أسامة سلامة
الخلافات المسيحية – المسيحية.. من يوقفها؟
أدعو العقلاء المسيحيين من كل الطوائف المسيحية إلى التدخل لوقف التنابذ الموجود على مواقع التواصل الاجتماعى. هذا الجدل المرير تفاقم مؤخرًا بسبب تصرفات رعناء من بعض المنتمين والمنتسبين إلى هذه الطوائف.
هناك أقوال وتصرفات غير مسئولة قام بها أشخاص سواء دينيين أو علمانيين وقابلتها ردود أفعال عنيفة من المتحمسين والمتعصبين لطائفتهم، فى الأيام القليلة الماضية اشتعلت الأجواء بين الأقباط الأرثوذكس والإنجيليين بعد أن قام رجل دين أرثوذكسى بمهاجمة الإنجيليين ووصفهم بكلمات غير لائقة تنزع عنهم الإيمان المسيحى الصحيح قائلاً: «إن الزواج البروتستانتى زنا» و «أن البروتستانت منحرفون وهالكون لا محالة» بما يعنى تكفيرهم، ما دعا عدد من أبناء الطائفة الإنجيلية إلى مهاجمته ومطالبة قادة الكنيسة القبطية بمحاكمته والاعتذار عن أقواله، وازدادت النيران اشتعالاً بسبب قيام أحد الإنجيليين بتمزيق وتحطيم صور وأقونات تمثل قديسين والسيدة مريم العذراء حيث لا يؤمن الإنجيليون بالأيقونات وصور القديسين على عكس الأرثوذكس والكاثوليك الذين يتباركون بها ويضعونها فى الكنائس والمنازل ويحيطونها بقداسة كبيرة. وكان رد الفعل عنيفًا من المتحمسين من أبناء الطائفتين، ولم تهدأ الأمور بالقبض على محطم الأيقونات وإحالته للتحقيق فقد استاء عدد من الإنجيليين لأنه لم تتم المعاملة بالمثل ولم يتم التحقق مع من أهانهم على حد قولهم.
ولم يقتصر التلاسن على وسائل التواصل الاجتماعى وامتدت النقاشات الحادة إلى الأشخاص العادين وبين الأصدقاء وفى المنازل والمقاهى والكنائس.
وزاد الأمر بدخول الكاثوليك على الخط بعد انتشار خبر عن قيام وكيل مطرانية البحر الأحمر وعدد من الكهنة بالاشتراك فى صلاة طقسية مع الكاثوليك، وطالب من يسمون أنفسهم حماة الإيمان الأرثوذكسى «بحرمان كل من شارك فى هذه الصلاة «وهى عقوبة كنسية قاسية «وأنهم يحتاجون إلى حل من أب أرثوذكسى»، أى أنهم يعلنون خطئهم ومن ثم يحصلون على عفو كنسى، وطالب البعض «بوقف وكيل المطرانية عن ممارسة الكهنوت وترك منصب الوكالة وإبعاده عن الخدمة الدينية نهائيا ونزع أى سلطة تعليمية أو خدمية له فى الايبارشية ومحاكمة جميع الكهنة الذين اشتركوا فى الصلاة لمخالفتهم التعاليم الأرثوذكسية القويمة» على حسب تعبيرهم.
وبالطبع تدخل عدد من الكاثوليك وقالوا إن هذا الكلام يعنى أنهم غير مسيحيين وردوا الصاع صاعين، صحيح أن هناك من الأرثوذكس من دافع عن وكيل المطرانية وشكره لأنه حاول التقريب بين الطائفتين ومطبقا تعاليم المسيح فى المحبة والتسامح ولكن صوت هؤلاء العقلاء لم يكن بنفس قوة وضجيج التكفيريين.
هذا الجدال يجعل من هؤلاء المتعصبين سلفيين يكفرون ويهاجمون كل من يحاول التقريب بين الطوائف المسيحية وكأنهم يعلنون أنهم فقط المسيحيون وأنهم لوحدهم من سيدخلون ملكوت السماء.
وهو أمر واجه بسببه البابا تواضروس هجومًا كبيرًا عندما خطا خطوات فى التقريب والتعاون مع الكاثوليك والإنجيليين سواء داخل مصر أو خارجها، واعتبر المتعصبون للأرثوذكسية أن ما قام به خطيئة كبيرة.
الأمر لم يقتصر على الخلافات بين المتعصبين للطوائف ولكن بين أبناء الطائفة الواحدة فقد شهدت الأيام الماضية جدلا حول قرار الأنبا سيرابيون مطران لوس أنجلوس بإعادة الراهب القس صموئيل البراموسى إلى ديره فى مصر، بسبب ما وصفه فى بيان الإبعاد بارتكابه «أمر مؤسف».
وجاء رد الفعل من محبى الراهب قويا واحتجوا عليه وقالوا إنه محترم يؤدى دوره على أكمل وجه كما انه مصاب بورم خبيث وإبعاده يعنى عدم استكمال علاجه، وطالب البعض بالإفصاح عن ما قام به لأن تعبير أمر مؤسف يفتح الباب للتكهنات والظنون، ودافع البعض عن موقف الكنيسة بأنه لا ينبغى الإعلان عن الخطأ حفاظا على الكنيسة وحتى لا يستغله المتطرفون فى الهجوم عليها ووصف رجال الدين بها بأوصاف لا تليق بهم، وانه فى ذلك مثل القضاة الذين يبعدون المخطئ منهم دون الإعلان عن السبب حفاظا على هيبتهم. ولكن الأمر يتطلب الشفافية ووجود قواعد محددة للمحاكمات الكنيسة تكون معلنة للجميع تجعل القرارات التأديبية محل احترام وتقدير وتكون مقنعة ولا يدور جدل حولها.
النقاشات الحادة امتدت أيضًا بقانون الأحوال الشخصية بين معارض ومؤيد ووصل الأمر للتلاسن بين الطرفين حيث يؤكد كل طرف أنه الأكثر فهما للمسيحية وقواعدها وأحكامها.
قصدت أن أكتب هذه الوقائع بالتفصيل حتى يعرف الجميع الخطر الذى يحيط بالكنائس جميعا، وأن ما قرأته وسمعته يمثل حربا أهلية ويعقد المشاكل بين المسيحيين، اعرف أنها ليست المرة الأولى وأن هناك وقائع مماثلة حدثت من قبل ولكن تم معالجتها سريعا ونزع الفتيل قبل الانفجار، وهو ما يجب أن يتم الآن، أعتقد أنه لابد من تدخل سريع لوقف هذه الحرب وخاصة أن رؤساء الطوائف الثلاث على علاقة طيبة وبينهم محبة وتسامح كبير، وأرجو ألا يقتصر هذا التدخل الحميد على رجال الدين وأن يكون للعلمانيين دور أيضا فى وأد هذه الفتنة.










