الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

موسم الاستنزاف النفسى

الامتحانات تتحول لـ«كابوس» يهدد الصحة النفسية للطلاب

تحول موسم الامتحانات كل عام إلى «موسم الاستنزاف النفسى»، فالطالب لا يواجه فيها «المناهج فقط»، بل يصارع وحشًا يدمره من الداخل يسمى «القلق والخوف» من الفشل، ولم تكن وفاة طالبة الثانوية العامة جنى هانى داخل لجنة امتحان اللغة العربية بمدينة فاقوس فى محافظة الشرقية مجرد واقعة مؤلمة هزت الرأى العام، بل أعادت فتح ملف الضغوط النفسية المصاحبة للامتحانات، والتى يعيشها آلاف الطلاب كل عام تحت وطأة الخوف من الفشل وتوقعات الأسرة والمجتمع، وفى وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الصحة النفسية للمراهقين، تتجدد التساؤلات حول حجم الضغوط التى يتعرض لها الطلاب خلال مواسم الامتحانات.



تشير بيانات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، إلى أن الصحة النفسية للمراهقين أصبحت إحدى القضايا المقلقة عالميًا، إذ يقدر أن واحدًا من كل سبعة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا يعانى من اضطراب نفسى، كما تمثل اضطرابات القلق والاكتئاب نحو 40 % من مشكلات الصحة النفسية لدى هذه الفئة العمرية، ما يجعل المراهقين أكثر عرضة للتأثر بالضغوط المختلفة، بما فى ذلك الضغوط الدراسية والمرتبطة بالامتحانات.

ويقول الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، إن الضغوط النفسية المرتبطة بالامتحانات تعد من أبرز العوامل المؤثرة على الصحة النفسية للطلاب، خاصة فى المرحلتين الإعدادية والثانوية، خاصة أنها تمثل محركًا رئيسيًا لمشاعر سلبية مثل القلق والكآبة، وقد تتطور فى بعض الحالات إلى الاكتئاب وضعف الثقة بالنفس.

وأضاف: إن هذه الضغوط تدفع بعض الطلاب إلى تكوين صورة سلبية عن ذواتهم ووصم أنفسهم بالعجز أو الفشل، ما يؤدى إلى تدنى تقدير الذات وضعف التركيز وتشتت الانتباه، وينعكس فى النهاية على مستوى التحصيل الدراسى والدرجات التى يحققها الطالب.

وأوضح، أن بعض الطلاب يكونون أكثر عرضة للانهيار النفسى أو التوتر الشديد خلال فترة الامتحانات بسبب عوامل أسرية وتربوية متعددة، من بينها البيئة الأسرية المثيرة للقلق والضغوط، وغياب الدعم النفسى والتحفيز الإيجابى، إلى جانب أساليب التنشئة الخاطئة التى تقوم على القسوة أو الإهمال أو فرض توقعات غير واقعية على الأبناء.

وأشار إلى أن تقديم الحب والاهتمام بصورة مشروطة بالحصول على درجات معينة، أو التقليل من قدرات الطالب ومقارنته المستمرة بغيره، من العوامل التى تزيد من هشاشته النفسية وتضعه تحت ضغوط تفوق قدرته على التحمل، مؤكدًا أن توقعات الأسرة المرتفعة والخوف من الفشل والمقارنات المستمرة تمثل مصادر رئيسية للضغط النفسى لدى الطلاب، خاصة عندما تكون مصحوبة بالتوبيخ أو التقليل من الجهد الذى يبذله الطالب، وهو ما يضاعف من مشاعر القلق والتوتر خلال فترة الامتحانات.

وعن المؤشرات التى تدل على أن الطالب يعانى من ضغوط نفسية تتجاوز الحدود الطبيعية، أوضح أنها تشمل القلق والتوتر المستمرين، وضعف التركيز، والأرق، والحزن أو الاكتئاب، والانطواء، والبكاء المتكرر، وفقدان الشهية أو الإفراط فى تناول المنبهات، وقد يلجأ بعض الطلاب إلى استخدام العقاقير المهدئة للتعامل مع الضغوط.

وشدد على أهمية متابعة الأسرة للحالة النفسية للأبناء خلال موسم الامتحانات، مؤكدًا أنه فى حال ظهور هذه الأعراض بشكل واضح أو مستمر، ينبغى التدخل سريعًا لطمأنة الطالب وتهدئته، وقد تستدعى بعض الحالات الاستعانة بمختص نفسى لتقديم الدعم المناسب.

أزمة متكررة

من جانبها، أكدت الدكتورة إيمان عبدالله، استشارى الإرشاد الأسرى والصحة النفسية، أن أزمة الضغوط المرتبطة بالامتحانات تتكرر كل عام، خاصة خلال موسم الثانوية العامة، موضحة أن المشكلة لا تقتصر على الامتحان أو اللجنة، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع ووسائل التواصل الاجتماعى وما تفرضه من مقارنات وضغوط ومخاوف مرتبطة بالمستقبل.

وأضافت، أن الامتحان فى الأصل وسيلة لقياس ما حصله الطالب من معرفة خلال العام الدراسى، إلا أن البعض يحوله إلى مقياس لقيمته الشخصية أو مكانته الاجتماعية، فيصبح النجاح أو التفوق مرتبطًا بقيمة الفرد فى نظر نفسه أو فى نظر المجتمع، وهو ما يخلق ضغوطًا نفسية هائلة قد تفوق قدرة الطالب على التحمل.

وأوضحت، أن المشكلة الحقيقية ليست فى المادة الدراسية نفسها، وإنما فى طريقة التعامل معها من جانب الطالب والأسرة والمدرسة، مؤكدة أن التعلم لا يتحقق فى بيئة يسودها الضغط والخوف، وأن كثيرًا من الطلاب قد ينسون ما تعلموه بعد فترة لأنهم تلقوه تحت وطأة التوتر.

وأكدت، أن أخطر ما يواجهه الطلاب هو ما أطلقت عليه «وصمة الامتحان»، حيث يتم ربط الدرجات بالقيمة الإنسانية للطالب ومستقبله بالكامل، وكأن المجموع هو المحدد الوحيد لمكانته وفرصه فى الحياة، مشددة على أن الطالب أهم بكثير من نتيجة أى امتحان، وأن الحفاظ على صحته النفسية لا يقل أهمية عن تحقيق التفوق الدراسي.

وحذرت من الأخطاء الشائعة التى يرتكبها بعض أولياء الأمور خلال فترة الامتحانات، وعلى رأسها تحويل الامتحان إلى معركة مصيرية، وإشعار الأبناء بأن مصير الأسرة بالكامل يتوقف على عدد من الدرجات، موضحة أن الطالب فى كثير من الأحيان لا يخاف من الامتحان نفسه بقدر خوفه من ردة فعل الأسرة إذا لم يحقق النتيجة المتوقعة.

وفى حديثها عن «وصمة الامتحان»، قالت إن المجتمع لا يعانى من أزمة امتحانات بقدر ما يعانى من ثقافة متوارثة تقوم على تقديس الدرجات والربط بين نوع الكلية والمكانة الاجتماعية، وهو ما يدفع بعض الطلاب إلى الشعور بأن الرسوب أو انخفاض المجموع يعنى فقدان القيمة والكرامة واحترام الآخرين.

دعم الأسرة

وأوضحت، أن الطالب الذى يدخل الامتحان وهو مثقل بالخوف من نظرة المجتمع وتوقعات الأسرة والمقارنات المستمرة، لا يكون فى أفضل حالاته الذهنية، إذ تؤدى هرمونات التوتر والقلق إلى ضعف التركيز واضطرابات النوم وفقدان الشهية وزيادة ضربات القلب وغيرها من الأعراض التى تؤثر على الأداء الدراسي.

ودعت الأسر إلى توفير بيئة مستقرة وهادئة للمذاكرة، والاهتمام بالنوم الجيد والتغذية السليمة وممارسة النشاط البدنى، وتشجيع الأبناء على بذل الجهد بدلًا من التركيز المفرط على الدرجات، مع تقبل مشاعر القلق والبكاء باعتبارها استجابات طبيعية للضغوط.

وحذرت من عبارات مثل: «صرفنا عليك كثيرًا»، و«فلان أشطر منك»، و«أنت أملنا الوحيد»، و«لو فشلت ستكون فضيحة»، مؤكدة أن مثل هذه الرسائل تهدد شعور الأبناء بالأمان النفسى وتزيد من مستويات التوتر لديهم، بينما يحتاجون فى هذه المرحلة إلى الدعم والاحتواء والثقة.

ويبقى الامتحان فى النهاية وسيلة لقياس التحصيل الدراسى، لا مقياسًا لقيمة الإنسان أو مستقبله بالكامل، ويؤكد المتخصصون أن توفير الدعم النفسى للطلاب والتخفيف من الضغوط الأسرية والمجتمعية يمثلان خط الدفاع الأول لحماية الأبناء من الآثار السلبية للقلق والتوتر خلال مواسم الامتحانات.

 

كيف تحمى أبناءك من ضغوط الامتحــانات؟

 لا تربط حبك أو تقديرك لابنك بالدرجات أو المجموع.

 

 ركز على المجهود الذى يبذله الطالب وليس النتيجة فقط.

 

 تجنب المقارنات مع الأشقاء أو الأصدقاء أو الأقارب. لا تستخدم التهديد أو العقاب كوسيلة للتحفيز.

 

 وفر بيئة هادئة ومستقرة للمذاكرة داخل المنزل.

 

 اهتم بالنوم الكافى والتغذية السليمة وممارسة نشاط بدنى خفيف.

 

 نظم الوقت وساعد ابنك على تقسيم المهام الدراسية إلى أهداف صغيرة.

 

 استمع لمخاوفه وقلقه دون سخرية أو لوم.

 تجنب عبارات مثل: «أنت أملنا الوحيد» أو «صرفنا عليك كثيرًا» أو «لو فشلت ستكون فضيحة».

  أكد له باستمرار أن قيمته لا تتحدد بدرجات الامتحان وأن الأسرة تسانده مهما كانت النتيجة.

 

متى يجب طلب المساعدة؟

 عند ظهور:

- البكاء المتكرر.

- الأرق الشديد واضطرابات النوم.

- فقدان الشهية أو الإفراط فى الأكل.

- العزلة والانطواء.

- نوبات الهلع أو ضيق التنفس.

- الشعور باليأس أو الخوف المبالغ فيه.