من طهاة النرويج وأطنان اللحوم الأرجنتينية إلى القهوة الأسترالى ومثلجات البرازيل
«الخلطة السرية» لتفوق المنتخبات فى كأس العالم
آلاء البدرى
فى هذه النسخة من كأس العالم برزت هوية المنتخبات بوضوح ليس فقط عبر استحضار روح حضارات الفايكينج والسامباكيس وباتاجونيا القديمة وغيرها فى احتفالات الفرق والجماهير بل أيضًا من خلال ترتيبات دقيقة داخل المعسكرات. فخطط المنتخبات لم تعد مقتصرة على تكتيكات اللعب واللياقة البدنية بل امتدت لتشمل المائدة الرياضية التى تحولت إلى جزء من استراتيجية الملعب.حيث أصبحت المنتخبات المشاركة فى المونديال تجلب أطنانا من الطعام المستورد، تستقدم الطهاة المحترفين وحتى صانعى القهوة والمثلجات وهو ما يكشف أن التغذية لم تعد تفاصيل لوجيستية عابرة بل أصبحت رمزا لهوية وطنية تدعم الأداء وتمنح اللاعبين شعورًا بالانتماء وسط المنافسة العالمية.
طهاة النرويج
اصطحب المنتخب النرويجى معه فريقا من الطهاة المحترفين بقيادة الشيف النرويجى العالمى آروم إسبيلاند بنظام ورديات مكثفة حيث يعدون أربع وجبات لستين شخصًا طوال فترة كأس العالم. ولم تترك النرويج شيئًا للصدفة فقد أحضروا معهم مخزونًا من الطعام يزيد عن 1000 كيلوجرام بما فى ذلك 300 كيلوجرام من سمك السلمون والأسماك البيضاء. هذا بالإضافة إلى 116 كيلوجرامًا من جبن برونوست وهو نوع من الجبن موطنه الأصلى الدول الاسكندنافية.
وقد أوضح رئيس الطهاة النرويجى آرون إسبيلاند أن الفريق حرص على استيراد بعض المنتجات من النرويج للحفاظ على انسجام النظام الغذائى للاعبين ومنحهم لمسة من ثقافتهم الأصلية. بينما جرى الاعتماد على المكونات المحلية لتأمين باقى الاحتياجات. وأوضح وإسبيلاند أن الاتساق الغذائى يمثل عاملًا محوريًا فى الأداء الرياضى وجزءًا أساسيًا من دعم التغذية والصحة العامة خلال البطولات المرهقة.
قهوة ومثلجات المونديال
فى حين حرصت المنتخبات مثل النرويج والبرازيل والأرجنتين واليابان وغيرها على اصطحاب ما يكفيها من الطعام المحلى لضمان الاتساق الغذائى، أولى المنتخب الأسترالى اهتمامًا خاصًا بالمزاج العام داخل المعسكر إذ اعتبر صانع القهوة الأسترالى ركنًا أساسيًا فى المنتخب الوطنى حيث قام بتحضير ما يصل إلى 80 كوبًا يوميًا للاعبين خلال مونديال قطر 2022. ورافق الفريق أيضًا إلى الولايات المتحدة هذا العام لتصبح القهوة جزءًا من الروتين النفسى والذهنى للفريق.
أما المنتخب البرازيلى فقد أضاف لمسة مختلفة إلى معسكره حيث اصطحب معه المثلجات كجزء من التكتيك الغذائى والرمزي. فالمثلجات ليست مجرد حلوى بل تستخدم كوسيلة لرفع الروح المعنوية وتخفيف الضغط النفسى فى أجواء المنافسة إضافة إلى كونها مصدرًا سريعًا للطاقة والسكر بعد التدريبات والمباريات ويأمل الفريق أن تمنحه هذه اللمسة اللذيذة بعض الحظ وتقوده إلى تحقيق اللقب السادس بعد 24 عامًا من الانتظار.
الطعام رمز ثقافي
لم تكن المرة الأولى التى تقوم فيها المنتخبات بالاهتمام بالتغذية، ففى مونديال قطر 2022 حرصت بعثات منتخبى الأرجنتين وأوروجواى ليس فقط على جلب طهاتهم لكن على جلب منتجات غذائية خاصة تعكس ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم بل وتروج لها عالميا وتضمن راحة اللاعبين حيث حملت الأرجنتين أكثر من 2,600 كج من اللحوم إضافة إلى أربع شوايات وفوجونيرو صممت خصيصا لهم من شركة محلية وذلك للحفاظ على عادة الأسادو التى تعد جزءًا أصيلًا من الهوية الأرجنتينية ولتعزيز روح الانسجام الجماعى بين اللاعبين.
أما أوروجواى، فقد جلبت نحو 900 كجم من اللحوم الوطنية وفرها المعهد الوطنى للحوم INAC بالتعاون مع الاتحاد الأوروجوانى لكرة القدم بهدف الترويج للحوم الأوروجوانية كمنتج وطنى وضمان حضورها فى النظام الغذائى اليومى للبعثة. وقد صرح رئيس الاتحاد حينها بأن الفريق سيكون سفيرًا للحوم الأوروجوانية مؤكدًا أن الكرة واللحم والماتيه وهو مشروب وطنى تراثى تشكل ثلاثية ثقافية راسخة فى البلاد. فكان الهدف هنا ترويجيًا أيضا وليس فقط حفاظا على النظام الغذائى للفريق.
أما المنتخب الأمريكى،فقد اتخذ من كأس العالم بالبرازيل عام 2014 نهجا مختلفا حيث جلب معه الشوفان وحبوب Cheerios وزبدة الفول السودانى وصلصة ستيك ايه وان الأمريكية الشهيرة، واستعان المدرب يورجن كلينسمان بشيف خاص وإخصائية تغذية لضمان إعداد الطعام من الصفر باستخدام مكونات عضوية بهدف توفير أعلى مستوى من التغذية والراحة النفسية للاعبين مع الحفاظ على مأكولات مألوفة لهم تعزز شعورهم بالاستقرار خلال البطولة.
ويؤكد الخبراء أن أسباب هذا السلوك الذى اعتبره البعض غريبا تتراوح بين الحفاظ على الروتين والاتساق وتقليل مخاطر ردود الفعل السلبية وتوفير الألفة الثقافية ومراعاة التفضيلات الشخصية. وأوضحوا أن تفسير هذه الممارسة على أنها انعدام ثقة فى النظام الغذائى للدولة المضيفة هو فهم مغلوط للغرض من التغذية عالية الأداء فالهدف ليس تقييم جودة الغذاء المحلى بل القضاء على التباين غير الضرورى أثناء المنافسة.
تكتيكات التغذية
تظهر تكتيكات التغذية والطهى فى معسكرات المنتخبات الكبرى باعتبارها جزءًا من الاستراتيجية الشاملة للأداء الرياضى حيث يوظف الطعام كأداة ثقافية وصحية فى آن واحد. فحرص طهاة المنتخب الفرنسى على الموازنة بين التقاليد الغذائية الفرنسية القائمة على البروتينات عالية الجودة والصلصات الكلاسيكية المخففة لخصائصها المضادة للالتهابات وبين الاستخدام المدروس للكربوهيدرات المعقدة المرتبطة بجداول المباريات.
ويعكس هذا النهج ذوقًا رفيعًا فى الطهى فيما يضفى اللاعبون من أصول مالية وإيفوارية ومغربية وكاميرونية وكاريبية تنوعًا ثقافيًا على المائدة عبر أطباق مثل الطاجين والياسا والتيبوديان والأكراس ليصبح المطبخ الفرنسى فى البطولة من أكثر المطابخ تميزًا.
أما المنتخب البرازيلى فيعتمد على مزيج من التأثيرات الإفريقية والبرتغالية والأمازونية حيث تعد الفيجوادا يخنة الفاصوليا السوداء ولحم الخنزير جزءًا من التراث الوطني. بينما يشكل الأرز والفاصوليا أساس كل وجبة مانحين اللاعبين مزيجًا مثاليًا من الكربوهيدرات والبروتين النباتى ويستفيد خبراء التغذية من التنوع البيولوجى للأمازون عبر إدخال الآساى الغنى بالسعرات والكوبواسو المضاد للأكسدة والجوارانا كمصدر طبيعى للكافيين إضافة إلى الفواكه الاستوائية الطازجة. وبذلك يصبح مطبخ الفريق أشبه بـسوق كبيرة مفتوحة تعكس ثراء البرازيل الغذائي.
كما تفوق طهاة المنتخب الأرجنتينى فى دمج تقاليد الباريلا مع متطلبات الرياضة عالية الكثافة حيث يتناول اللاعبون تشوريبان قبل التدريب وميلانيسا بعده ودولسى دى ليتشى لتجديد مخزون الجليكوجين. فيما يتدفق مشروب الماتيه العشبى الجماعى طوال ساعات اليوم ليعزز الروابط الاجتماعية











