أحمد إمبابى
الجَسُور
سيرة السيسي التى يجب أن تُروى فى 30 يونيو
فى تاريخ الثورات الشعبية زعماء وقادة، لا يقل دورهم عن صُناع حدث التغيير نفسه، بل ربما يفوق أثرهم الطليعة التى تُشعل شرارة الاحتجاج، بحكم تأثيرهم وقدرتهم على ترجمة أهداف ما خرجت من أجله قطاعات شعبية إلى سياسات وقرارات مصيرية، لذلك تبقى رمزيتهم مقرونة بسيرة الثورة، دون أن ينتقص ذلك من أدوار شركاء التغيير.
هكذا تروى الذاكرة السياسية فى مصر مثلًا، سيرة زعماء وقادة لثورات وطنية، كانت ولا تزال مواقفهم البطولية حاضرة ولا تُنسى، فنجد مثلاً فى «الثورة العرابية»، وزعيمها أحمد عرابى، الذى تُسجل كتب التاريخ مواقفه فى القيادة والتعبير عن الحركة الوطنية والاستقلال الوطنى، فى منتصف القرن التاسع عشر،دون أن ينتقص ذلك من دور رفقائه فى الحركة الوطنية مثل عثمان رفقى باشا.
والأمر نفسه فى ثورة 1919، ضد الاحتلال البريطانى، فدائما يُذكر الزعيم الراحل سعد زغلول، كزعيم لتلك الثورة، بعدِّه القيادة التى عبرت عن مطالب الحركة الوطنية والشعب المصرى، فى مواجهة الاحتلال، وقاد من منزله الذى عرف بـ«بيت الأمة» النضال، إلى جانب قيادات أخرى كانوا فى طليعة الثورة، مثل على شعراوى وعبدالعزيز فهمى.
وحديثًا، فى ثورة يوليو 1952، التى أنهت الملكية وأسست للنظام الجمهورى بمصر، يظل الزعيم جمال عبدالناصر، القيادة التى ترمز لهذه الثورة، بحكم مواقفه الصلدة ضد نظام الملكية، وتحقيق الاستقلال الوطنى، دون أن ينتقص ذلك، من دور «الضباط الأحرار» الذين زاملوه فى القيام بحركة التغيير.
وحتى على الصعيد الإقليمى والدولى، توثق ذاكرة حركات التحرر والاستقلال، سيرة زعماء وقادة كرمزية ثابتة لنجاح حراك التغيير، فنجد مثلًا فى الثورة الجزائرية، سيرة زعيمها أحمد بن بلة، الذى قاد مع ضباط آخرين جبهة التحرير الوطنى ضد الاستعمار الفرنسى، فى ستينيات القرن الماضى.. وحتى فى الثورة الفرنسية، التى مرت بأربع مراحل ومحطات أساسية لإنهاء النظام الملكى وإعلان الجمهورية الأولى، فى نهاية القرن الثامن عشر، يظل مثلًا الزعيم الفرنسى، نابليون بونابرت، رمزًا لحراك التغيير الفرنسى، بفضل دوره فى ترجمة أهداف وسياسات الحراك الشعبى الفرنسى، وتثبيت أركان وأهداف الثورة.

والمعنى مما نذكره، أن لكل ثورة شعبية نجحت فى إحداث التغيير، «بطلاً» وزعيمًا، نجح فى ترجمة أهداف صُناع الثورة إلى قرارات وسياسات، فتظل سيرته حاضرة كرمز لهذا الحراك، دون أن ينتقص ذلك، من صُناعه وهم القوى الوطنية والقاعدة الشعبية التى أشعلت شرارته.. وباستحضار هذا المبدأ فى ثورة الشعب المصرى، فى الثلاثين من يونيو 2013، نجد أن التحول الفارق فى إحداث التغيير، وإنهاء حكم «الفاشية الدينية»، ذلك الموقف «الجَسُور» للقائد العام للقوات المسلحة وقتها، الفريق أول عبدالفتاح السيسى، بالانحياز إلى الإرادة الشعبية، وتنفيذ مطالب الشعب الثائر فى كل ميادين المحافظات.
والجسارة والجرأة والإقدام الذى فعله السيسى، فى ملحمة يونيو، ليس بتلبية ما نادى به الناس فى الميادين فقط، ولكن فى اتخاذ قراره الوطنى، دون أن يكترث لكل تهديد من «تنظيم الإخوان الإرهابى»، والأمانة التى أظهرها كمسئول عسكرى، فى الدفاع عن التراب الوطنى، وحقوق الشعب المصرى وحريته واستقلاله، فى مواجهة سلوكيات «تنظيم» مارس الإرهاب والتخويف، زعمًا منه أنها السبيل لإسكات «صوت الناس»، فكان الجواب من القائد العام للقوات المسلحة برسائل صدرت بعلم الوصول، «نموت احنا الأول، قبل ما حد يمس الشعب المصرى برصاصة واحدة».

هكذا تحدث السيسى كثيرًا، قبل ثورة 30 يونيو وبعدها، إلى جانب نصائح «أمينة» أخرى قدمها كرجل دولة يستشعر الخطر، للتنظيم الذى كان يحكم، دون استجابة، إلى أن ألقى الشعب المصرى كلمته الحاسمة، بخروج أكبر تجمع بشرى فى التاريخ الحديث بالشوارع يطالب بإسقاط «الجماعة الإرهابية» ومن يمثلها فى قصر الاتحادية، فاستجاب القدر لإرادته.
لكن بطولة السيسى لم تتوقف عند حد الانحياز للإرادة الشعبية، وإنما فى تحمل تبعات قراره الوطنى، فيحسب له أنه واجه بكل صلابة وإرادة كل ممارسات «أهل الشر» فى الداخل والخارج، لإفشال ما نجحت فيه الثورة، بل تصدى بكل جسارة ورسوخ، لكل تحدٍ، وقاد فى نفس الوقت مسئولية تنفيذ استحقاق «خارطة الطريق الوطنية»، التى نص عليها بيان 3 يوليو 2013 التاريخى، من بناء وتحديث وتطوير لقدرات الدولة الشاملة.

من هذا المنطلق، وبينما نُحيى الذكرى الثالثة عشرة، لثورة 30 يونيو، تستحق سيرة الرئيس السيسى أن تُروى، ليس فقط بعدِّه الرمز الوطنى «الجَسُور»، الذى يُحسب له انحيازه للإرادة الشعبية، وإنقاذه لوطنه من أعدائه فى «الداخل والخارج»، وإنما إنصافًا لقيادة، اختارت الطريق الصعب، فواجهت التحدى بكل صعابه، وقاد مسيرة التحول للدولة الوطنية، من «شبه دولة»، تتداعى عليها «الأكلة إلى قصعتها»، إلى دولة صامدة راسخة مؤثرة إقليميًا ودوليًا ذات صوت مسموع، رغم كل نيران الصراعات المحيطة بها.
البطولة فى القرار
ربما لا يمكن أن ينسى كل من عاصر حدث ثورة 30 يونيو، مشهد السيسى، وهو يلقى البيان التاريخى، لإنهاء حكم «الإخوان»، فى الثامنة وخمس وأربعين دقيقة من مساء الثالث من يوليو 2013، وقتها اصطف ملايين المصريين أمام الشاشات، فى الميادين وفى كل الأنحاء، وفى لحظة حبس فيها الجميع أنفاسهم «داخليًا وخارجيًا»، كان التفاعل الصاخب حينما تلى «القائد العام للقوات المسلحة» وقتها، بند إنهاء حكم «الإخوان»، ثم بنود خارطة الطريق الخاصة بإعادة بناء المؤسسات الدستورية بما فى ذلك، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
أذكر حين إعلان البيان، كنت فى تغطية تليفزيونية ممتدة على مدار الساعة بمدينة الإنتاج الإعلامى، فقد كان الحدث يفرض نفسه علينا كصُناع لمحتوى إعلامى، للحد الذى كنا نقيم فى الاستوديوهات لعدة أيام.. ولا أنسى مثلاً أن تفاعلنا مع نصوص البيان، وصل إلى حد البكاء والسجود على الأرض احتفاءً بهذا الانتصار التاريخى لإرادة المصريين.. غير ما استوقفنى ليس فقط نص البيان وقراراته، وإنما مشهد السيسى نفسه وهو يلقى البيان، فقد كانت لغة الجسد، تشير إلى الحزم والثبات واليقين أنه انحاز للحق.. هكذا نظرت لصورته عند إلقاء البيان.
سياسيًا، لم يكن بيان «3 يوليو»، انتصارًا فقط لإرادة الشعب الثائر، بل مثّل نقطة تحول فى شعبية الرئيس السيسى فى الشارع، فقد اكتست صوره الميادين والأماكن العامة، تقديرًا لقراره التاريخى، بل تغيرت النظرة إليه على صعيد المجال العام، من مسئول عسكرى يتولى منصب القائد العام للقوات المسلحة، إلى بطل شعبى فى الشارع، دفعته الأحداث إلى قمة العمل العام، وأكسبته مواقفه وقراراته «الشريفة»، ثقة دوائر عدة من النخب المجتمعية، فطالبته باستكمال مسيرة الإنقاذ الوطنى.
قبل أن يتقلد الرئيس السيسى، منصبه السياسى كوزير للدفاع فى أغسطس 2012، خلفًا للمشير حسين طنطاوى، كان قد تدرج فى العمل، داخل المؤسسة العسكرية الوطنية، منذ أن التحق بها طالبًا فى الكلية الحربية، ثم مسيرته المهنية ؛ خصوصًا على الصعيد القيادى، بداية من سلاح المشاة الذى تدرج فيه من قائد كتيبة ولواء إلى فرقة، ثم رئاسة أركان المنطقة الشمالية العسكرية وقائدًا لها، وصولًا لمحطة مديرًا لإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. والمعنى هنا، أننا أمام شخصية هى ابنة مؤسسة وطنية، تمتلك «عقيدة المقاتل المصرى» الصلبة القائمة على مبدأ «النصر أو الشهادة»، وتستند إلى مبادئ راسخة، أهمها الشرف والأمانة والولاء المطلق للوطن، والشجاعة والتخطيط الاستراتيجى فى حماية تراب الوطن، وأمنه، وإلى جانب هذه الثوابت، نجد أن هناك بعدًا أخلاقيًا فى شخصية السيسى، قائمًا على «الاحترام وعدم التجاوز»، هكذا استمعتُ إليه فى أحد خطاباته عن علاقته بجنوده، مشيرًا إلى أنه «لم يسبق أن سبَ جنديًا أو ضابطًا يعمل معه، أو تجاوز فى حقه».
وعلى الصعيد الشخصى أيضًا، عُرف السيسى فى مسيرته المهنية كقائد عسكرى، بأنه «ضابط صاحب قرار»، هكذا أدلى أحد قادته فى يوم من الأيام، اللواء سمير فرج، حينما أشار فى الندوة التثقيفية للقوات المسلحة فى أكتوبر 2021، إلى أن «السيسى اتخذ قبل 40 عامًا قرارًا، وهو كان ملازم أول أثناء خدمته فى أحد المواقع الدفاعية بسيناء، بإعادة فتح طريق ليلًا تأثر بعاصفة رملية فى ظروف شديدة الصعوبة»، وروى اللواء فرج وقتها أن «الضابط الذى اتخذ قرارًا فى ظروف صعبة، كان هو نفسه القادر على اتخاذ قرار الخلاص من الإخوان فى 2013».
والشاهد هنا، أن جزءًا من شخصية السيسى، أنه يمتلك القدرة على اتخاذ القرار المدروس القائم على تقديرات الموقف العلمية، دون أن يخشى تبعاته، هكذا تحدث مثلًا بشكل واضح، فى مايو 2016، بعد ما يقرب من عامين من توليه منصب رئيس الجمهورية، وبينما كانت تتكاثر تهديدات «أهل الشر»، خصوصًا تنظيم الإخوان الإرهابى بعملياته الإرهابية، قال إن «من يقف فى بيان 3 يوليو لا يخاف، ومن يقف فى نوفمبر 2012 (وقت حكم الجماعة)، ويدعو لحوار مع النظام لا يخاف»، وأضاف أن «من يعطى مهلة للنظام 7 أيام قبل ثورة 30 يونيو، وأخرى 48 ساعة لا يخاف»، مشيرًا إلى أنه «اتخذ كرئيس ألفىّ قرار فى سنتين ونصف السنة، ومن يتخذ القرار لا يخاف».

ومن بين الدلائل على شخصية السيسى كقائد صاحب قرار، رواية عضو مجلس النواب السابق وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، محمد عبدالعزيز، وهو أحد مؤسسى حركة «تمرد»، وكان من بين ممثلى القوى الوطنية المشاركة فى اجتماع القيادة العامة التى توافقت على بيان 3 يوليو، فقد روى أن «الرئيس السيسى»، قال للمجتمعين فى نهاية الاجتماع وبعد الاتفاق على نصوص البيان، أنه «سيتخذ قرارًا تاريخيًا ومصيريًا، وسيتحمل أعباءه هو وأبناؤه من القوات المسلحة والشرطة، فى مواجهة إرهاب تنظيم الإخوان»، وهو ما حدث بالفعل فى مواجهة حازمة وحاسمة خاضتها الدولة لتجفيف منابع الإرهاب.
الإدارة العلمية
على مدى الأربعة عشر عامًا الماضية، استمعت تقريبًا لكل أحاديث السيسى وتصريحاته، منذ أن كان وزيرًا للدفاع ثم رئيسًا للجمهورية، كثيرًا ما استوقفتنى معانى خطاباته، لغته للتواصل مع الرأى العام الواضحة البسيطة والمحددة، التى بنت جسورًا من المصداقية مع قطاعات عريضة من الرأى العام، حتى إنه يمتلك القدرة على نسف كل ما يروج من شائعات وأكاذيب للتشكيك فيما تفعله وتقدمه الدولة فى دقائق معدودة، هكذا استمعت له فى مواقف كثيرة، كيف أدحض حملات التشويه الإخوانية الموجهة خلال العقد الماضى.
لكن من بين خطاباته التى تأثرت بها، خطابه الشهير الذى ألقاه مساء الأربعاء 26 مارس 2014، والذى أعلن فيه استقالته من منصب وزير الدفاع وكقائد عام للقوات المسلحة، ثم ترشحه فى انتخابات الرئاسة 2014، حيث أظهر تأثرًا كبيرًا بمسيرته العسكرية، وقال بوضوح إنه «يقف أمام الشعب بالزى العسكرى لآخر مرة»،غير أنه صاغ فى هذا الخطاب مهمته الوطنية، بعد أن قرر المنافسة على الرئاسة، حينما أشار إلى أننا «كمصريين أمامنا مهام عسيرة ويجب إعادة بناء جهاز بناء الدولة الذى يعانى من الترهل».
ونقطة التوقف هنا، أن من بين أبعاد تحليل المضمون فى خطابات السيسى، أنه يمتلك القدرة على صياغة تقديرات الموقف العلمية، هكذا أظهرت مواقف عديدة تحليله الاستراتيجى الدقيق، الذى يستند لأسس علمية، وبالتالى القدرة على التنبؤ بمسارات الأحداث ومآلاتها، والشواهد هنا عديدة، أذكر مثلًا الشهادة التى تحدث عنها الكاتب الصحفى الراحل ياسر رزق، فى كتابه «سنوات الخماسين»، حينما أشار إلى أن السيسى، قدم وقت أن كان رئيسًا للمخابرات الحربية، وتحديدًا فى أبريل 2010، تقريرًا يتوقع فيه «حدوث ثورة فى مصر ضد النظام فى 2011، استنادًا لتقدير الموقف السياسى الداخلى، وتداعياته المحتملة»، وأشار إلى أن من بين توصياته فى هذا التقرير «أن تكون القوات المسلحة جاهزة للنزول للشارع لحماية الأمن والاستقرار»، وهو ما كان بالفعل.
ولم يختلف الأمر أيضًا فى ثورة 30 يونيو، ذلك أنه تحدث بوضوح حينما كان وزيرًا للدفاع، أنه «قدم ثلاثة تقديرات استراتيجية بالموقف وتطوراته، توصيات القوات المسلحة لتجاوز الأزمات التى سيواجهها، دون استجابة»، وكان من بين التقديرات أن «استمرار الخلاف يهدد الأمن القومى المصرى، وإذا استمرت ممارسات الجماعة ستسقط البلد فى منحدر الصراعات»، ولعل هذا ما يفسر سبب دعوة القيادة العامة إلى «حوار مجتمعى فى نوفمبر 2012» رأبًا للصدع الداخلى والانقسامات السياسية الداخلية.
والواقع أن الرئيس السيسى، لا يعتمد فى قيادته وإدارته على مسألة رد الفعل، وإنما على التقديرات العلمية المدروسة، هكذا تحدث كثيرًا أن كل قرار يُتخذ تتم دراسته بشكل علمى، وهكذا يمكن أن نفهم وندرك مثلًا كثيرًا من خطواته الإصلاحية المبكرة التى كانت محلًا للتساؤل، كإجراءات تطوير القوة الشاملة للقوات المسلحة بتطوير وتحديث نظم التسليح ورفع كفاءة المقاتل المصرى، أو رؤيته التنموية القائمة على مشروعات جديدة فى كل شبر بمصر، أو حتى على الصعيد الخارجى، كيف يمتلك القدرة على قراءة المشهد دون أن يتورط أو يغامر بمواجهة غير محسوبة تُضيع مستقبل بلده.

هكذا مثلًا تابعنا الموقف المصرى، فى أزمة حرب غزة الأخيرة، فرغم كل المزايدات، كان التقدير المصرى يرى من البداية، أن الغاية هى «تهجير الفلسطينيين» من غزة، وعليه كان الموقف المصرى الصلب حائط صد لهذا المخطط الإسرائيلى، والأمر نفسه مثلًا فى تقدير الموقف الخاص بالحرب الإيرانية الأخيرة، فقد استمعت إلى رؤية الرئيس السيسى فى الأسبوع الأول من الحرب، حينما قال ووصفها «بحرب الحسابات الخاطئة»، من جميع الأطراف، وطالما أن المواجهة قائمة على حسابات خاطئة، فإن مآلاتها ونتائجها كارثية.
استقرار سياسى وأمنى
من بين ما أذكره للرئيس السيسى، خطابه المنضبط أثناء ترشحه لانتخابات الرئاسة 2014، وقبل توليه منصب الرئيس رسميًا، فلم يقدم وعودًا أو تعهدات على غير «الرائج» انتخابيًا، حتى إن ذلك كان محل تساؤل من نخب وقتها، لماذا لا يعد بمشروعات أو يعلن تعهدات للناس بتحسن معيشتهم أو دخولهم؟، ولكن هذا لا يعنى أنه لم يكن يمتلك رؤية وتشخيصًا واضحًا لواقع الدولة، وأهداف استراتيجية للتطوير والتحديث.. أذكر أنه تعهد فقط «بالعمل الشاق والدءوب والمخلص بلا حدود»، إلى جانب «العمل على التطوير والتحديث فى كل قطاعات الدولة بالتوازى».
هكذا تعهد السيسى بما يمتلكه شخصيًا، من باب المصداقية، فقد تحدث مثلا فى خطاب إعلان ترشحه أنه «لا يقدم المعجزات، ولكن يقدم العمل والجهد الشاق وإنكار للذات»،وفى نفس الوقت غلب على خطاباته مسألة تشخيص الواقع الحقيقى للدولة، ولا ننسى مثلا حديثه عن أنه تولى «شبه دولة»، تواجه تحديات كبيرة، بمؤسسات تعانى من الترهل، واقتصاد ضعيف»، وقتها قال إن «مهمتنا استعادة مصر وبناؤها».
من منطلق هذا التقدير، تحمل المسئولية وسعى فى سباق مع الزمن لتحقيق غايته الاستراتيجية فى التحديث والتطوير، وسط مواجهة صعبة مع الإرهاب وداعميه فى الداخل والخارج، غير أنه لم يكترث لكل تهديدٍ وتحدٍ، وتبنى نهجًا قائمًا على صناعة الأمل، وشحذ الهمم للعمل والبناء، والمواجهة الجماعية لكل صعاب، فكانت المهمة الأولى، تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق التى نص عليها بيان 3 يوليو، بإعادة تشكيل المؤسسات الدستورية، خصوصًا البرلمان والحكومة التنفيذية، بما فى ذلك المصالحة الوطنية وتمكين الشباب.
والواقع أننا يمكن أن ننظر لسنوات السيسى الخمس الأولى، بعدّها سنوات تعافى للدولة المصرية، وكما عايشنا هذه المرحلة، كانت مسيرة التطوير والتحديث فى كل قطاعات الدولة تسير بالتوازى، والعمل يتم بقواعد قائمة على الدأب والدقة وسرعة الإنجاز، فمثلا كان يسابق الزمن لإنجاز مشروع قناة السويس الجديدة، خلال عام واحد فقط، رغم أن معدلات التنفيذ الطبيعية تقول إنها تتم فى ثلاث سنوات.
وما يستحق التوقف أمامه فيما جرى فى سنوات التعافى، جهود الاستقرار السياسى والأمنى داخل البلاد، والواقع أن هذه بطولة تستحق أن تروى، ذلك أن هناك عشرات الشهداء قدموا دماءهم تضحية لتراب هذا الوطن، فى مواجهة دامية مع قوى التطرف والإرهاب، إلى أن نجحت الدولة فى تجفيف منابعه خصوصا فى سيناء.
يُذكر للسيسى، على مدى أكثر من عقد، ما حدث فى منظومة الأمن الداخلى، حتى إن المواطن بات يدرك ويستشعر أمانه بعد فترة صعبة عاشها الشارع المصرى من الانفلات الأمنى الداخلى بعد يناير 2011، ليس ذلك فقط، بل سعيه لتعزيز الإدراك العام بأهمية الحفاظ على الدولة الوطنية، ومؤسساتها الوطنية، باعتبار أن ذلك جزء من حماية الدولة، إلى جانب الاستقرار السياسى الداخلى، من حيث إجراء الاستحقاقات الانتخابية سواء رئاسية أو برلمانية فى مواعيدها الدستورية، وعلى صعيد السلطة التنفيذية لم تشهد سوى تغيرات محدودة بما يرسخ حالة الاستقرار الداخلى.
ووجب الإشارة هنا، إلى أنه منذ ثورة 30 يونيو وحتى الآن، جرى تشكيل 4 حكومات فى مصر،الأولى كانت برئاسة حازم الببلاوى، من يوليو 2013 حتى فبراير 2014، فيما تولى المهندس إبراهيم محلب رئاسة الحكومة الثانية، من مارس 2014 حتى سبتمبر 2015، قبل أن يتولى الدكتور شريف إسماعيل رئاسة الحكومة الثالثة، حتى يونيو 2018، ليتولى بعدها رئيس الوزراء الحالى مصطفى مدبولى تشكيل رابع حكومة حتى الآن.
وإنصافًا، سيذكر التاريخ أن دولة 30 يونيو فى عهد السيسى، نجحت فى إنجاز ثلاثة مسارات أساسية، بداية محاربة التطرف والإرهاب، حتى أصبحت مصر نموذجًا يُحتذى فى مواجهة هذه التنظيمات، وتنفيذ استحقاقات خارطة الطريق التى نص عليها بيان 3 يوليو، إلى جانب تنفيذ رؤية تنموية للإصلاح والتحديث فى مختلف القطاعات، وهى أبعاد سبق أن أشار إليها السيسى نفسه فى خطابه بالذكرى الرابعة للثورة عام 2017، بأن «المؤرخين والباحثين سيتوقفون كثيرًا بالدراسة والتحليل، أمام الثلاثة مسارات، خصوصًا مسار الحرب على الإرهاب ومن يدعمونه ويقفون خلفه بالخارج، وإنجاز خارطة الطريق السياسية، وتنفيذ خطة النهوض بالدولة المصرية».
بناء الدولة العصرية الحديثة
من نقاط التوقف الأخرى، التى تستحق أن تروى فى سيرة العمل والتحدى لدى الرئيس السيسى، تلك الفلسفة التى بنى عليها خطته للتطوير والتحديث، أو بمعنى أوضح «بناء الدولة العصرية الحديثة»، وهى المشروع الذى تقوم على أساسه «الجمهورية الجديدة»، وهذه الفلسفة هى أن كل مشروع جرى تنفيذه يستند فى الأساس إلى أهداف استراتيجية ووطنية، بمعنى أنها ذات بعد قومى ووطنى وأمنى تحقق أكثر من غاية.
فالقضية مثلا ليست فى إقامة مشروع سكنى جديد أو مدن جديدة، وانما الغاية فى توسيع الرقعة المعمورة حتى إن الدولة ضاعفت مساحة المناطق المعمورة من 7% إلى 14% وتستهدف الوصول بها إلى 17% فى عام 2030، والأمر نفسه مثلا فى إنشاء الطرق الجديدة، فالفلسفة ليست مجرد تأهيل طريق، وإنما فى تطوير البنية اللوجستية للدولة المصرية بشرايين نقل متنوعة، تدعم الاقتصاد وتعزز مركزها فى تجارة اللوجستيات.
البعد الآخر، أن الرئيس السيسى، كان مهمومًا بالصورة التى تستحقها مصر، ويجب أن تنقل عنها خارجيًا، وهنا نتوقف أمام جملته الشهيرة، «بتعايرونا بفقرنا.. بس أنا مش هسكت»، هذه كلمات تحدث بها فى فبراير 2016، والواقع أنها عنوان لتحول فى تغيير الواقع المجتمعى والمعيشى، فعملت الدولة على جملة من المشروعات التى تحقق العدالة الاجتماعية، وتوفر الحماية والعيش الكريم للفئات الأولى بالرعاية، وهنا نتوقف على سبيل المثال، مع مشروع تطوير المناطق العشوائية والخطرة، والتى ساهم فى نقل سكان هذه المناطق، إلى مدن جديدة كاملة بمختلف المحافظات.
ومن الأمثلة التى تتسحق التوقف أيضًا، المشروع القومى حياة كريمة، لتطوير نحو 60% من الريف المصرى، بفلسفة قائمة على تنمية كل جوانب الحياة فى قرى كانت تفتقد لأبسط الخدمات الأساسية، ومن العدالة الاجتماعية أيضًا كانت مشروعات بناء الإنسان، خصوصًا فى قطاعى التعليم والصحة، وهنا وجب تسجيل إنجاز القضاء على فيروس سى، بشهادة منظمة الصحة العالمية، بعد المبادرة الرئاسية 100 مليون صحة.
قد لا تتسع هذه السطور، لحصر ما جرى فى قطاعات عديدة، لكن يبقى الأثر بيّنًا وواضحًا ويلمسه الجميع فى كل المحافظات، فلم تقصر الدولة مشروعات التنمية على العاصمة أو المدن الرئيسية، ولكن امتد العمران لكل الاتجاهات الاستراتيجية، بما فى ذلك المحافظات الحدودية، هكذا تابعنا الطفرة غير المسبوقة فى تنمية سيناء شرقا، والصعيد وصولا لأقصى الجنوب فى النوبة، وأقصى الغرب فى مطروح والوادى الجديد.

سياسة خارجية شريفة
وإذا كنا نسجل إنجازًا فى معركة الداخل، فلا يمكن أن نغفل بصمة الرئيس السيسى فى معركة الخارج، ذلك أنه حقق تحولًا جذريًا فى علاقات مصر الخارجية، من دولة مجمد عضويتها فى الاتحاد الإفريقى، وتوتر فى العلاقات مع معظم دوائر الحركة الخارجية، سواء عربيًا وخليجيًا وإفريقيًا وأوروبيًا وعلى صعيد القوى الشرقية، إلى دولة ذات صوت مسموع، يكن لها جميع الأطراف الإقليمية والدولية الاحترام، ويُعول عليها المجتمع الدولى، محور ارتكاز للاستقرار الإقليمى.
الواقع أن هذه قصة نجاح يجب أن تروى فى سيرة الرئيس السيسى، فرغم التحدى الكبير الذى واجهته الدولة المصرية، بعد ثورة 30 يونيو، من محاولات غربية وإقليمية لإحباط ثورة الشعب، استجابة لرواية إخوانية تزعم أنه «خروج على الشرعية»، وليست ثورة شعبية، ولأننا كنا ندافع عن «حق» انتصرت الإرادة المصرية، بتحول وتغير مواقف الدول التى كانت تتخذ موقفًا من الثورة، بما فى ذلك الدول التى كانت تدعم صراحة تنظيم الإخوان الإرهابى وتستضيف عناصره الهاربة.
والواقع أن معركة الخارج الحقيقية لم تكن فى الدفاع عن الثورة فقط، وإنما فى قدرة الدولة المصرية على الصمود فى محيط إقليمى مضطرب بالصراعات والتوترات، أذكر أن وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى، سبق أن أشار فى لقاء سابق معه، إلى أن هذه المرة الأولى فى تاريخ مصر الحديث، تواجه فيه الدولة هذا التحدى الخارجى فى توقيت واحد، من صراعات عسكرية فى دول الجوار المباشر لحدودها، شرقًا وغربًا وجنوبًا، إلى جانب استهداف واضح لأمنها المائى ومصالحها الاستراتيجية فى مناطق حيوية مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقى وفى شرق المتوسط.
إذن كيف غيرت مصر من معادلة الخارج؟..هنا وجب الوقوف أمام مجموعة من الأبعاد فى سياسة مصر الخارجية، ذلك أن الدولة تبنت سياسة قائمة على «الاتزان الاستراتيجى»، والقائمة على تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والصين وروسيا، واستطاعت أن تحافظ على مصالحها مع الجميع دون أن تكون العلاقة لطرف على حساب الآخر، بصيغة تساهم فى تحرير القرار الوطنى واستقلاليته من أى تبعية خارجية.
فى نفس الوقت، أعادت الدولة المصرية، أولويات دوائر الحركة الخارجية، لتنطلق من الدائرة العربية، بمفهوم قائم على تعزيز الأمن العربى الموحد، ثم الدائرة الإفريقية، برؤية حديثة للعلاقات تتبنى خطاب المشاركة معًا من أجل التنمية ووحدة المصير وتحقيق مصالح الجميع، ثم الدائرة الإسلامية والمتوسطية والأوروبية.
البعد الآخر، يتعلق بالإطار الأخلاقى للسياسة الخارجية فى التعاطى مع قضايا وأزمات المنطقة، وهو البعد الذى لخصه الرئيس السيسى فى أكثر من مناسبة بقوله «سياسة شريفة فى زمن عزّ فيه الشرف»، وتستند فى ذلك لمجموعة من المحددات والمبادئ الثابتة التى لا تتغير، أهمها عدم التدخل فى شئون الآخرين داخليًا، وعدم التآمر ذلك أن صوت مصر واحد ولا يتغير، ورفض أى تدخل خارجى فى شئون الدول الشقيقة، إلى جانب تبنى مقاربة واضحة لتسوية أزمات المنطقة بالمسارات السلمية والسياسية، قائمة على دعم مقاربة الدولة الوطنية ومؤسسات الدول الوطنية.
ومن هنا يمكن تفسير مثلا أن الدعم المصرى للدول التى تواجه أزمات داخلية مثل ليبيا والسودان والصومال وغيرها، قائم على دعم المؤسسات الشرعية الوطنية، وليس كيانات موازية، وتابعنا أيضًا موقفها التاريخى فى أزمة الحرب على غزة، كيف كانت حائط صد أمام كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وفى موقفها الراسخ لدعم أمن وسيادة الدول العربية والخليجية فى الحرب الإيرانية.. والنتيجة أن الدور المصرى اكتسب مصداقية المجتمع الدولى، وهذا بشهادة مثلا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عند لقائه الرئيس السيسى، على هامش قمة مجموعة السبع 2026، فى مدينة إيفيان الفرنسية، بأن «مصر تحظى باحترام جميع دول العالم».
هذه بعض من ثمار ما حققته دولة 30 يونيو، فلم يكن طريق العمل خلال السنوات الماضية سهلًا أمام الرئيس السيسى، فقد أنجزت الدولة وسط محيط من الصعاب، وسطرت تاريخًا جديدًا لا بالشعارات بل بالمشروعات، وواجهت تحديات داخلية وخارجية ومضت فى طريق التنمية الشاملة، فحققت الصمود أمام عواصف التغيير بالمنطقة.
وختامًا، فإننا نتحدث من باب الإنصاف، لنسجل ونحن نحتفل بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، للقيادة السياسية دورها التاريخى فى هذه الثورة، وإنجاح إرادة الشعب بإسقاط الفاشية الدينية، ثم مواقفه الجسُورة التى ساهمت فى الصمود فى وجه موجات لا تتوقف من التحدى الداخلى والخارجى، وتنفيذ خطى ملموسة من البناء والتحديث فى كل أركان الدولة، وإذا كانت الأحداث الإقليمية التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، أعطت للرئيس السيسى بعضًا من حقه وأنصفته كقيادة وطنية أدركت مبكرًا أهمية بناء قوى الدولة الشاملة، فإن التاريخ الحقيقى لإنصافه وإظهار دوره الشريف فى حماية وبناء وطنه ربما لم يحن بعد.










