أسامة سلامة
حكم صادم وتشريع مطلوب
الحكم القضائى الصادر فى هذه القضية كشف عوارًا قانونيًا خطيرًا يجب أن يتداركه البرلمان على وجه السرعة. الواقعة مؤلمة والجريمة مؤكدة والحكم لا يشفى الغليل. فتاة ريفية صغيرة تزوجت من شاب من أسرة قاهرية ميسورة الحال، وبعد إنجابها مولودًا شعرت بآلام كبيرة، واكتشفت أنها مصابة بالإيدز وأن زوجها شاذ ونَقل لها المرضَ وأن أهله كانوا على علم بمرضه لذلك زوّجوه من بلد ريفى لا يعرف أحدٌ فيه حقيقة ممارساته، قامت الفتاة بإبلاغ الشرطة، وعرضت النيابة الزوجين على الطب الشرعى، وجاء التقرير يؤكد ممارسة الزوج للشذوذ وإصابته بالإيدز وأنه نَقل العَدوَى لزوجته، وجّهت النيابة له تهمتين: الأولى الإصابة الخطأ بأنه تسبب خطأ وبسبب إهماله ورعونته وعدم احترازه فى إيذاء زوجته، والثانية ممارسة الفجور والتحريض عليه. قضت محكمة أول درجة بحبس المتهم سنتين مع الشغل عن التهمتين. لم تطعن النيابة على هذا الحكم الصادم؛ بينما طعن عليه الزوج، وهو ما أدى إلى غل يد محكمة الاستئناف عن تشديد العقوبة، ولم يكن أمامها إلا تأييد الحكم فقط . الصدمة فى هذا الحكم هى أن المجرم الذى أصاب زوجته عمدًا بمرض لعين لا شفاء منه وقد يؤدى إلى وفاتها لم يعاقب سوى بالسجن عام واحد بجانب عام آخر على ممارسته الشذوذ، بينما لم تتم محاكمة الأهل الذين سهلوا له ارتكاب الجريمة. المحكمة استندت فى حكمها على نص المادة (244) من قانون العقوبات: «مَن تسبب فى جرح شخص أو إيذائه بأن كان ناشئًا عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة يعاقَب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة 200 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين».
لكن المتهم فى هذه الواقعة التى نَشرت تفاصيلها وسائل إعلام متعددة لم يكن أرعنَ أو مُهملاً؛ بل كان متعمدًا ومُدركا أنه سينقل المرضَ إلى الزوجة ومع ذلك لم يبالِ، وهو يشبه هنا مَن تسبب عمدًا فى إصابة شخص آخر بعاهة مستديمة، وهى جريمة يحاكم مرتكبها أمام محكمة الجنايات وليس الجنح. ومنعًا للتأويل والتفسيرات المتعددة للقانون وتكييف الوقائع؛ فإنّ مِثل هذه الجرائم التى يتعمد فيها شخصٌ الإضرارَ بآخرين تحتاج إلى تشريع واضح يشدد العقوبة، وأتمنى أن يتضمن هذا التشريع محاكمة ومحاسبة كل مَن ساعد مجرمًا فى القيام بفعل أدى إلى الإضرار بأحد المواطنين باعتباره شريكا له.. فى نفس السياق؛ فإن هذه القضية تفتح أيضًا ملف التحاليل الطبية التى يشترط القانون إجراءها للزوجين قبل عَقد القران، وكيفية مراقبة إصدار شهادة الخلو من الأمراض.. والسؤال كيف حصل الزوج على شهادة بخلوه من الأمراض رغم إصابته بالإيدز؟ هل تم تزويرها، أمْ أنّ التحاليل تمّت على الورق فقط دون إجرائها بالفعل؟، وهل حققت النيابة فى هذا الأمر باعتبار أن هناك شكًا فى حدوث تزوير أو تدليس؟.. نظرًا لخطورة ما حدث ولضمان عدم تكراره مطلوب تشديد عقوبة تزوير شهادات التحاليل أو إجرائها صوريًا دون كشف حقيقى، حتى تكون رادعًا لمَن يشارك فى هذه الأفعال.. فالموظف الذى يصدر الشهادة مجاملة أو مقابل رشوة دون تحليل حقيقى يشارك عمدًا أو دون قصد فى الإضرار بالناس ويُعَرّض المتزوجين حديثا لأخطار كبيرة إذا كان أحد الزوجين مصابًا بمرض مُعدٍ. على أن الإضرار بالآخرين لا يقتصر على مثل هذه الواقعة ويمتد إلى كل مَن يتسبب عمدًا فى الإضرار بصحة المواطنين وإصابتهم بأمراض خطيرة، مثل غش الأطعمة والمنتجات الغذائية عن طريق استخدام منتجات فاسدة أو إضافة مواد ضارة، ما قد يؤدى إلى الإصابة بأمراض خطيرة.. أعلم أن هناك قانونًا يعاقب مَن يقوم بهذه الأفعال لكن العقوبة ليست رادعة، فأقصى حكم هو السجن سبع سنوات، وهى التى تتناسب مع الإضرار بصحة وحياة ملايين المواطنين.
هذه الجرائم الخطيرة ومع ازدياد الأمراض فى مجتمعنا بصورة لافتة؛ ألا تستحق نظرة عاجلة من مجلس النواب حماية للمواطنين ورحمة بصحتهم.؟











