسع فى التطبيق بوتيرة أسرع من تطوير البنية اللوجستية للتعليم الطبى.

 مميزات «5+2» وسلبياته

يتميز نظام «5+2» بكونه دمج العلوم الأساسية مع العلوم الإكلينيكية، وبدء التدريب السريرى فى مرحلة مبكرة، وزيادة مدة الامتياز، والاعتماد على تقييم الكفاءات والمهارات بديلاً عن الحفظ والتلقين. وهى عناصر تتفق مع الاتجاهات العلمية الحديثة فى التعليم الطبى.

أمّا سلبيات نظام «5+2» فهى اعتماده على بيئة تعليمية مناسبة، وهو ما نفتقده. وهنا تتحول مزايا النظم الجديد إلى مشكلات، يفقد التدريب المبكر قيمته طالما لم تتوافر حالات سريرية كافية، ويصبح التقييم المستمر؛ عبئًا، ولا تحقق؛ زيادة مدة الامتياز أهدافها إذا لم تتضمن برامج تدريبية منظمة.

 بدائل عملية..

فى اعتقادى؛ هناك العديد من البدائل لنظام «5+2». أولها هو العودة إلى النظام القديم «6+1»، وهو ما يعنى العودة للمشكلات نفسها التى استدعت تغيير النظام من الأصل. وثانيها هو إبقاء الوضع كما هو عليه دون تطوير أو تعديل للحفاظ على استقرار النظام، ولكن تظل المشكلات قائمة وتتراكم مع مرور الوقت. وثالثها هو تطوير تطبيق نظام «5+2»، وهو بديل أكثر اتساقًا مع أهداف إصلاح التعليم الطبى لكونه يحافظ على فلسفة النظام من جانب، ويحافظ على معالجة التحديات التى ظهرت أثناء التطبيق من جانب آخر.

 حلول مقترحة..

ربما يكون الحل فى عدد من النقاط المحددة، على غرار: تشكيل لجنة طبية مستقلة لتقييم تجربة نظام «5+2» بَعد مرور عدة سنوات على تطبيقه. ومراجعة محتوى جميع المقررات الدراسية وفق منهجية علمية تهدف إلى إزالة المكرر وغير الضرورى، وربط المحتوى بالكفاءات المطلوبة. وتحديد حد أقصى لعدد الطلاب فى مجموعات التدريب السريرى، والأهم؛ ربط أعداد المقبولين فى كل كلية بقدرتها العملية التدريبة، والتوسع فى إنشاء مراكز المحاكاة الطبية، وربطها بالمناهج الدراسية؛ حتى يكتسب طالب الطب المهارات الأساسية قبل التعامل المباشر مع المَرضَى، وتوسيع قاعدة الشراكة مع المستشفيات المعتمدة للتدريب سواء من المستشفيات الجامعية التعليمية أو مستشفيات وزارة الصحة؛ بما يضمن زيادة فرص التدريب العملى، وإعداد برنامج لتأهيل أعضاء هيئة التدريس فى مجالات التعليم الطبى الحديث، وأساليب التقييم القائم على الكفاءات، والإشراف السريرى. وإنشاء نظام لقياس جودة التدريب، يعتمد على مؤشرات أداء واضحة، مثل: عدد الحالات المَرَضية المحددة التى يتعامل معها كل طالب، والإجراءات التى تم تدريبه عليها. وأخيرًا؛ يمكن نشر تقرير سنوى؛ يرصد جودة التعليم الطبى بما يُعزز الشفافية بين الكليات، ويحفز الجامعات على تحسين أدائها.

 نقطة ومن أول السطر..

الإصلاح الحقيقى ليس بتغيير عدد سنوات الدراسة؛ بل يبدأ بتغيير البيئة التعليمية، وطريقة تدريب الطلاب، ومعايير تقييمهم. والإقرار بأن جودة التدريب هى المعيار الأساسى.. هنا يتحول الجدل حول عدد السنوات إلى قضية ثانوية؛ لأننا لا نحتاج إلى طبيب دَرَسَ سنوات طويلة؛ بل إلى طبيب تَعَلمَ بصورة أفضل.