أحمد إمبابى
الإدانات وحدها لا تكفى
الرهان على «الجغرافيا» فى صراع النفوذ بالقرن الإفريقى
خلال الشهرين الماضيين، صدرت عدة بيانات لإدانة التحركات الإسرائيلية فيما يُسمَّى «إقليم أرض الصومال»، من دول عربية وإسلامية، ومن بينها بيانات جماعية مشتركة لهذه الدول، أرادت من خلالها تسجيل موقف ضد ممارسات دولة الاحتلال فى أرض دولة الصومال، والتى كان آخرها بيان رفض «تطبيع علاقات دبلوماسية وافتتاح سفارة للإقليم الانفصالى فى القدس المحتلة، بشكل أحادى يخالف كل الأعراف القانونية والمواثيق الدولية».
والواقع؛ أنّ مفردات الرفض والإدانة والاستنكار التى تضمّنتها بيانات الإدانة العربية والإسلامية والإفريقية لم تختلف كثيرًا عن المفردات التى استخدمتها أيضًا تلك الدول عند رفض خطوة الاعتراف الإسرائيلى، فى نهاية شهر ديسمبر الماضى، بـ«إقليم أرض الصومال»، كدولة مستقلة، ورغم كل ما صَدَر من مواقف الرفض العربية والإفريقية والإسلامية والدولية لتلك الخطوة؛ واصلت دولة الاحتلال ممارساتها غير القانونية نحو مزيد من التطبيع والتموضع فى منطقة القرن الإفريقى.
والمعنى هنا؛ أنّ دولة الاحتلال الإسرائيلى، لم تراعِ من البداية، موجة الرفض الإقليمى والدولى، لتحركها غير المشروع فى سيادة دولة عربية إفريقية إسلامية وهى الصومال، ولم تلتفت حتى لتحركات مقديشو فى المنظمات الدولية ومن بينها مجلس الأمن لردع هذه الممارسات، ولم تنظر لمواقف منظمات إقليمية مثل الجامعة العربية والاتحاد الإفريقى، التى رأت فيما تفعله مخالفة جسيمة لكل الأعراف والقوانين الدولية، وواصلت فى المقابل نهجَها بخطوات أخرى، شملت تبادل السفراء، ثم الموافقة على افتتاح سفارة لما يسمى «أرض الصومال»، فى القدس المحتلة، وصولاً للإعلان عن زيارة مرتقبة لرئيس الإقليم الانفصالى عبدالرحمن عبدالله المعروف بـ«عرو»، فى منتصف يونيو الحالى.
والواقع أننا نتحدث عن سلوك دأبت دولة الاحتلال الإسرائيلى على انتهاجه، فلا يوجد موقف يعكس احترام هذا الكيان للمواقف الدولية والإقليمية والأممية، والشواهد عديدة، فمثلاً رغم تعدد بيانات الإدانة والرفض العربية والإسلامية والأوروبية والإفريقية تجاه جرائم الحرب والإبادة بحق الفلسطينيين فى غزة، وممارساتها العدوانية بدول الجوار مثل لبنان وسوريا وغيرهما، إلاّ أنها تواصل جرائمها ولم توقف احتلالها المُنافى لكل الأعراف الدولية، وبالتالى لم تعد لغة الإدانة والاستنكار كافية للتأثير على قرارات المحتل الإسرائيلى؛ بل تتعامل مع أى بيانات ضدها كإجراء شكلى، وتواصل فى المقابل سياساتها العدوانية.
ولا نقلل هنا من قيمة المواقف وأهميتها، فلا شك أنها ضرورية ومطلوبة، كإحدى أدوات التعاطى الدبلوماسى والأخلاقى مع الجرائم التى يرتكبها الاحتلال الإسرائيلى، ولتوثيق مواقف سياسية راسخة ضد سلوك تل أبيب العدوانى، ولكن نتحدث عن الأثر فى المواجهة، والردع الذى يحد من هذه الممارسات، ويوقف هذا العدوان على سيادة دولة مثل الصومال.
وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤلات ضرورية، فكيف إذن المواجهة مع سلوك إسرائيل العدوانى بأرض وسيادة دولة الصومال الفيدرالية؟، وهل بيانات الإدانة والشجب كافية مع كل تحرُّك؟، وكيف يمكن تقويض الحضور الإسرائيلى فى منطقة القرن الإفريقى بما تمثله من أهمية حيوية للمَصالح المصرية والعربية ودول هذه المنطقة؟، وهل ستُترَك الأمور حتى نُفاجَأ بدول أخرى تتخذ نفس النهج بالاعتراف بالإقليم الانفصالى، وهى خطوة متوقعة من دول بالمنطقة؛ خصوصًا إثيوبيا؟.
والواقع أنّ أى مقاربة لتفسير مثل هذه التساؤلات، أو لفهم الواقع المُعقد والمتشابك فى منطقة القرن الإفريقى، وصراع النفوذ الدولى بها؛ لا بُدّ أن تستند إلى «عامل الجغرافيا» وتفاعله مع الجوانب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، ومن الجغرافيا السياسية؛ نستطيع أن ندرك أبعاد تحركات مختلف الأطراف من خارج الإقليم، وفى الوقت نفسه؛ كيف يمكن بحسابات الجغرافيا تحقيق الردع لأى استهداف للمَصالح الاستراتيجية بها؟.
صراع النفوذ على الجغرافيا
نقطة التوقف الأولى فى هذا المشهد، تتجلى فى الصراع الدولى القائم فى منطقة القرن الإفريقى، والذى ينطلق من أهمية جغرافيا تلك المنطقة، وعند النظر إلى الوجود التاريخى للقوى الدولية والإقليمية بتلك المنطقة؛ سنجد أن ما يحرك التنافس الدولى على الموانئ والوجود العسكرى والنفوذ عمومًا فى القرن الإفريقى والبحر الأحمر، تفاعُل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
وعند النظر إلى حسابات الجغرافيا السياسية للمنطقة؛ نجد أن منطقتىّ البحر الأحمر والقرن الإفريقى تقعان عند مفترق طرُق بين آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، وهذا يجعلهما نقطتىّ تحكم حاسمة لطرق التجارة العالمية عبر الممر الملاحى للبحر الأحمر وخليج عدن وصولاً إلى قناة السويس شمالاً.
وكما يشير الكاتب الأمريكى الشهير «روبرت كابلان»، فى كتابه (انتقام الجغرافيا)؛ فإن السيطرة على المواقع الاسراتيجية لا تزال عاملاً رئيسًا فى تحديد النفوذ الجيوسياسى، وإن الجغرافيا لا تزال تلعب دورًا خطيرًا فى حسم الكثير من الأحداث.
من هذا المنطلق؛ نستطيع أن نفهم دوافع التنافس الدولى بين القوى الكبرى فى القرن الإفريقى، (أمريكا والصين وروسيا)؛ لتعزيز نفوذها عبر مظاهر عديدة، منها تحالفات أمنية وأنشطة اقتصادية وتجارية، فمثلاً نجد واشنطن نوّعت من صيغ تحالفاتها الأمنية فى المنطقة، بدافع التصدى لتهديدات الملاحة فى البحر الأحمر وخليج عدن، ودشنت فى سبيل ذلك؛ تحالف «سانتينال» البحرى فى نوفمبر 2019، وفى إبريل 2022 شكلت «قوة المهام المشتركة 153» (تضم 39 دولة)، وفى نوفمبر 2023، أعلنت عن تحالف جديد باسْم «حارس الازدهار» (يضم 10 دول)؛ للتصدى لهجمات «الحوثيين» على السفن الموالية لإسرائيل.
وفى المقابل؛ توسع الصين نشاطها الاستثمارى والاقتصادى والتجارى بالمنطقة؛ حيث تعمل على توسيع استثماراتها فى الموانئ البحرية، فى إطار مبادرتها (الحزام والطريق)؛ حيث تستحوذ على إدارة وتشغيل ميناء جيبوتى» (معروف محليًا بميناء دوراليه)، وهو أحد موانئ التصدير الرئيسة فى شرق إفريقيا، كما افتتحت فى 2018 منطقة تجارة حرة بجيبوتى (تُقدّر مساحته بنحو 48 كيلومترًا مربعًا)، وتختلف التحركات الروسية، حيث تشكل موسكو مَصدرًا مُهمًا لإمدادات السلاح، وفقًا لـ«معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام»، والحبوب حيث سجلت صادراتها من الحبوب نحو 11 مليون طن فى عام 2022.
وفى الوقت نفسه؛ تظهر أدوار قوى إقليمية، مثل تركيا، التى تعمل على تعزيز تواجدها باستثمارات فى مجال الموانئ وثروات المنطقة، منها استثمارات فى ميناء مقديشو بالصومال، واتفاقيات للتنقيب عن النفط والغاز فى 3 مناطق بالسواحل الصومالية، إلى جانب الاستثمارات العربية والخليجية فى المنطقة.
«أرض الصومال» وهندسة جغرافيا جديدة
الحسابات نفسها حاضرة فى التطبيع الإسرائيلى مع «أرض الصومال»، فرغم أن خطوة الاعتراف أحادى الجانب، تشكل خروجًا عن الإجماع الدولى السائد والداعم لوحدة وسيادة الصومال؛ فإنه لا يمكن فهمه بعيدًا عن حسابات الجغرافيا السياسية التى تعيشها تلك المنطقة.
من هذا المنطلق؛ يعول الإقليم الانفصالى «صوماليلاند» على موقعه الاستراتيجى على ساحل البحر الأحمر، وفى منطقة مضيق «باب المندب»؛ لتعزيز موقفه التفاوضى، وتحقيق هدفه الاستراتيجى بالحصول على اعتراف دولى يحقق له حلم الدولة المستقلة، الذى يجاهد من أجلها منذ إعلانه الانفصال من جانب واحد عام 1991 عن الدولة الصومالية.
هكذا وجدت إدارة الإقليم الانفصالى والإدارات السابقة له، ضالتها فى حليف يمكن استغلال موقعه الجغرافى، مقابل منحه شرعية الاعتراف، من خلال تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلى، (وهى تعلم الرفض العربى والإفريقى والدولى لتلك الخطوة)، وسبق ذلك أيضًا تحرُّك مماثل حينما أبرمت إدارة الإقليم اتفاقًا، أحادى الجانب، مع إثيوبيا فى يناير 2024، يقضى بحصول أديس أبابا على منفذ بحرى مقابل الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة، قبل أن يتم تجميد الاتفاق بعد تفاهمات بين الحكومة الصومالية الفيدرالية والحكومة الإثيوبية بوساطة تركية.
حسابات الجغرافيا أيضًا حاضرة فى رغبة الاحتلال الإسرائيلى للتموضع فى منطقة القرن الإفريقى، فهى حسابات تنطلق من الطموحات الإسرائيلية للحصول على موطئ قدم عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر بالقرب من مضيق باب المندب، بما يمكنها من بناء تحالفات اقتصادية وأمنية فى هذه المنطقة الحيوية، ويخدم مشروعها التوسعى بالمنطقة.
إذن؛ نحن أمام هندسة جديدة لجغرافيا المنطقة، قائمة بالأساس على المقايضة بالموقع الجغرافى مقابل الدعم السياسى، ومَحمل الخطورة فى هذه المعادلة، مسألة تعميمها فى المنطقة، ذلك أنه لا يمكن فصل ما يحدث فى الصومال، عن جبهات التوتر الأخرى فى الإقليم، فالواقع أننا أمام محور إقليمى يضم (إسرائيل وإثيوبيا وأطرافًا أخرى)، يدعم التفتيت الداخلى لكيانات دول المنطقة، بتبنّى مواقف منها دعم استقلال إقليم انفصالى داخل الصومال، والموقف نفسه دعم «ميليشيا» مسلحة فى السودان (الدعم السريع)، واعتماد المبدأ يعنى أننا أمام إعادة صياغة لخرائط الجغرافيا السياسية بالمنطقة، على وقع صراع النفوذ والتنافس الدولى القائم فيها.
الجغرافيا كأداة ضغط
نقطة التوقف الثانية، تتعلق بممارسات «محور الشر» الإقليمى، الساعى لتعزيز نفوذه وحضوره بالإقليم، حتى ولو على حساب تقسيم وتفتيت دول المنطقة، وارتباطه بديناميات الصراعات التى تشهدها منطقة القرن الإفريقى، وهنا نتوقف مع مشهد الخلاف الحاد الدائر بين السودان وإثيوبيا، على خلفية هجمات المُسَيّرات التى شنتها الأخيرة من أراضيها ضد مواقع داخل الأراضى السودانية، من بينها مطار الخرطوم الدولى.
كان من نتيجة هذا التوتر؛ إعلان الحكومة السودانية استدعاء سفيرها لدى أديس أبابا؛ خصوصًا بعد أن أعلن وزير الخارجية السودانى، أن «بلاده تمتلك أدلة قاطعة على أن منشآت مدنية تعرضت لهجمات خارجية انطلقت من الأراضى الإثيوبية»، وهددت الخرطوم بغلق مجالها الجوى أمام حركة الطيران الإثيوبى، حسبما نشرت صحف محلية بالسودان.
والشاهد هنا؛ أن إثيوبيا، تلك الدولة الحبيسة التى لا تمتلك سواحل منذ عام 1993 بعد استقلال إريتريا، وهى تجاهر علنًا على لسان رئيس وزرائها الحالى آبى أحمد، بنيتها ورغبتها فى الحصول على منفذ بحرى على ساحل البحر الأحمر، نجد أنها فى نفس الوقت تناصب الخلاف والصدام مع جوارها المباشر فى الشمال والشرق والجنوب، (السودان وإريتريا والصومال) بسبب ممارسات تستهدف سيادة تلك الدول.
والمعنى هنا؛ أنه لا يمكن فصل السلوك الإثيوبى، تجاه السودان، عن أزمتها مع الصومال على خلفية توقيع اتفاق غير قانونى فى 2024 مع إقليم «صوماليلاند»، فالاتفاق لم يتم التراجع عنه، وعن حالة التوتر القائم مع إريتريا بسبب رغبة أديس أبابا استعادة السيطرة على ميناء عصب الإريترى، وجميعها ممارسات تشكل فيها الجغرافيا عامل الضغط الرئيسى فى التوترات البينية بين دول منطقة القرن الإفريقى.
ونقطة التوقف هنا؛ أنه أمام الممارسات الإثيوبية التى لا تنفصل عن صراع النفوذ والإرادة الإقليمية بالمنطقة؛ تأتى الجغرافيا لتشكل أداة الضغط الرئيسية على نهج أديس أبابا العدوانى، بداية من دول جوارها المباشر الذين يقفون حَجَر عثرة أمام أى طموح إثيوبى توسعى يستهدف الوصول لسواحل البحر الأحمر، وذلك من خلال الإبقاء على طبيعتها الجغرافية الحبيسة، وحرمانها من أى موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر.
وهى الفلسفة نفسها التى تنطلق منها الرؤية المصرية الداعية إلى ضرورة «حوكمة وإدارة وتأمين البحر الأحمر» من خلال حماية السيادة الوطنية للدول المشاطئة له، وحصر تأمين البحر الأحمر على الدول المطلة له فقط، وهذا المبدأ الذى يرفض أى كيانات أخرى أو مشاركة دول حبيسة فى ممارسة أعمال السيادة على البحر الأحمر، يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، والتى تحصر إدارة الممرات البحرية فى الدول المطلة عليها مباشرة، أمّا الدول الحبيسة؛ فلها فقط حق العبور التجارى وليس المشاركة فى الحوكمة أو الأمن، وبالتالى فهو موقف قائم وفق مبادئ القانون الدولى.
الربط بين حوض النيل والبحر الأحمر
ومن حسابات الجغرافيا؛ يمكن أن تنطلق أدوات وآليات التعاطى والمواجهة مع ممارسات «محور الشر» الإقليمى، بالقرن الإفريقى، وحماية تخوم الأمن القومى المصرى ودول تلك المنطقة فى ظل صراع الإيرادات القائم بها؛ خصوصًا مع هشاشة أوضاعها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وإذا كنا نتحدث عن ممارسات أصبحت ظاهرة وبيّنة لإسرائيل ومَن يحالفها بساحة أرض الصومال، فلن يوقفها الرفض العابر للحدود من بيانات الإدانة والرفض والاستنكار، ولكننا فى حاجة إلى حلول «متعددة الأطراف»، تواجه طموحات ومصالح متعددة الأقطاب، وذلك من خلال منح القوى القادرة على صياغة حلول وتفكيك شبكة الصراعات المعقدة فى القرن الإفريقى، وردع أى تحركات من خارج الإقليم تؤثر على أمنه واستقرار كيان بلدانه؛ لقيادة هذا الدور.
وواقعيًا؛ نستطيع أن ننظر لخريطة التنافس الدولى والإقليمى فى القرن الإفريقى، من خلال ثلاثة مشاريع أو مَحاور أساسية، الأول يشمل الأطراف الدولية والقوى التى تحتفظ بموطئ قدم عسكرى أو اقتصادى أو سياسى حماية لمصالحها، والثانى محور الشر، الذى يستهدف سيادة وكيان دول المنطقة ويضم إسرائيل وحلفاءها الإقليميين من بينهم إثيوبيا، والمحور الثالث، وهو محور «دعم الشرعية والتهدئة»، الداعى لحماية السيادة الوطنية لدول المنطقة ومؤسّساتها وتفكيك الصراعات القائمة بحلول سياسية وسلمية، ويأتى على رأس هذا الاتجاه مصر ومعها السعودية وتركيا.
من هذا المنطلق؛ نستطيع الحديث عن مقاربة قائمة على استثمار عامل الجغرافيا، من خلال الربط بين دول الساحل الغربى للبحر الأحمر (القرن الإفريقى)، ودول حوض النيل، وتعزيز مصالح هذا التجمع الإقليمى بمبادرات مشتركة تستثمر قدرات وموارد تلك الدول، وتدعم فى الوقت نفسه؛ سيادة وأمن كل الدول، وفق إعلان مبادئ يؤكد على ثوابت أساسية أهمها دعم المؤسّسات الوطنية واحترام مبادئ حسن الجوار، ووحدة المصير.
وهذه المقاربة، سبق أن أشار إليها الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى عند زيارته للقاهرة فى أغسطس 2025؛ حيث تحدّث فى مؤتمره الصحفى مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، عن مسألة «الربط بين نهر النيل والبحر الأحمر»، وعن أهمية عدم الفصل بين «الطاقة والمياه والتنمية»، وأشار وقتها إلى أنه «يمكن تحقيق الرخاء لجميع دول هذه المنطقة، حال صياغة هذه الرؤية فى مبادرة إقليمية يتوافق عليها الجميع، وبالتالى نحن نتحدث عن تحرُّك إقليمى نشط يجمع هذه الدول، ويعزز من قدراتها فى مواجهة تحدياتها المختلفة.
بلا شك؛ أنّ الرئيس الأوغندى موسيفينى، من الأصوات الإفريقية المؤثرة، على الأقل فى محيطها الإقليمى (منطقة شرق إفريقيا وحوض النيل)، وبالتالى يمكن التعويل على مثل هذه المقاربات لتعزيز الأمن الإقليمى من خلال استثمار قدرات وأدوار دول المنطقة، بالربط بين دائرتىّ حوض النيل والقرن الإفريقى، وأهمية تحرُّك بهذه الصيغة أنه ستقوض أى تحركات أحادية تستهدف تخوم الأمن القومى المصرى كالتى تمارسها إثيوبيا، وتشكل فى الوقت نفسه؛ حائط صد أمام أى محاولات لتواجد كيانات من خارج المنطقة على سواحل البحر الأحمر.
والخلاصة؛ أنه رغم أهمية وضرورية اتساع دائرة الشجب والإدانة والرفض والاستنكار، وكل معانى الاعتراض على إجراءات «التطبيع» غير المشروع بين إسرائيل وما يسمى «أرض الصومال»؛ فإنها ليست كافية لردع الوجود الإسرائيلى بمنطقة حيوية مثل القرن الإفريقى، ولكن المشهد يستدعى صياغة حلول «متعددة الأطراف» تستثمر عامل الجغرافيا، بالربط بين دائرتىّ حوض النيل والبحر الأحمر؛ لتشكل أداة ضغط وحائط صد لحماية تخوم الأمن القومى المصرى والإقليمى لدول تلك المنطقة.










