تفكيك أساطير المركزية الإفريقية
أصبحت اليوم شخصية مصر وسرديتها التاريخية وأحقيتها الحضارية مجالًا للصراع بين الأطر التفسيرية للمركزية الإفريقية الحديثة والمركزية الأوروبية القديمة بوصفهما منظومتان متنافستان فى تشكيل الفهم الحديث للتاريخ المصري. غير أن هذا الصراع لا يتعلق فى جوهره بمنطق التاريخ أو بعلم المصريات، بقدر ما يرتبط بأيديولوجية سياسية لإنتاج المعرفة، وسلطة التفسير التاريخى، ومحاولات إعادة توظيف الماضى لخدمة تصورات عنصرية معاصرة، فالمركزية الإفريقية التى نشأت فى القرن العشرين كرد فعل على الإرث الاستعمارى الأوروبى الذى لم يكتف باحتلال الأراضى الإفريقية ونهب مواردها، بل سعى أيضًا إلى تفكيك البنى الاجتماعية والثقافية للشعوب الإفريقية، وإعادة رسم حدود القارة وفق المصالح الاستعمارية فى مؤتمر برلين عام ١٨٨٤، وتقسيم القبائل والمجموعات الإثنية الإفريقية بين كيانات سياسية مصطنعة، وإخضاع الملايين لقرون من تجارة الرقيق والاستغلال الاقتصادى والتهميش الثقافي.
وفى حين أسس الفكر الاستعمارى الأوروبى لفكرة تفوق الرجل الأبيض، اعتبرت إفريقيا فضاءً هامشيًا خارج مسار الحضارة الإنسانية، وهو ما أدى إلى حرمان الشعوب الإفريقية من فاعليتها التاريخية داخل السرديات الغربية. ومن هذا السياق التاريخى المؤلم نشأت «المركزية الإفريقية» كمحاولة لاستعادة الكرامة التاريخية للشعوب الإفريقية وإعادة الاعتبار لدورها فى التاريخ العالمي. إلا أن هذا الصراع ظل صراعًا بين رؤيتين غربيتين؛ الأولى استعمارية قديمة سعت إلى إقصاء إفريقيا من التاريخ، والثانية رد فعل معاصر يسعى إلى إعادة بناء ذلك التاريخ من منظور تعويضي. وبين هذين الطرفين وجدت مصر القديمة نفسها موضع استقطاب لا علاقة له بحقائقها التاريخية بقدر ما يرتبط بحاجات أيديولوجية ومعارك هوية نشأت خارج السياق المصرى نفسه.
وقد تشكلت المركزية الإفريقية خاصة فى أعمال «موليفى كيتى أسانتي» الأب الروحى والمنظر الأول لنظرية المركزية الإفريقية فى العصر الحديث، وهو أستاذ قسم الدراسات الإفريقية الأمريكية «الأفريكولوجي» بجامعة «تمبل» بولاية فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وأيضًا كتابات «شيخ أنتا ديوب» عالم الأنثروبولوجيا السنغالى ومؤسس نظرية الأصل الإفريقى للحضارة المصرية القديمة. فبينما يعرف «أسانتي» المركزية الإفريقية باعتبارها إعادة تموضع منهجى للذات الإفريقية فى التحليل التاريخى، قدم «ديوب» أطروحته حول الأسس الإفريقية للحضارة المصرية القديمة عبر مقارنات لغوية وأنثروبولوجية وثقافية مزيفة هدفت إلى إعادة ربط مصر بالسياق الإفريقى غصبًا من أجل مواجهة السرديات الأوروبية التى همشت الأفارقة فى التاريخ القديم.
غير أن بعض تيارات المركزية الإفريقية تجاوزت حدود هذا المشروع التصحيحى إلى بناء سرديات أكثر راديكالية تقوم على احتكار الحضارة المصرية داخل إطار عرقى وثقافى إفريقى واحد وبصورة حصرية. وتلك أطروحات مزيفة الأدلة العلمية والأثرية. ومع صعود برامج الدراسات الإفريقية الأمريكية فى عدد من الجامعات الأمريكية خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، تحولت بعض هذه التصورات من أطروحات أكاديمية إلى نشاط ثقافى وسياسى واسع النطاق، حيث تم تنظيم مؤتمرات وفعاليات ومناهج تعليمية هدفت إلى ترسيخ فكرة أن المصريين القدماء كانوا ذوى بشرة سمراء داكنة من جنوب الصحراء الإفريقية، مع إنتاج تفسير خاطئ للرموز والشخصيات المصرية القديمة وتزييف صورهم فى الإعلام والسينما والسوشيال ميديا، وإعادة إنتاج نماذج فنية مشوهة وفق مفاهيم الهوية العرقية للمركزية الإفريقية.
والحضارة المصرية لم تكن أبدًا نتاجًا لمفهوم «العرق» بالمعنى الحديث، ولم تعرف التصنيفات التى تحاول بعض السرديات المعاصرة إسقاطها عليها. كما أن الأدلة العلمية والأثرية واللغوية والجينية والنصية لا تدعم فكرة انتماء مصر القديمة إلى شعوب وقبائل جنوب الصحراء الإفريقية، بل تؤكد أنها حضارة ذات خصوصية نشأت فى وادى النيل داخل شمال شرق إفريقيا، وتفاعلت عبر آلاف السنين مع محيطها الإفريقى والشرقى والمتوسطى، محتفظة فى الوقت ذاته بشخصيتها الثقافية والسياسية والحضارية المميزة.
وبناءً على ذلك، فإن الجدل المعاصر المثار حول مصر القديمة لا ينبغى فهمه كحوار ثنائى قائم حول المعرفة الحضارية بالعلم والمنطق، بل كصراع حول الملكية الحضارية، وأطر التفسير، وسلطة المعرفة بين الغرب والغرب، حيث لا علاقة لمصر بهذه الإشكالية من قريب أو بعيد. فالمسألة لا تتعلق بهوية حديثة تمتلك الماضى، بل بكيفية إنتاج المعرفة التاريخية وتزييفها وتبريرها وتمريرها إلى الأجيال القادمة.
فمصر ليست موضوعًا للنزاع الأيديولوجى بين المركزية الإفريقية والمركزية الأوروبية، ولن تكون غنيمة معرفية تتقاسمها السرديات المتنافسة، بل هى حقيقة تاريخية قائمة بذاتها، صنعناها نحن-المصريين- ولسنا فى حاجة إلى من يمنحنا شرعية الانتماء إلى حضارتنا، كما أننا لسنا مطالبين بإثبات هويتنا أمام نظريات حديثة مشوهة مزيفة ولدت بعد آلاف السنين من بنائنا لأهرامنا وتأسيسنا لدولتنا، فمصر كانت مصرية قبل أن تظهر التصنيفات العرقية الحديثة، وقبل أن تنشأ مفاهيم المركزية الأوروبية أو المركزية الإفريقية، وقبل أن تتحول الهوية إلى أداة للصراع السياسى والثقافي، وستظل مصر كما كانت أكبر من محاولات الاحتواء، وأعمق من محاولات الاختزال، وأعظم من أن تحاصر داخل تصنيف عرقى أو خطاب أيديولوجى عابر؛ فالحضارات لا تنتزع بالدعاوى ولا تكتب بالرغبات.










