الأحد 28 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
من هتلر إلى الإخوان..  الدولة لا تكرم خصومها!

صورة إخوانى على جدران البرلمان..

من هتلر إلى الإخوان.. الدولة لا تكرم خصومها!

لا أتبنى فى هذا المقال.. فكرة إنكار وقائع التاريخ أو تجاهلها أو حذفها.. الأحداث والشخصيات هى جزء من تاريخ أى دولة مهما كانت مساحة الاتفاق والاختلاف معهما، أو مهما كان التقييم السياسى والوطنى لهما، ويتبقى المعيار الرئيسى هو بيان الفرق بين التاريخ وبين رموزه واللاعبين الرئيسيين فيه، وبين إعادة إنتاج دور البعض فيه لتوثيق شرعية افتراضية لهم.



 

 الكتاتنى فى البرلمان

تشير التجارب الدولية إلى أن الدول القوية والمستقرة لا تمحو تاريخها.. ولكنها تخضعه باستمرار للتقييم ولإعادة قراءته وفقاً للحقائق والشهادات والوقائع بما يتوافق مع رؤيتها السياسية ومصالحها الاستراتيجية وهويتها الوطنية.. ومن هذا المنطلق، أرى أن استمرار عرض صور بعض الشخصيات القيادية لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية داخل مؤسساتنا التشريعية هى مشكلة تتجاوز كافة الأبعاد الإدارية والتاريخية إلى مساحة أهم.. تتعلق بالهوية الوطنية المصرية ورسائلها السياسية وثبات سرديتها الرمزية واستقرارها.

أصل المشكلة..

جوهر النقاش فى خطأ تحليلى شائع.. يختزل المشكلة فى سؤال: هل الشخص المطلوب حذف صورته أو إزالتها شغل هذا المنصب أم لا؟! الإجابة: نعم شغل هذا المنصب. ولكن ما سبق ظهو سؤال مضلل بامتياز. السؤال الحقيقى هو: هل مجرد تولى شخصية ما لمنصب.. يمنح صاحبها حق البقاء كرمز بصرى.. باعتباره ضمن القيادات الرفيعة فى الدولة؟!

على جميع المستويات الفعلية والسياسية والإدارية والحكومية.. لا توجد دولة فى العالم تتعامل مع جميع مسئوليها الذين تولى المناصب العامة العليا والرفيعة على قدم المساواة من جانب التصنيف الرمزى الذى يترتب عليه شكل من أشكال التكريم المعنوى فى الذاكرة المجتمعية. ودائماً ما تقوم كل دولة بتحديد معايير التصنيف سواء للأحداث التاريخية أو للرموز والقيادات التى تريد تصديرها وإبرازها للمجتمع. 

 جدران الحقيقة

تحفظ كل دولة تاريخها من خلال أرشيفها الوطنى الذى يحفظ كل شيء سواء بما هو متاح للتداول أو ما يصنف باعتباره سرى للغاية وأمن قومى من نجاحات وإنجازات وإخفاقات وأزمات وصراعات لشخصيات ربما تكون مثيرة للجدل. أما المؤسسات السيادية على غرار البرلمان الذى يمثل المؤسسة التشريعية.. يختلف الأمر لأن جدرانه ليست أرشيفاً، بل تمثل مساحة بصرية تعبر عما تريد الدولة أن تبرزه لمواطنيها الذين لا يتعاملون مع الموجود على تلك الجدران..  باعتباره وثيقة تاريخية، بل جزءاً من التاريخ الرسمى المعترف به لتلك المؤسسة التشريعية، وهو ما يستدعى دائماً أهمية التمييز بين الذاكرة التاريخية والشرعية البصرية الرمزية.

 حضور غيابى

الدولة الوطنية المصرية لا تحمى حدودها الجغرافية وأمنها القومى فقط، ولكنها تحمى بالأهمية نفسها، وروايتها التاريخية التى تندرج تحت تعريف ما يمكن أن نطلق عليه «الهوية البصرية الرمزية» التى يقصد بها مدى قدرة الدولة على حماية المعانى والرموز والصور البصرية التى تشكل هويتها الوطنية، وببساطة شديدة، تحمى القوات المسلحة الحدود، وتحمى الشرطة الاستقرار المجتمعى، أما الرموز والصور هى التى تحمى وعى العقل الجمعى.

وهو ما يجعل منظومة الإعلام تأتى فى مقدمة أولويات الاهتمام للدول، وضمن سياق هذا النهج، تأتى الشعارات وأسماء الشوارع وتماثيل الميادين والصور الرسمية.. لكونها ليست مجرد ديكوراً للتجميل، وإنما وسائل وأدوات ترسيخ الانتماء والولاء، وهو الأمر الذى يستدعى إعادة النظر فى أسماء بعض الشوارع التى توحى بتطييف المجتمع، أو بتمجيد طغاة الإمبراطورية العثمانية.

وهنا نأتى للسؤال الجدلى المنطقى: هل من الطبيعى أن تصنف المؤسسة القضائية.. جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تنظيماً إرهابياً محظوراً، ثم يستمر حضورها داخل المؤسسات السيادية حتى ولو بشكل رمزى فى صورة لأحد قياداتها المحكوم عليه بالسجن؟!

 حجة التاريخ

أحد أدوات الدولة الاستراتيجية هى ما تقوم بتصديره لمواطنيها من خلال رسائل محددة عبر المناهج الدراسية والقوانين والتشريعات والإعلام. ولكن وجود صورة لشخص تولى منصباً رفيعاً، ثم تم إدانته قانونياً وتجريمه قضائياً.. هى فجوة بين الخطاب السياسى الرسمى والرموز البصرية والمرئية التى ترتب عليها حالة من التشويش على رسائل الدولة التى تؤكد باستمرار رفضها لتلك الجماعة الإرهابية المحظورة بأتباعها الذين قادوا أكبر عملية سطو واختطاف لهوية الدولة المصرية، بينما يستمر بقاء رموزهم على جدران المؤسسات السيادية والرئاسية. 

أعلم جيداً.. أن الرد عند البعض أن صاحب هذه الصورة هو جزء من تاريخ المؤسسة التشريعية، وهو حق يراد به نوع من التدليس لأننا لا يمكن أن نختزل بقاء الحقيقة التاريخية فى صورة معلقة.. لأن التاريخ محفوظ بالفعل بأشكال متنوعة فى الوثائق والمحاضر الرسمية والأرشيف والدراسات الأكاديمية والمكتبات الوطنية.

وبناء عليه، فإن حذف أو إزالة صورة من الفضاء الرسمى للدولة.. لا يعنى مطلقاً إنكار وجود صاحبها أو محو دوره من التاريخ، لا ننكر أن هذا الشخص تولى هذا المنصب الرفيع، ولا أحد يستطيع حذفه ذلك من السجلات، المطلوب فقط هو إعادة النظر فى موقعه داخل الذاكرة البصرية الرمزية للدولة المصرية.

 أدولف هتلر

تمثل السياسة الألمانية نموذجاً رشيداً واضحاً فى إدارة مثل تلك المشكلة. فعلياً، لم تنكر ألمانيا وجود أدولف هتلر، ولم تحذف الحقبة النازية من المقررات الدراسية وكتب التاريخ الألمانية، بل على النقيض تماماً، تقوم بتدريس تلك الحقبة بتفاصيلها الدقيقة، وتوفر متاحف ومراكز أبحاث أكاديمية لدراستها، غير أنها فى الوقت نفسه، تمسكت بمبدأ استراتيجى ووطنى بأن التاريخ يدرس، ولكن دون منح رموزه شرعية وطنية، ولهذا السبب لا توجد صور لهتلر فى المؤسسات الرسمية للدولة الألمانية، ولا تماثيل رسمية، ولا تطلق اسمه على الميادين أو الشوارع. وهو ما يؤكد إدراك المجتمع الألمانى الفرق بين التوثيق التاريخى والشرعية الرمزية.  

وهو ما حدث أيضاً فى إيطاليا مع بينيتو موسولينى الذى حكم إيطاليا بالفعل، وهو تاريخ لا يمكن إنكاره، ولم يترتب عليه شرعية رمزية له.

 

 إعادة تعريف الهوية

من التجارب المهمة، ما حدث فى أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية وانهيار منظومتها.. حيث أعادت تلك الدول بناء هويتها الرمزية بالكامل. ولم يتم حذف التاريخ من رومانيا وبولندا والتشيك، ولكن تمت إزالة الرموز الشيوعية بنقل التماثيل وتخزينها، وتغيير أسماء الشوارع 

والميادين.

بعد تحرير فرنسا من حكم المارشال فيليب بيتان الذى اتخذ مدينة فيشى كمقر لحكومة شبه مستقلة ومتحالفة مع ألمانيا النازية خلال الفترة بين سنتى 1940 و1944. تعاملت الدولة الفرنسية بمبدأ ليس كل من حكم.. يستحق أن يصبح رمزاً، وهو ما يؤكد أن الشرعية التاريخية تختلف عن الشرعية السياسية والوطنية.

 اختبار سياسى

لو حدث.. وظهرت اليوم شخصية تقود جماعة ما.. صنفتها الدولة باعتبارها تنظيماً إرهابياً، ثم شغلت تلك الشخصية منصبًا سيادياً رسمياً رفيعاً لفترة مؤقتة خلال ظرف سياسى استثنائى، هل ستقرر الدولة تعليق صورته داخل مؤسساتها بعد سنوات؟ الإجابة: لا.

الأمر ليس متعلقا بمجرد تولى المنصب. بل مرتبط بتقييم الدولة للصورة الرمزية التى يحملها صاحب الصورة. وهو ما يكشف جوهر القضية.

 ثوابت استراتيجية

الدول المصرية لا تخشى تاريخها ولا تخاف منه، ولا تحتاج إلى تزويره أو حذفه. وبالتالى، لا يجب أن تتعامل مع جدران مؤسساتها التشريعية.. باعتبارها أرشيفا محايدا. الحقيقة أن جدران مؤسسات الدولة ليست مجرد سجلًا للماضى فقط، بل رسالة إلى المستقبل أيضاً.

الواقع يؤكد أنه لا يوجد تعارض بين حفظ التاريخ وإعادة النظر فى رموزه الرسمية.

السيناريو الأكثر اتزانًا يتمثل فى:

أولاً: الإبقاء على جميع السجلات والوثائق التاريخية.. دون حذف أو تعديل.

ثانياً: الحفاظ على الحقائق المؤسسية كما هى.

ثالثاً: نقل الصور محل الجدل من العرض الرسمى على الجدران إلى الأرشيف للتوثيق التاريخى.

رابعاً: حصر الفضاء الرمزى لجميع المؤسسات السيادية فى الشخصيات التى ترى الدولة أنها تعبر عن هويتها الوطنية المستقرة.

 نقطة ومن أول السطر

لا تتعلق القضية هنا.. بشخص بعينه بقدر ما تتعلق بفلسفة الدولة فى إدارة ذاكرتها الجمعية، التاريخ يبقى دائماً محفوظاً فى الوثائق، أما الرموز التى تعرض داخل المؤسسات الرسمية فيجب أن تعبر بوضوح عن الهوية الوطنية التى تريد الدولة ترسيخها وتثبيتها وحمايتها.

وربما يكون الحل المثالى هو بقاء البرواز الخاص بمثل تلك الشخصيات دون صورة أو بصورة سوداء لملامحه الحقيقية.. لتأكيد الجرم الذى قام به هو وجماعته، دون أن نلغيه من التاريخ.